بعد حرائق صيف 2026.. ماذا ينتظر غابات العالم؟ (مقال)

عندما تنطفئ آخر ألسنة اللهب، وتغادر طائرات الإطفاء السماء، ويعود السكان إلى بيوتهم، يبدو كأن الكارثة انتهت، لكن الغابة لا تعرف هذه النهاية السريعة.
ما يتركه الحريق خلفه أقل وضوحًا من النار نفسها، لكنه لا يقل خطورة: تربة فقدت جزءًا من قدرتها على الاحتفاظ بالماء، ومنحدرات صارت أكثر هشاشة، وأحواضًا مائية مهددة بالرواسب، ونُظم بيئية تحتاج إلى سنوات لتستعيد وظائفها، ومجتمعات بدأت للتوّ تواجه آثارًا اقتصادية واجتماعية تمتد إلى ما بعد موسم الحرائق بكثير.
لهذا تستحق حرائق صيف 2026 قراءة تتجاوز صور اللهب وأرقام المساحات المحترقة.
حين تنطفئ النار، لا تنتهي القصة: تبدأ مرحلة أقل ضجيجًا وأكثر حسمًا، هي مرحلة ما بعد الحريق.
صيف من الظواهر المتراكبة
شهدت مناطق واسعة من العالم هذا العام موسمًا اجتمعت فيه الحرارة الشديدة والجفاف والحرائق.
ففي أوروبا، سجّل صيف 2026 ثالث أعلى درجات حرارة منذ بدء الرصد على مستوى القارة، وكان الأشد حرارة على الإطلاق في أوروبا الغربية، مع إجهاد حراري قياسي وتدفقات أنهار هي الأدنى منذ أكثر من 3 عقود.
وبحلول 23 سبتمبر/أيلول، بلغت المساحة المحترقة في الاتحاد الأوروبي نحو 679 ألف هكتار، أي قرابة ضعف المتوسط المسجل للمدة نفسها خلال العقدين الماضيين، وإن بقيت دون مستوى 2025 القياسي.
وسجّلت فرنسا أكبر مساحة محترقة في تاريخها الحديث، في حين عاشت إسبانيا أحد أسوأ مواسمها.
وفي كندا، لم يبلغ الموسم قسوة عامَي 2023 و2025، لكنه تسارع بقوة في يوليو/تموز بفعل الحرارة والجفاف، لتتجاوز المساحة المحترقة نحو 4.5 ملايين هكتار بنهاية أغسطس/آب.

الجزائر في قلب المشهد
لم تكن الجزائر بعيدة عن هذا المشهد، فبعد عامين شهدا تراجعًا ملحوظًا في المساحات المتضررة، عاشت البلاد صيفًا صعبًا تركزت فيه الحرائق الكبرى في الولايات الشمالية الشرقية، من جيجل وبجاية وسكيكدة إلى الطارف وقالمة وعنابة.
وتشير الحصيلة المؤقتة للحماية المدنية حول حرائق صيف 2026 إلى احتراق أكثر من 141 ألف هكتار من الغطاء النباتي، منها أكثر من 43 ألف هكتار من الغابات ونحو 46 ألف هكتار من الأحراش، وهي أثقل حصيلة منذ 2021، الى جانب الخسائر البشرية.
ولم تقتصر خسائر حرائق صيف 2026 على الغطاء الغابي؛ فقد طالت المساكن والمحاصيل والأشجار المثمرة والماشية وخلايا النحل، ما يجعل أثر الحرائق ممتدًا إلى مصادر رزق آلاف الأسر الريفية لسنوات.
وشرعت السلطات في إحصاء الخسائر والتكفل بالمتضررين، مع إبقاء جهاز مكافحة حرائق الغابات في حالة تأهُّب إلى غاية 30 نوفمبر/تشرين الثاني.
في المقابل، كان واضحًا أن الاستعداد التشغيلي تعزَّز هذا العام: مناورات تطبيقية قبل ذروة الموسم، وتجنيد نحو 20 ألف عون من الحماية المدنية، و3170 منصبًا ماليًا جديدًا لدعم هذا الجهاز، إضافة إلى الاستعانة بطائرات مسيّرة في الرصد والإنذار المبكر.
وهذه مؤشرات على أن إدارة الخطر باتت تتطلب جاهزية مؤسسية تتجاوز التدخل الميداني وحده.
ماذا يحدث بعد أن تنطفئ النار؟
غير أن الأرقام، مهما كبرت، لا تختصر القصة، فالسؤال الذي يُطرح عادةً بعد كل موسم هو: كم هكتارًا احترق؟ وكم حريقًا اندلع؟ وكم طائرة شاركت؟ أمّا السؤال الأصعب فهو: ماذا يحدث لهذه الأراضي بعد أن تنطفئ النار؟
هنا تبدأ مرحلة لا تحظى بالاهتمام الإعلامي نفسه، فالغطاء النباتي الذي كان يحمي التربة اختفى، وفي المناطق شديدة الاحتراق تصبح التربة أكثر عرضة للانجراف مع أولى الأمطار.
وقد تنقل السيول الرماد والرواسب إلى الأودية والسدود، فيمتد أثر الحريق إلى منظومة المياه، حتى في مناطق لم تبلغها النيران.
وقدّرت دراسة نُشرت مطلع 2026 في مجلة “نيتشر لعلوم الأرض” أن الانجراف الناتج عن حرائق الغابات يمثّل قرابة خُمس انجراف التربة في العالم، وأن الحرائق الجديدة لا تفسّر سوى نحو ثلثه، في حين يعود الباقي إلى حرائق سابقة.
بعبارة أخرى، لا ينتهي الخطر بانقضاء السنة الأولى، بل تظل الأرض المحترقة هشة لسنوات.
وهذا ينطبق على الجزائر بقدر ما ينطبق على إسبانيا أو فرنسا أو كندا، فالمناطق الجبلية التي فقدت غطاءها تحتاج إلى مراقبة لاحقة، خاصةً مع أولى التساقطات القوية.
والتحدي اليوم ليس فقط منع عودة النار، بل منع تحوّل آثارها إلى فيضانات وانهيارات وتلوث للمياه.

إعادة التشجير
بعد حريق كبير، تبدو إعادة التشجير استجابة طبيعية ومطمئنة، لكن استعادة الغابة ليست عملية حسابية تقاس بعدد الشتلات المغروسة. فالغابة التي ستنمو بعد 2026 ستواجه مناخًا أشد حرارة وجفافًا من الذي نشأت فيه سابقتها، ولذلك ينبغي أن يُبنى الغطاء النباتي الجديد على مستقبل المنطقة، لا على ماضيها وحده.
ثم إن التعافي لا يسير بالوتيرة نفسها في جميع مكونات النظام البيئي: قد يعود الغطاء النباتي سريعًا في بعض المواقع، على حين تحتاج التربة والوظائف الهيدرولوجية إلى سنوات أطول، قد تبلغ عقدًا أو أكثر بحسب شدة الحريق والظروف المحلية.
لذلك تحتاج الجزائر -كغيرها من الدول المتضررة- إلى التعامل مع الاستعادة بوصفها مشروعًا بيئيًا طويل الأمد، لا حملة تشجير تعقب الكارثة.
فالمطلوب ليس استعادة المساحات الخضراء على الخرائط، بل استعادة قدرة النظام البيئي على الاحتفاظ بالمياه وحماية التربة ودعم التنوع البيولوجي، وتقليل قابليته للاشتعال من جديد. فالسؤال الصحيح ليس: كيف نعيد التشجير؟ بل: كيف نبني غابة أقدر على الصمود؟
من إطفاء الحرائق إلى إدارة المخاطر
هنا جوهر القضية: العالم لا يحتاج إلى قدرات إطفاء أكبر فحسب، بل إلى سياسات أفضل لإدارة المخاطر، الطائرات وفرق التدخل والأقمار الصناعية والإنذار المبكر أدوات لا غنى عنها، لكنها جزء من منظومة أوسع.
فالوقاية تبدأ قبل الحريق بوقت طويل: مراقبة الجفاف والحرارة، وإدارة الغطاء النباتي والحمولة القابلة للاشتعال، وتحديد المناطق عالية الخطورة، وضبط التوسع العمراني عند تخوم الغابات، ورفع جاهزية السكان والمؤسسات.
والدولة التي تعرضت لحريق واسع باتت تملك -بطريقة مؤلمة- معرفة جديدة بنقاط ضعفها: أين انتشرت النار بسرعة، وأين تعذَّر الوصول، وما مدى فاعلية الإنذار والإجلاء، وأين انكشفت هشاشة البنية التحتية.
فإذا بقيت هذه المعرفة حبيسة تقارير ما بعد الكارثة، ضاعت أثمن فرصة للتعلم، أمّا إذا تُرجمت إلى خرائط مخاطر محدّثة، وخطط طوارئ مراجَعة، وتغييرات في إدارة الغابات والتخطيط العمراني والاستثمار الوقائي، فإن الحريق، رغم كلفته، يصير مصدرًا للمعرفة.
وهذا التحول مهم للجزائر تحديدًا، لأن التعامل مع الحرائق بوصفها ظاهرة صيفية لم يعد كافيًا، فالمناخ الأكثر حرارة وجفافًا قد يطيل موسم الخطر ويرفع شدته، كما أنّ تغيُّر استعمالات الأراضي والضغط على المجال الغابي يزيدان هشاشة بعض المناطق.
لا يعني ذلك أن كل صيف قادم سيكون أسوأ من سابقه، ولا أن كل منطقة احترقت هذا العام ستحترق في 2027، لكن المؤكد أن المخاطر التي كشفَها صيف 2026 لن تختفي بانتهاء الموسم: الأراضي المحترقة تحتاج إلى مراقبة، والتربة إلى حماية، والأحواض المائية إلى تقييم، والغابات إلى قرارات مدروسة بشأن مسار تعافيها، والمجتمعات المجاورة لها إلى جاهزية أكبر.
حرائق الغابات
لم تعد حرائق الغابات قضية بيئية معزولة؛ إنها تتقاطع مع المياه والزراعة والصحة والبنية التحتية والتخطيط العمراني والاقتصاد والأمن المجتمعي.
ولذلك فإن الاستجابة الأذكى ليست انتظار الصيف المقبل لمعرفة أين ستشتعل النار، بل استثمار ما تركه صيف 2026 من معطيات لإعادة رسم خريطة المخاطر قبل حلول موسم جديد.
ولعل هذه هي القيمة الحقيقية للمقارنة بين الجزائر وكندا ودول جنوب أوروبا: اختلاف الجغرافيا لا يلغي تشابه التحدي، فالجميع يواجه السؤال نفسه، وإن اختلفت القدرات: كيف نُحوّل موسمًا كارثيًا إلى سياسة تمنع تكرار الكارثة، أو تحدّ من آثارها على الأقل؟
الحريق لا ينتهي حين تنطفئ النار، بعده يبدأ الاختبار الحقيقي لقدرة الدول على التعافي والتعلم والاستعداد، وفي الجزائر، كما في سائر الدول التي احترقت غاباتها هذا الصيف، سيكون ما يحدث بعد الحريق بأهمية ما حدث في أثنائه.
د. منال سخري.. خبيرة وباحثة في السياسات البيئية
* هذا المقال يعبّر عن رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
اقرأ أيضًا..



