الأخبار

بلو: تأهيل قيادات مراكز الإعاقة البصرية ضرورة لتطوير الخدمات


جدة – ياسر خليل

أكد الكاتب والمحرر الأدبي والناشط في مجال الإعاقة البصرية وإعادة التأهيل، محمد توفيق بن أحمد بلو، ضرورة تأهيل القيادات الإدارية والعاملين في مراكز خدمات الإعاقة البصرية، وتطوير قدراتهم في فهم احتياجات المستفيدين وإدارة برامج إعادة التأهيل، بما يسهم في رفع كفاءة الخدمات وتعزيز استقلالية المكفوفين وضعاف البصر.

وقال بلو لـ«الاقتصاد»، بمناسبة اليوم العالمي للعصا البيضاء، الذي يوافق 15 أكتوبر من كل عام، إن تطوير منظومة خدمات الإعاقة البصرية يتطلب تكامل التأهيل المهني مع تهيئة البيئة المحيطة، وتطبيق معايير الوصول الشامل في المرافق العامة ووسائل النقل وبيئات العمل، إلى جانب دعم الأبحاث والدراسات المتخصصة وتوفير إحصاءات دقيقة ومحدثة تساعد على التخطيط وتحديد الأولويات وقياس أثر البرامج.

وأوضح أن الاحتفاء باليوم العالمي للعصا البيضاء يعكس تنامي الوعي بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية وأهمية تمكينهم من الحركة باستقلالية والمشاركة الفاعلة في المجتمع، معربًا عن تطلعه إلى اعتماد المناسبة رسميًا من الجمعية العامة للأمم المتحدة، بما يعزز الاهتمام الدولي بحقوق المكفوفين وضعاف البصر.

العصا البيضاء.. أداة للاستقلالية

وأشار بلو إلى أن الاحتفاء بهذه المناسبة بدأ في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1964، بعد إعلان رئاسي استجابة لقرار من الكونغرس الأمريكي بتخصيص 15 أكتوبر يومًا للعصا البيضاء، قبل أن يمتد إلى دول عديدة حول العالم.

وبيّن أن العصا البيضاء ليست مجرد أداة لاكتشاف العوائق أثناء المشي، بل وسيلة أساسية لتعزيز استقلالية الكفيف وتمكينه من التنقل والاعتماد على نفسه، فضلًا عن تعريف المحيطين به بحالته البصرية وتنبيههم إلى مراعاة سلامته.

وأضاف، من واقع تجربته الشخصية مع فقدان البصر، أن امتلاك العصا البيضاء لا يعني بالضرورة إتقان استخدامها، إذ يتطلب ذلك تدريبًا متخصصًا على مهارات التوجه والحركة، وتحديد الاتجاهات، واكتشاف العوائق، والتعرف على طبيعة الأرضيات، وعبور الشوارع، واستخدام المرافق العامة ووسائل النقل.

وشدد على أهمية اختيار العصا المناسبة لطول المستخدم وطبيعة حركته، مع مراعاة خفة وزنها وخصائصها العاكسة للضوء ونوع رأسها، وفق احتياجات الشخص وتوجيهات اختصاصيي التوجه والحركة.

وأكد ضرورة التمييز بين الكفيف وضعيف البصر، موضحًا أن استخدام العصا البيضاء لا يعني بالضرورة انعدام الرؤية تمامًا، وأن احتياجات التدريب تختلف باختلاف مستوى الإبصار والقدرات الفردية والبيئة المحيطة.

العوائق البيئية تهدد سلامة المكفوفين

ولفت بلو إلى أن أبرز التحديات التي تواجه الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية أثناء التنقل لا ترتبط دائمًا بقدرتهم على استخدام العصا البيضاء، بل بمدى تهيئة البيئة المحيطة وإزالة العوائق التي تهدد سلامتهم.

وأوضح أن إشغال الأرصفة بالمركبات، ووضع أحواض الزراعة وصناديق الكهرباء في مسارات المشاة، وترك الحفريات دون تأمين، ووجود الحواجز عند المداخل والعوائق البارزة على مستوى الرأس، كلها ممارسات تشكل مخاطر قد لا تتمكن العصا البيضاء من اكتشاف بعضها.

