تعذيب ضبع ليبي .. لماذا انقلبت مواقع التواصل دفاعا عنه؟ | علوم

تم النشر بتاريخ 22/10/2026
|
آخر تحديث: 22:52 (توقيت مكة)
عادت قضية استهداف الضباع المخططة إلى الواجهة في ليبيا مجددا، بعد أن انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو جديد يوثق اصطياد مواطن لأحد الضباع وقيامه وآخرين بتعذيبه، بدعوى أنه يمثل تهديدا للبشر وقطعان الأغنام والماعز.
وقبل شهور كان قد انتشر فيديو آخر لتعذيب أحد الضباع المخططة قبل قتله، وهو الفيديو الذي أثار في أبريل/نيسان الماضي انتقادات واسعة حينها، لكن هذه الانتقادات لم تكن كافية لتحرك رسمي وتوعية شعبية تمنع مثل هذه السلوكيات الضارة بالتوازن البيئي.
قصص مقترحة
قائمة من 2 العناصرنهاية القائمة
وضجت مواقع التواصل الاجتماعي مع انتشار الفيديو الجديد قبل أيام، وامتلأت بانتقادات لاذعة لمثل هذه السلوكيات التي رأت الأغلبية أنها غير مبررة، ووصفوها بأنها “بطولات وهمية ” يظن البعض أنه حققها عندما يتم الإيقاع بحيوان كهذا وإقامة حفلة تعذيب له، غير عابئين بأنه يمثل ثروة وطنية يحظر التعرض لها والتفريط فيها لأهميتها البيئية.
وفي المقابل ترى قلة أن هذا الحيوان يمثل خطرا على البشر وعلى الثروة الحيوانية للمواطنين، ومن حقهم التخلص منه حماية لأنفسهم وما يمتلكونه من حيوانات.
مبررات لا تسوغ القتل
ورغم انزعاج أحمد عجاج، مدير منظمة البراري لصون الطبيعة في ليبيا، من مشاهد الفيديو، إلا أنه لم يخف في تصريحات للجزيرة نت سعادته بحالة الوعي التي لمسها في تجاوب المواطنين معه بالانتقاد الشديد، مبديا في الوقت ذاته، استغرابه من استمرار شيوع مبررات قديمة لدى قلة لتبرير قتل الضبع المخطط.
ويقول إن “هذا الحيوان يتميز بسلوكه الحذر وميله إلى تجنب الإنسان، ولم يتم تسجيل أي حالات من قبل لاعتدائه على البشر، ومع ذلك فإن معلومة أنه يعتدي على البشر شائعة بين البعض منذ زمن بعيد، ويتم استدعاؤها لتبرير مثل هذه السلوكيات “.
ولا ينكر في المقابل، أنه حدث تغير في سلوك هذا الحيوان، يدفعه في أوقات نادرة لمغادرة موائله في الجبل الأخضر، بما يتضمنه من أودية عميقة وكهوف ومنحدرات صخرية مناسبة للعيش والتكاثر، بحيث يقترب من التجمعات البشرية، وقال: “البشر هم من يتسببون في هذه السلوكيات بصيدهم الجائر للطرائد من الحياة البرية، والتي كانت تمثل غذاء له، مثل الأرانب، ومع ندرة الغذاء يضطر لمغادرة موائله الرئيسية للاقتراب أكثر من التجمعات البشرية “.
وتشير دراسة أجريت في منطقة برقة شمال شرقي ليبيا، ونشرتها دورية، أن الأرانب، هي أحد أهم الطرائد التي يرتبط وجودها في الجبل الأخضر باستمرار الضبع المخطط في موائله، ومع ندرتها بسبب الصيد الجائر لها، قد يضطر الضبع المخطط لتغيير نظامه الغذائي.
ويؤيد ذلك دراسة أجريت في تنزانيا ونشرت بدورية “جورنال أُف أنيمَل إيكولوجي” حيث قارن الباحثون بيانات من فترتين تفصل بينهما نحو ثلاثة عقود، ووجدوا أنه عندما تراجعت أعداد بعض الفرائس الرئيسية وازدادت أعداد الجاموس، غيرت الضباع سلوك الصيد، فأصبحت تصطاد مزيدا من عجول الجاموس والحمير الوحشية البالغة، كما زادت استفادتها من الجيف التي تحصل عليها من الأسود.
ومع ذلك، يؤكد أحمد، أن اضطرار الضبع المخطط لمغادرة موائله بحثا عن الغذاء، لا يبرر قتله أو اصطياده ثم تعذيبه، لأنه لا يقترب من البشر، وسيظل الخطر الوحيد يتمثل في اقترابه من حظائر الحيوانات، وهو أمر يمكن التغلب عليه عبر تأمين الحظائر، واستخدام كلاب الحراسة والرعي، وتحسين إدارة القطعان، بدلاً من اعتبار قتل المفترسات الحل الأول “.
اتهام كاذب في كثير من الحالات
ويشير إلى أنه أحيانا ما يتم اتهام الضباع بالتسبب في مقتل الحيوانات دون أن يكون هو السبب في ذلك، فلا يعني وجود حيوان مفترس بالقرب من ماشية نافقة أنه بالضرورة المسؤول عن قتلها، وهو الرأي الذي تؤيده مراجعة بحثية لأكثر من 900 دراسة رصدت علاقة الضباع المخططة بالبشر، ونشرت في دورية “مامال ريفيو “، حيث توصلت إلى أن 79% من حالات نفوق الحيوانات التي تم اتهام الضباع فيها، كانت تعود إلى أسباب بشرية.
ويخشى أحمد أن يتحول القتل والتعذيب إلى ممارسة غير مبررة، مشيرا إلى أنه بعد انتشار فيديو التعذيب، وصله فيديو آخر لأشخاص تعمدوا ملاحقة ضبعين داخل موائلهما الطبيعية وقتلهما، قائلا إن “ما يثير القلق ليس مقتلهما فحسب، بل تعمد ملاحقتهما داخل موائلهما الطبيعية، دون أن تكون هناك معطيات تشير إلى أنهما هاجما أشخاصا أو تسببا في خسائر للمواشي تستدعي هذه الملاحقة “.
ويشدد على أن مثل هذه السلوكيات تستوجب ملاحقة قانونية لعقاب أصحابها، لأن استمرارها والتساهل مع أصحابها يهدد وجود الحيوان ويدفعه إلى حافة الانقراض، وهو أمر ستكون له تداعيات بيئية وصحية خطيرة “.
ندرة في الدراسات رغم الأهمية البيئية
ولا توجد دراسات محلية ليبية تختبر مباشرة أهمية الضبع المخطط في النظام البيئي، لكن دراسات أخرى أجريت في مناطق أخرى من العالم أكدت تلك الأهمية، ومنها دراسة إثيوبية نشرت في دورية “جورنال أُف أَبلايد إيكولوجي “، قدرت أن الضباع في مدينة ميكيلي الإثيوبية تستهلك نحو 207 أطنان من مخلفات جيف الحيوانات سنويا، أي 4.2% من إجمالي المخلفات المقدرة التي يمكن الوصول إليها.
واستخدم الباحثون نموذجا لانتقال الأمراض، قادهم إلى تقدير أن هذا السلوك قد يمنع سنويا خمس إصابات بشرية وحيوانية بالجمرة الخبيثة والسل البقري، إضافة إلى نحو 140 إصابة في الأبقار والأغنام والماعز.
وبذلك، يختم أحمد بالإشارة إلى أن سلوك يمارسه البعض باستهتار كبير، قد تكون له تداعياته على صحة البشر وحيواناتهم مستقبلا، لكن آفة البشر هي النظر تحت أقدامهم غير عابئين بخطر يلوح من بعيد.



