قطاع النفط والغاز في ناميبيا يبحث عن المحتوى المحلي (تقرير)

اقرأ في هذا المقال
- • قطاع النفط والغاز في ناميبيا يُتيح فرصة تتجاوز بكثير مجرد إنتاج الهيدروكربونات
- • تشريعات ناميبيا النفطية نصّت على منح الأولوية للمواطنين الناميبيين المؤهلين في مجالات التوظيف والتدريب
- • مستقبل ناميبيا الاقتصادي لا يمكن أن يعتمد على النفط والغاز وحدهما
- • ينبغي ألّا تُقاس فرص ناميبيا في قطاع النفط والغاز بعدد البراميل المُنتَجة
يتطلع قطاع النفط والغاز في ناميبيا إلى تفعيل دور المحتوى المحلي لتسريع وتيرة التنمية والاقتصادية في البلاد وتقليل الاعتماد على الموارد الأجنبية
وبحسب تقرير طالعته منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، يُتيح قطاع النفط والغاز الناشئ في ناميبيا فرصة تتجاوز بكثير مجرد إنتاج الهيدروكربونات.
ولا تكمن المسألة الأساسية في حجم النفط الذي ستنتجه ناميبيا، بل في مقدار القيمة الاقتصادية التي ستحتفظ بها البلاد، ومدى عمق مشاركة الناميبيين في خلق هذه القيمة وامتلاكها وتمويلها والسيطرة عليها.
ومع اقتراب مرحلة التطوير المحتمل لقطاع النفط والغاز في ناميبيا، تزداد أهمية التمييز بين مفهومي “المحتوى المحلي” و”مشاركة السكان الأصليين”.
مفهوما المحتوى المحلي ومشاركة السكان الأصليين
رغم الارتباط الوثيق بين مفهومَي “المحتوى المحلي” و”مشاركة السكان الأصليين”، فإنهما ليسا متطابقين؛ إذ يركّز المحتوى المحلي في المقام الأول على تعزيز مشاركة المواطنين والشركات الناميبية من خلال التوظيف، وعمليات الشراء، وتطوير المهارات، ونقل التكنولوجيا، والتصنيع المحلي.
وبالنسبة لمفهوم مشاركة السكان الأصليين فإن يطرح تساؤلات بشأن الجهات التي تمتلك النشاط الاقتصادي الناجم عن لقطاع النفط والغاز في ناميبيا، وتموّله، وتسيطر عليه، وتجني ثماره، وفقًا لتقرير نشرته منصة “ماينينغ آند إنرجي”.
وتكتسب هذه التفرقة أهمية خاصة بالنسبة لناميبيا، نظرًا لأن قطاع النفط الناشئ يتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة، ويتّسم بتعقيد تقني عالٍ، ويعتمد بشكل كبير على الخبرات والاستثمارات الدولية.
وتجدر الإشارة إلى أن أن ناميبيا لا تبدأ من الصفر؛ فقد نصّت تشريعاتها النفطية منذ مدة طويلة على منح الأولوية للمواطنين الناميبيين المؤهلين في مجالات التوظيف والتدريب، وكذلك استعمال المنتجات والمعدات والخدمات المتاحة محليًا، كلّما كان ذلك ممكنًا من الناحيتين التقنية والاقتصادية.

إطار المحتوى المحلي في قطاع الاستكشاف والإنتاج
يرتكز الإطار الناشئ للمحتوى المحلي في قطاع الاستكشاف والإنتاج في البلاد على هذه القاعدة، ساعيًا إلى تعزيز التوظيف، والمشتريات المحلية، وتنمية المؤسسات، ونقل المهارات والتكنولوجيا، والبحث والابتكار، والملكية الناميبية.
لذلك، لا ينبغي أن يقتصر مفهوم المحتوى المحلي على مجرد إسناد العقود إلى شركات مسجلة في ناميبيا؛ فالسؤال الأهم يتعلق بما يترتب على تلك العقود من نتائج.
ويطرح محللون تساؤلات عمّا إذا أرادت الشركة الناميبية شراء المعدات، وعن توظيف المهندسين وتدريبهم، والحصول على شهادات دولية، وتطوير قدرات تقنية جديدة، والوصول إلى مصادر التمويل، ومن ثم المنافسة لاحقًا على عقود أكثر تعقيدًا وتطورًا.
وإذا تحقق ذلك، فإن العقد يتجاوز كونه مجرد فرصة للمشتريات، ليصبح منصة لتنمية المؤسسات ودفع عجلة التصنيع، وهنا تبرز أهمية المشاركة المحلية (مشاركة السكان الأصليين أو الشركات الوطنية).
وقد تسهم شركة مسجلة في ناميبيا -تقدم خدمات لوجستية لشركة نفط دولية- في المحتوى المحلي، لكن الأثر الاقتصادي طويل الأمد قد يظل محدودًا إذا كانت الشركة تعتمد بشكل كبير على الإدارة الأجنبية والتكنولوجيا ومدخلات الإنتاج المستوردة.
وفي المقابل، فإن شركة هندسية مملوكة لناميبيين -تستغل عقدًا في قطاع النفط والغاز لتطوير الكوادر المهنية المحلية، والاستثمار في المعدات، وإقامة شراكات دولية، وزيادة رأس المال، والتوسع في أسواق أفريقية أخرى- تمثّل شكلًا أعمق من أشكال المشاركة الاقتصادية.
لذا، ينبغي لناميبيا ألّا تنظر إلى المحتوى المحلي والمشاركة المحلية بصفتهما هدفين متنافسين.
وينبغي أن يكون المحتوى المحلي طريقا نحو المشاركة الهادفة للسكان الأصليين، وأن يكون التقدم من التوظيف والمشتريات، إلى نقل المهارات والتكنولوجيا، إلى تنمية المشروعات والملكية والتمويل، وفي نهاية المطاف إلى المؤسسات الناميبية القادرة على المنافسة.
الاستفادة من التجارب الدولية
توفر التجارب الدولية دروسا مفيدة، فقد ربطت غانا المحتوى المحلي بالمشاركة المحلية من خلال تدابير تشمل التوظيف، والمشتريات، وتنمية المهارات، ونقل التكنولوجيا، والتمويل، والشركات المحلية.
وقد اعتمدت أنغولا نُهُجًا مختلفة للمشاركة المحلية، بما في ذلك التفرد والتفضيل والمنافسة على فئات مختلفة من السلع والخدمات.
وقد استعملت البرازيل المحتوى المحلي جزءًا من إستراتيجية أوسع للتنمية الصناعية تهدف إلى تعزيز الموردين المحليين والتكنولوجيا والمهارات، وفق ما اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.
رغم ذلك، لا ينبغي لناميبيا أن تكرر هذه النماذج، لأن سوقها وقاعدتها الصناعية وبيئتها البحرية مختلفة.
وتوضح هذه الأمثلة أن المحتوى المحلي يكون أكثر فاعلية عندما يرتبط بتنمية القدرات على المدى الطويل، وعليه، يتعين على ناميبيا أن تدرك أنه لا يمكن توطين كل نشاط على الفور.

ضرورة تطوير المهارات
يتطلب الحفر في المياه العميقة والهندسة تحت سطح البحر والخدمات الجيوفيزيائية المتقدمة والأنشطة ذات الصلة بمنصات الإنتاج والتخزين والتفريغ العائمة تكنولوجيا متخصصة ومهارات ورأس مال ما تزال ناميبيا تعمل على تطويرها.
ولذلك لا ينبغي أن يكون الهدف هو فرض التوطين حيث لا توجد القدرة المحلية بعد.
وبدلًا من ذلك، ينبغي لناميبيا التركيز على إضفاء الطابع المحلي على عملية التعلم وبناء القدرات. ويمكن للشركات الدولية توفير الخبرة والتكنولوجيا في حين يكتسب الناميبيون الخبرة والتدريب والتعرف على المعايير الدولية.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي النظر إلى الملكية بمعزل عن غيرها، إذ يمكن أن تكون الشركة مملوكة لناميبيا من الناحية التقنية في حين تفتقر إلى التحكم التشغيلي الهادف أو القدرة التقنية أو القدرة المالية.
لذا، ينبغي أن تشمل المشاركة الفعّالة جوانب الملكية، والسيطرة، والتمويل، والتوظيف، والمهارات، والتكنولوجيا، والمشتريات، والحفاظ على القيمة، وتنمية المشروعات. وتُعدّ الشفافية بشأن الملكية المستفيدة ضرورية لضمان أن تُفضي متطلبات المشاركة إلى فوائد اقتصادية حقيقية.
ولعلّ أهم سؤال ينبغي على ناميبيا طرحه هو: ما القدرات الناميبية التي ستبقى بعد انتهاء عقد النفط والغاز؟
وينبغي لإستراتيجية البترول الناجحة أن تُوفر أكثر من مجرد فرص عمل ومشتريات مؤقتة، وأن تُنمّي شركات ذات ميزانيات أقوى، وكوادر مهنية ماهرة، وخبرات تقنية، وشهادات دولية، وقدرة على المنافسة خارج حدود ناميبيا.
مستقبل ناميبيا الاقتصادي
لا يمكن لمستقبل ناميبيا الاقتصادي أن يعتمد على النفط والغاز وحدهما، فالقدرات التي تُطوّر من خلال صناعة البترول يُمكن أن تدعم التعدين، والطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والبنية التحتية، والخدمات البحرية والتصنيع.
ويمكن للخبرات الهندسية، وإدارة المشروعات، والخدمات اللوجستية، والتصنيع، والمهارات التقنية التي تُطوّر عبر سلسلة قيمة البترول أن تُصبح أصولًا للاقتصاد ككل.
لذا، ينبغي قياس فرص ناميبيا في قطاع النفط والغاز، ليس فقط بعدد البراميل المنتجة، أو الاستثمارات الجاذبة، أو فرص العمل المُستحدثة، أو الإيرادات الحكومية المُحصّلة.
من جهة أخرى، ينبغي ألّا تُقاس فرص ناميبيا في قطاع النفط والغاز بعدد البراميل المُنتجة، أو الاستثمارات الجاذبة، أو فرص العمل المُستحدثة، أو الإيرادات الحكومية المُحصّلة.
وينبغي السؤال عن عدد الشركات الناميبية التي أصبحت أكثر قدرة على المنافسة، وعدد المهنيين الذين اكتسبوا خبرة عالمية المستوى، وكمية التكنولوجيا التي نُقِلَت، وكمية رأس المال التي حُشِدَت محليًا وكمية القيمة المتبقية داخل البلاد.
ومن شأن مشاركة السكان المحليين أن تعزز جوانب الملكية والتمويل والسيطرة، في حين تضمن المؤسسات الناميبية التنافسية استمرار فوائد اكتشافات النفط الحالية في دعم الاقتصاد لمدة طويلة، حتى بعد تغير دورة النفط.
ولن يقتصر المعيار الحقيقي لنجاح قطاع النفط والغاز في ناميبيا على حجم الإنتاج النفطي، بل سيقاس بما يُوفر لهذا القطاع من قدرات، وملكية، وتكنولوجيا، ومؤسسات، وثروات.
موضوعات متعلقة..
اقرأ أيضًا..
المصدر:



