أنابيب الغاز في بريطانيا قيد رقابة روسيا.. ماذا يحدث تحت الماء؟

اقرأ في هذا المقال
- • ما يثير القلق في الوقت الراهن هو أمن إمدادات الغاز إلى بريطانيا
- • النقاش الوطني ركّز بصورة مفرطة على التهديدات التي تواجه كابلات البيانات
- • بريطانيا تقع في مرمى أهداف الكرملين بسبب دورها في الحرب على أوكرانيا
- • أسعار الغاز بالجملة في أوروبا تضاعفت 3 مرات لتصل إلى 95.22 دولارًا لكل ميغاواط/ساعة
تعرضت خطوط أنابيب الغاز في بريطانيا لرقابة ناقلات خاضعة للسيطرة الروسية، ما أثار مخاوف كبيرة بشأن تدفق الإمدادات وارتفاع الأسعار.
في الأيام الأخيرة من شهر سبتمبر/أيلول المنصرم، ظلت ناقلة خاضعة لسيطرة روسية تحوم لمدة 40 ساعة فوق خطوط أنابيب حيوية في بحر الشمال، تغذي محطة “سانت فيرغوس” للغاز، التي توفر ما بين 25% و50% من إجمالي استهلاك بريطانيا من الغاز.
وبعد 3 أيام، ظهرت ناقلة ترفع العلم الصيني -لكنها في الواقع جزء من “أسطول الظل” الروسي، وفقًا للاستخبارات الأوكرانية- في الموقع ذاته شرق جزر شيتلاند، بحسب مقال اطلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن).
بدورها، تذكر شركة “ويندوورد” للاستخبارات البحرية (Windward) أن السفينتين تصرفتا بالطريقة ذاتها، إذ ظلتا تنجرفان لمدة تتراوح بين 6 و24 ساعة، ثم تبحران لمسافة بضعة أميال إلى الخلف، قبل أن تعودا إلى الانجراف مجددًا.
تتبُّع خطوط أنابيب الغاز في بريطانيا
تشير شركة “ويندوورد” للاستخبارات البحرية إلى أن السفينة الثانية توقفت عند حافة ممر خطوط أنابيب “فلاغز” (Flags)، ثم أمضت 11 ساعة على مسافة تقل عن ميل بحري واحد (1.852 كيلومترًا) من خط أنابيب ألوين-فريغ (Alwyn-Frigg).
وقبل ذلك بأيام، رُصدت سفينتا قطر روسيتان تحومان فوق كابلات كهربائية وبيانات دنماركية في ممر “كاتيغات”، بحسب مقال لمحرر الشؤون الاقتصادية العالمية لدى صحيفة “ذا تيليغراف” أمبروز إيفانز-بريتشارد.
وكانت إحداهما تجر بارجة مزودة بحفارة قادرة على العمل في قاع البحر، ولم تكن أي منهما تمارس نشاط تجاري ظاهر.

وقد شهدت الأسابيع القليلة الماضية تصاعدًا مقلقًا في أنشطة “الحرب الخفية” تحت سطح البحر من جانب روسيا والصين -ربما بتواطؤ بينهما- في مناطق تمتد من “غراند بانكس” قبالة كندا، وصولًا إلى غوام واليابان ومضيق لوزون في الشرق الأقصى.
ويضيف أمبروز إيفانز-بريتشارد أن ما يثير القلق في الوقت الراهن هو أمن إمدادات الغاز إلى بريطانيا، سواء تلك القادمة من حقولها البحرية أو من النرويج، فهذه هي نقطة ضعفنا الأكثر حرجًا ومباشرة.
من ناحيته، يقول البروفيسور من المعهد الملكي للخدمات المتحدة آر يو إس آي (RUSI) كيفن رولاندز: إن البلاد في وضع شديد الهشاشة، فقد أدرك الروس أن شن هجمات على البنية التحتية للغاز يحقق تأثيرًا يفوق أي شيء آخر.
ويشير إلى أنه حال تعرض أحد خطوط أنابيب الغاز في بريطانيا لهجوم فإن إصلاحه قد يستغرق أسابيع أو أشهرًا، وليس مجرد أيام، وإذا وقعت عدة تصدعات فسيكون الوضع أسوأ بكثير، إذ يمكن مثلًا وضع عبوات ناسفة على طائرات مسيّرة تحت الماء وتفجيرها.
ويضيف البروفيسور رولاندز – الذي ترأس سابقًا مركز الدراسات الإستراتيجية في البحرية الملكية أن أي جهة تابعة للدولة البريطانية لا تملك القدرة على إصلاح خطوط الأنابيب هذه، فالأمر متروك لشركات تجارية خاصة، وهناك الكثير من الغموض حول الجهة المسؤولة فعليًا.
ويشير إلى أن النقاش الوطني ركّز بصورة مفرطة على التهديدات التي تواجه كابلات البيانات، متجاهلًا ما قد يكون الآن خطرًا أكبر.
ويوضح أن من الأسهل مهاجمة كابلات البيانات، إذ يكفي سحب مرساة سفينة فوقها، لكن نظرًا إلى وجود أكثر من 60 كابلًا فهناك بدائل كافية، فقد يتسبب ذلك في أضرار مؤقتة، لكن يمكن إعادة توجيه حركة البيانات عبر مسارات أخرى.
من جانبه، يذكر المدير السابق لمقر الاتصالات الحكومية جي سي إتش كيو (GCHQ) السير ديفيد أوماند أن بريطانيا تقع في مرمى أهداف الكرملين بسبب دورها في الحرب بأوكرانيا.
ودعا أمام لجنة برلمانية كانت تحقق في الحروب التي تدور تحت سطح البحر إلى توقع الاستهداف من جانب الروس.
وكان تقرير صادر عن لجنة مشتركة في العام الماضي قد وجّه انتقادًا لاذعًا إلى حالة التهاون التي سادت في الماضي، إذ أشار إلى شعور بالقلق إزاء مستوى التشكيك الذي لوحظ في بعض قطاعات الصناعة والحكومة حول جدوى الاستعداد لهجمات منسقة واسعة النطاق.
ويرى البروفيسور رولاندز أن التحركات الروسية الأخيرة بالقرب من جزر شيتلاند ربما لا تعدو كونها محاولة أخرى لاختبار رد الفعل، ويوضح أن شن هجوم صريح لم يكن جزءًا من أسلوبهم المعتاد حتى الآن، فهم يفضلون دائمًا ترك مجال لإنكار تورطهم.
ويشير أمبروز إيفانز-بريتشارد إلى أن فلاديمير بوتين يميل إلى التصعيد المفاجئ، فهو معتدٍ انتهازي لا يتحرك إلا عندما تتهيأ الظروف تمامًا لخدمة أهدافه.
ويضيف أن بوتين انتظر وقوع تطورين حاسمين قبل أن يبدأ في ممارسة ضغوط عبر تقليص إمدادات الغاز إلى أوروبا في منتصف عام 2021، وهي الخطوة التي مهدت الطريق لغزو أوكرانيا بعد 8 أشهر.
ويمثل التطور الأول في النقص العالمي بإمدادات الغاز في أعقاب جائحة كوفيد.
أما الثاني فكان الاتفاق المصيري الذي أبرمه جو بايدن مع المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل، القاضي برفع العقوبات الأميركية عن خط أنابيب الغاز الروسي نورد ستريم، وهو ما اعتبره بوتين بمثابة ضوء أخضر للمضي قدمًا في مساعيه.
أسعار الغاز بالجملة في أوروبا
تضاعفت أسعار الغاز بالجملة في أوروبا 3 مرات لتصل إلى 85 يورو (95.22 دولارًا) لكل ميغاواط/ساعة منذ أن أشعل دونالد ترمب فتيل التوترات في الشرق الأوسط في فبراير/شباط الماضي.
يقول أمبروز إيفانز-بريتشارد”: اليوم، باتت الأسعار تعادل 6 أضعاف متوسط مستوياتها المسجلة قبل الجائحة، وهي مرشحة للمزيد من الارتفاع، ربما لتتضاعف مجددًا”.
ويوضح أمبروز إيفانز-بريتشارد أن بريطانيا لا تملك داخل أراضيها سوى مخزون يكفي لـ7 أيام فقط.
ويضيف أن موقع روف (Rough) لتخزين الغاز في بريطانيا ما يزال شبه فارغ بسبب خلاف مع شركة سنتريكا (Centrica) حول الجهة التي ستتحمل التكاليف.
لقد اعتمدت بريطانيا على دول القارة الأوروبية لتخزين احتياجاتها من الغاز، لكن مواقع التخزين في أوروبا لم تُملأ بصورة كافية خلال الصيف، إذ آثر المشترون الانتظار على أمل انخفاض الأسعار، ظنًا منهم أن حرب إيران ستنتهي قريبًا.
وبلغت مستويات تخزين الغاز لدى الاتحاد الأوروبي أدنى مستوياتها الموسمية منذ 15 عامًا، في حين سجلت ألمانيا وهولندا أدنى مستوياتهما على الإطلاق، حسب مصادر تابعتها منصة الطاقة المتخصصة.
ويرى أمبروز إيفانز-بريتشارد أن ترمب زاد الأمور خطورة من خلال مسرحيته الماكرة المتمثلة في “صفقة الديزل” التي أبرمها مع بوتين، إذ لا يمكن لروسيا إضافة أي إمدادات فعلية إلى السوق العالمية في أي إطار زمني معقول.
ووفقًا لشركة إس آند بي غلوبال إنرجي (S&P Global Energy)، فإن نصف القدرة التكريرية لروسيا بات خارج الخدمة نتيجة هجمات الطائرات المسيرة الأوكرانية التي استهدفت وحدات التكسير التحفيزي، وهي منشآت يتطلب إصلاحها 6 أشهر على الأقل.

الديزل الروسي
يجد بوتين نفسه مضطرًا لاستيراد الوقود من الهند وقازاخستان، بل ربما يستورد الديزل من إيران عبر خطوط السكك الحديدية وبحر قزوين، ما يعني أن أي كمية من الديزل الروسي قد تصل إلى الولايات المتحدة -إن وُجدت- قد تكون في الواقع إيرانية المنشأ.
وتشير تقارير إلى أن الكرملين يساعد إيران في استهداف الجنود الأميركيين من خلال تزويدها بمعلومات استخباراتية لتحديد الأهداف.
رغم ذلك، تكتسب هذه الصفقة أهميتها من الضرر السياسي الجسيم الذي تلحقه، فقد قوض ترمب تمامًا “قانون غراهام لفرض عقوبات على روسيا وإيران” -الذي أقره مجلس الشيوخ بأغلبية 86 صوتًا مقابل 11-، وهو القانون نفسه الذي وقعه ترمب ليصبح نافذًا قبل 4 أسابيع فقط.
وفي الوقت نفسه، تظهر أنباء تفيد بأن عائلة ترمب تجري مفاوضات نشطة مع الكرملين لتقاسم الأصول العالمية لشركة النفط الروسية لوك أويل (Lukoil)، وتناقش الحصول على حصة ما في مشروع إحياء خط أنابيب نورد ستريم.
بدورها، بددت بريطانيا 100 مليار جنيه إسترليني (132.49 مليار دولار) على برامج سخية للرعاية الاجتماعية وُجهت لأشخاص قادرين على العمل.
وعلى دعم أسعار الغاز الذي استفادت منه في الغالب طبقة متوسطة ميسورة الحال، وهي طبقة لم تبذل سوى جهود هزيلة للاستعداد للصدمة التالية التي تضربها الآن.
موضوعات متعلقة..
اقرأ أيضًا..
المصدر..