وكشف عن تعرضه شخصيًا لإصابات أثناء ارتياد بعض المساجد، نتيجة اصطدامه برفوف المصاحف المعلقة على الأعمدة وبقواعد حديدية لمساند الظهر، ما اضطره إلى الحد من ارتياد بعض المساجد حفاظًا على سلامته.

وقال إنه طالب مرارًا بتطبيق مبادئ الوصول الشامل، من خلال إبقاء الممرات والمداخل خالية من العوائق، وتوفير الأرضيات الإرشادية، والحد من الوهج وتحسين الإضاءة، واستخدام الألوان المتباينة لمساعدة ضعاف البصر وكبار السن، إلى جانب توفير الإرشادات الصوتية واللمسية وتهيئة وسائل النقل ومخارج الطوارئ.

وشدد على أن تصميم البيئات الآمنة ينبغي أن يراعي احتياجات مختلف المستخدمين منذ البداية، بدلًا من انتظار وقوع الحوادث ثم البحث عن حلول مؤقتة.

المساعدة تبدأ باحترام الاستقلالية

وأكد بلو أهمية تصحيح المفاهيم المجتمعية المرتبطة باستخدام العصا البيضاء، مشيرًا إلى أن وجودها لا يعني عجز صاحبها عن الحركة أو حاجته الدائمة إلى من يقوده، وأن التصرف الصحيح يبدأ بسؤاله عما إذا كان بحاجة إلى المساعدة، ثم احترام قراره.

وأوضح أنه عند طلب الكفيف المساعدة أثناء المشي، ينبغي للمرافق أن يعرض ذراعه ليمسك بها فوق المرفق، وأن يسير أمامه بنحو نصف خطوة، مع تنبيهه مسبقًا إلى الدرج والعوائق وتغيرات مستوى الأرض، وتعريفه بالمعالم المحيطة، خصوصًا العوائق البارزة على مستوى الرأس.

وأشار إلى أن من الممارسات الخاطئة إيقاف المركبات فوق الأرصفة، أو وضع البضائع والأحذية والأثاث في مسارات المشاة، أو تغيير مواقع الأشياء دون تنبيه الشخص الكفيف، فضلًا عن استخدام عبارات مكانية مبهمة مثل «هنا» و«هناك» دون تحديد الاتجاه بوضوح.

وأكد أن احترام استقلالية الكفيف يبدأ باحترام قراره وتقديم المساعدة بالطريقة التي يحتاج إليها، لا بالطريقة التي يفرضها الآخرون عليه.

التقنيات المساندة تفتح آفاقًا جديدة

وأشار بلو إلى أن التقنيات المساندة شهدت تطورًا كبيرًا أسهم في توسيع فرص المكفوفين وضعاف البصر في التعليم والعمل والحياة اليومية، مستذكرًا زيارته لمؤسسة «لايت هاوس» في نيويورك عام 1994، حيث استخدم أجهزة التكبير الإلكتروني والمساعدات البصرية التي مكنته من استعادة القدرة على قراءة بعض النصوص والكتابة، بعد أن اعتقد أن ذلك أصبح مستحيلًا.

وأوضح أن الهواتف الذكية وقارئات الشاشة والتطبيقات الناطقة وتقنيات التعرف على النصوص والأشياء، إلى جانب أنظمة الملاحة والإرشاد الصوتي والذكاء الاصطناعي، أتاحت إمكانات أوسع للوصول إلى المعلومات والتعلم والعمل باستقلالية.

لكنه أكد أن التقنية، على أهميتها، لا تغني عن التأهيل المتخصص ولا تعالج بمفردها أوجه القصور في البيئة العمرانية، فالتطبيقات التي ترشد الكفيف إلى وجهته لا تحميه بالضرورة من الحفر غير المؤمنة أو العوائق المعلقة في مستوى الرأس.

مسؤولية مشتركة للتمكين

وشدد بلو على أن تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، التي ينبغي أن تشجع الطفل الكفيف أو ضعيف البصر على اكتساب مهارات الاستقلالية منذ الصغر، بدلًا من المبالغة في حمايته بما قد يحد من قدرته على الاعتماد على نفسه.

وأضاف أن المدارس مطالبة بتوفير التعليم الميسر والتقنيات المناسبة والمعلمين المؤهلين، مع مراعاة الفروق بين المكفوفين وضعاف البصر، وعدم افتراض تماثل احتياجاتهم التعليمية.

وأوضح أن مسؤولية الجهات الحكومية والقطاع الخاص تشمل تهيئة المرافق ووسائل النقل وبيئات العمل، وتوفير فرص التدريب والتوظيف وفق القدرات والمؤهلات، والالتزام بمعايير الوصول الشامل.

واستنادًا إلى خبرته في مجال خدمات الإعاقة البصرية وإعادة التأهيل، التي شملت أكثر من 13 عامًا في إدارة جمعية إبصار الخيرية، إلى جانب البرامج التدريبية والتأهيلية التي التحق بها في الولايات المتحدة الأمريكية، أكد بلو أن تطوير الخدمات لا يقتصر على تأهيل المستفيدين، بل يشمل أيضًا رفع كفاءة الأطباء واختصاصيي ضعف البصر والتوجه والحركة وإعادة التأهيل.

التأهيل الإداري أساس تطوير الخدمات

ودعا بلو إلى إعطاء الأولوية لتدريب وتأهيل القيادات الإدارية والعاملين في مراكز خدمات الإعاقة البصرية على مفاهيم إعادة التأهيل وبرامجه، بما يعزز قدرتهم على فهم احتياجات المستفيدين وتطوير الخدمات المقدمة لهم.

وأوضح أن الخبرة الإدارية وحدها لا تكفي لإدارة مراكز التأهيل بكفاءة ما لم تقترن بمعرفة طبيعة الإعاقة البصرية، والفروق بين فقدان البصر وضعفه، ومبادئ الاستقلالية ومكونات برامج التأهيل، واحتياجات المستفيدين والكوادر المتخصصة.

وأكد أن بناء منظومة متكاملة لخدمات الإعاقة البصرية يتطلب كوادر مؤهلة وبيئة مهيأة ومجتمعًا يدرك حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وإمكاناتهم.

كما دعا إلى دعم الأبحاث والدراسات المتخصصة، وتوفير إحصاءات دقيقة ومحدثة تشمل التوزيع الديموغرافي للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، ومسببات الإعاقة، ومستويات المهارات، والاحتياجات التأهيلية والتعليمية والمهنية، مع مراجعة هذه البيانات دوريًا لتكون أساسًا علميًا للتخطيط وتطوير الخدمات وتحديد الأولويات وقياس أثر البرامج.

«العصا البيضاء» مسؤولية مجتمعية

وفي ختام تصريحه، أكد بلو أن الاحتفاء باليوم العالمي للعصا البيضاء ينبغي ألا يقتصر على حملات التوعية، بل أن يتحول إلى التزام عملي بإزالة العوائق وتطوير خدمات التأهيل وتهيئة المساجد والمدارس والمستشفيات والشوارع ووسائل النقل وأماكن العمل.

وقال: «لقد عشت تجربة فقدان البصر وتداعياتها المهنية والاجتماعية، وأدركت أن أكبر العوائق التي تواجه الإنسان ليست دائمًا في قدراته الجسدية أو الحسية، بل قد تكون في البيئة المحيطة به، وفي نظرة المجتمع إلى إمكاناته».

وأضاف أن العصا البيضاء ليست رمزًا للعجز أو دعوة إلى الشفقة، وإنما رمز لحق الإنسان في الحركة والاستقلالية والمشاركة في المجتمع.

واختتم بقوله: «فالعصا البيضاء تساعد الكفيف على اكتشاف الطريق، لكن مسؤولية المجتمع أن يجعل هذا الطريق آمنًا ومتاحًا للجميع».



Source link

Ahmed Hemdan

كاتب وصحفي إخباري شغوف بالرصد الميداني والرقمي، متخصص في اقتناص الخبر لحظة وقوعه وصياغته بمهنية وموضوعية عالية. يمتلك حسّاً صحفياً فريداً لتمييز الأخبار العاجلة والمهمة ومتابعة تفاصيلها أولاً بأول من مصادرها الموثوقة. يسعى دائماً ليكون الحلقة الأسرع والأكثر دقة في نقل المعلومة للقارئ، مع الالتزام بقواعد النشر الرقمي وسرعة الأرشفة لتغطية كافة الأحداث والتوجهات الجديدة فور ظهورها، ليبقى متابعو الموقع في قلب الحدث على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى