ماغا تأكل نفسها.. ترمب يواجه ما صنعت يداه | سياسة

لم يعد مأزق الحزب الجمهوري الأمريكي مقتصرا على أزمة القيادة أو البحث عن وريث لترمب، بل بات يعكس إشكالية أعمق تتعلق بتحول الولاء السياسي من المبادئ والمؤسسات إلى شخص الزعيم. ففي ظل هذا التحول، تبدو العلاقة مع ترمب أقرب إلى ثنائية “الولاء والبراء”، حيث يُقاس الانتماء بمدى القرب من الرئيس، ويصبح الاختلاف معه مدخلا للتشكيك في الولاء للحزب.
وهنا تكمن المفارقة: كيف يمكن لحزب تأسس على قيم المحافظة والحرية والحد من سلطة الدولة أن يجد نفسه أمام سؤال أكثر تعقيدا: هل الولاء للمبادئ التي قام عليها، أم للرجل الذي أعاد تشكيله على صورته؟
قصص مقترحة
قائمة من 2 العناصرنهاية القائمة
لقد مثلت السنوات العشر من الترمبية مدة كافية لتدمير جزء كبير من المؤسسة الجمهورية القديمة، لكنها لم تكن كافية لبناء مؤسسة جديدة تستطيع العيش من دون الرجل الذي صنعها. والنتيجة أن الحزب الجمهوري الذي بدا قبل سنوات وكأنه أصبح حزب ترمب بلا منازع، يدخل الآن مرحلة أكثر اضطرابا مع اختيار المرشحين للخلافة.
الأرقام تزيد المشهد قسوة. فمع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، يواجه الجمهوريون استياء متزايدا من تكلفة المعيشة والاقتصاد، بينما أصبحت الحرب مع إيران عبئا سياسيا إضافيا. وفي أحدث استطلاع رأي أجرته “وكالة أسوشيتد برس” و”مركز نورك للأبحاث” (AP-NORC)، لم يوافق سوى 26% من الأمريكيين على أداء ترمب الاقتصادي، وانخفضت النسبة إلى 17% فقط فيما يتعلق بتكلفة المعيشة.
ولذلك بدأ ترمب وفانس حملة مكثفة حتى في ولايات جمهورية تقليديا، في وقت تتحدث فيه قيادات الحزب عن ضعف الحماس ومنافسات انتخابية أصعب مما كان متوقعا.
لقد صنع ترمب ناخبا جمهوريا أقل احتراما للمؤسسة، وأكثر تشككا في الحروب، وأكثر عداء للخبراء واللوبيات والتحالفات التقليدية. لكنه اكتشف المشكلة التي تواجه كل ثورة سياسية: حين تعلم أتباعك التمرد، لا تستطيع أن تضمن أنهم لن يتمردوا عليك
هذه ليست مجرد مشكلة استطلاعات عابرة قبل انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، بل هي بداية أزمة أعمق في الرواية السياسية التي أوصلت ترمب إلى البيت الأبيض: وعد الأمريكيين بإنهاء “الحروب التي لا تنتهي”، وإعادة المصانع، وخفض الكلفة على الطبقة الوسطى، ووضع حدود فاصلة بين مصالح الولايات المتحدة ومصالح حلفائها. واليوم يجد جزء من قاعدته أن الحرب والأسعار والتعريفات الجمركية والالتزامات الخارجية تعيد إنتاج بعض ما وعد ترمب نفسه بالقضاء عليه.
الثورة بدأت تأكل صاحبها
لم تعد المعارضة الأبرز لترمب تأتي من الديمقراطيين أو خصومه الجمهوريين التقليديين، بل من داخل البيئة التي صنعت “أمريكا أولا” (America First) نفسها. فشخصيات مثل توماس ماسي وتاكر كارلسون ومارجوري تايلور غرين، رغم اختلاف مواقفهم، تعكس تصدعا متناميا داخل اليمين الشعبوي حول سؤال بسيط ومحرج: إذا كانت “أمريكا أولا”، فلماذا تعود واشنطن إلى حرب مفتوحة في الشرق الأوسط؟
هذه هي المفارقة التاريخية التي يواجهها ترمب، فهو الذي علّم الجمهوريين التشكيك في المؤسسة، ثم وجد جزءا منهم يشكك في مؤسسته. وهو الذي هاجم حروب العراق وأفغانستان، ثم أصبح مطالبا بتفسير حرب جديدة. وهو الذي هاجم النخب الجمهورية لأنها وضعت العالم قبل أمريكا، ثم ظهر من يمينه من يتهم إدارته بالابتعاد عن “أمريكا أولا”.
لقد صنع ترمب ناخبا جمهوريا أقل احتراما للمؤسسة، وأكثر تشككا في الحروب، وأكثر عداء للخبراء واللوبيات والتحالفات التقليدية. لكنه اكتشف المشكلة التي تواجه كل ثورة سياسية: حين تعلم أتباعك التمرد، لا تستطيع أن تضمن أنهم لن يتمردوا عليك.
ومن هنا يصبح تراجع شعبية ترمب أخطر من رقم في استطلاع. إذا استمر، فإنه يفتح السؤال الذي كان الحزب يؤجله منذ عام 2016: هل قوة الجمهوريين جاءت من ترمب نفسه، أم من القضايا التي التقطها ترمب قبل غيره؟ فإذا كانت الإجابة الثانية، فإن شخصا آخر يستطيع المطالبة بالمشروع.
لا يستطيع أي جمهوري جاد في عام 2026 أن يتحدث كما كان الجمهوريون يتحدثون قبل ترمب. الحزب القديم مات إلى حد بعيد، حتى لو بقيت بعض أفكاره ومؤسساته
فانس والصراع حول البديل القادم
يتعاطى جيه دي فانس مع هذه المعضلة أكثر من معظم منافسيه. فهو يحتاج إلى ترمب كي يصل إلى ما بعد ترمب. وهذه وحدها مفارقة كافية لتعريف مستقبله السياسي. فانس لا يستطيع الانقلاب على الرئيس الذي جعله نائبا له من دون أن يخاطر بخسارة القاعدة الترمبية. لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يدخل انتخابات عام 2028 حاملا كل أعباء ترمب إذا تحولت الحرب والاقتصاد وتكلفة المعيشة إلى إرث انتخابي ثقيل.
لذلك فإن المهمة السياسية الأصعب أمام فانس ليست أن يصبح “ترمب الجديد”. بل أن يقنع القاعدة بأنه يستطيع الحفاظ على الترمبية والتخلص من أخطاء ترمب في الوقت نفسه.
فكريا، توجد مساحات مهمة بين فانس والجناح الذي يمثله كارلسون وماسي في نقد الحروب الخارجية. فانس أكثر تشككا من تيار الجمهوريين الدوليين في الالتزامات المفتوحة، وأكثر استعدادا لربط السياسة الخارجية بالتصنيع والطاقة والوظائف والهجرة وتكلفة الحياة داخل الولايات المتحدة.
لكنه نائب الرئيس أيضا. وهذه ليست تفصيلة صغيرة. فعندما تصبح سياسة ترمب موضع اعتراض داخل “أمريكا أولا”، لا يستطيع فانس أن يكون نائب الرئيس وزعيم المعارضة للرئيس في اللحظة نفسها. ولهذا سيضطر إلى السير على حبل بالغ الدقة: قريب بما يكفي من ترمب ليرث “ماغا” (MAGA)، وبعيد بما يكفي عنه ليرث “أمريكا أولا”.
روبيو ينتظر على الضفة الأخرى
ماركو روبيو يمثل احتمالا مختلفا. فهو لا يحتاج إلى حل التناقض بالطريقة نفسها، لأنه أكثر قربا من التقاليد الجمهورية الدولية: التحالفات، الردع، إسرائيل، مواجهة إيران، الحضور الأمريكي العالمي، والنظر إلى الصين بوصفها تحديا يتطلب شبكة عالمية من الشركاء والقوة.
لكن روبيو تغير هو الآخر. لا يستطيع أي جمهوري جاد في عام 2026 أن يتحدث كما كان الجمهوريون يتحدثون قبل ترمب. الحزب القديم مات إلى حد بعيد، حتى لو بقيت بعض أفكاره ومؤسساته.
لذلك فإن المنافسة المحتملة بين فانس وروبيو ليست بين الترمبية والجمهورية القديمة بقدر ما هي بين نسختين مما سيأتي بعد ترمب: فانس يريد، على الأرجح، جعل الثورة الترمبية أكثر أيديولوجية واستمرارية؛ وروبيو يمكن أن يمثل محاولة المصالحة بين تلك الثورة وبعض تقاليد القوة الأمريكية القديمة.
ولا يوجد حتى الآن إجماع جمهوري على أي منهما؛ مؤتمر الحزب في دالاس أظهر قوة فانس، لكنه أظهر أيضا حضور روبيو وديسانتيس وكروز وغياب وريث محسوم.
الحزب الجمهوري يقف اليوم أمام ثلاثة طرق. يمكن أن يبقى حزب ترمب، حيث الولاء للرجل هو معيار الانتماء. ويمكن أن يصبح حزب فانس، حيث تتحول “أمريكا أولا” من شعبوية شخصية إلى قومية سياسية أكثر تنظيرا وانضباطا. ويمكن أن يتجه إلى صيغة أقرب إلى روبيو، تستوعب الثورة الترمبية داخليا لكنها تعيد الاعتبار إلى القيادة الأمريكية التقليدية خارجيا
الانتخابات القادمة وحرب الخلافة
ستكون انتخابات التجديد النصفي أكثر من معركة على مجلسي النواب والشيوخ. ستكون أول استفتاء كبير على قدرة الترمبية على الاستمرار في الحكم بعد أن أصبحت مسؤولة عن النتائج، لا مجرد قوة احتجاجية على المؤسسة.
إذا حقق الجمهوريون نتائج قوية، سيقول ترمب إن القاعدة ما زالت معه، وسيصبح من الصعب على أي وريث محتمل أن يبتعد عنه. وسيستفيد فانس من ذلك بصفته نائب الرئيس والأقرب مؤسسيا إلى مركز السلطة.
أما إذا تعرض الجمهوريون لنكسة، فستبدأ معركة أشد خطورة من خسارة مقاعد في الكونغرس: معركة تحديد المسؤولية. وسيقول كل جناح إن الآخر خان المشروع. الصقور سيقولون إن الشعبوية عجزت عن الحكم؛ وجناح “أمريكا أولا” سيقول إن المشكلة لم تكن في الترمبية، بل في أن ترمب نفسه تخلى عن بعض وعودها.
لكنْ هناك شيء ينبغي حسمه: الحزب الجمهوري الذي سبق عام 2016 لن يعود ببساطة. لقد تغيرت قاعدته الاجتماعية، ولغته السياسية، وموقفه من التجارة والعولمة والهجرة والمؤسسات والحروب. وحتى الذين يريدون استعادة شيء من الجمهورية التقليدية هم مضطرون إلى التحدث باللغة التي فرضها ترمب. وهذا ربما يكون انتصاره التاريخي الأكبر، بصرف النظر عن شعبيته الحالية: لقد جعل العودة إلى ما قبله شبه مستحيلة.
لكن ذلك لا يعني أن الحزب سيبقى ملكا له إلى الأبد. فالثورات السياسية كثيرا ما تستمر بعد قادتها، لكنها تغير أسماءها وشعاراتها وتعيد كتابة قصة مؤسسيها.
إلى أين تتجه البوصلة الجمهورية؟
الحزب الجمهوري يقف اليوم أمام ثلاثة طرق. يمكن أن يبقى حزب ترمب، حيث الولاء للرجل هو معيار الانتماء. ويمكن أن يصبح حزب فانس، حيث تتحول “أمريكا أولا” من شعبوية شخصية إلى قومية سياسية أكثر تنظيرا وانضباطا. ويمكن أن يتجه إلى صيغة أقرب إلى روبيو، تستوعب الثورة الترمبية داخليا لكنها تعيد الاعتبار إلى القيادة الأمريكية التقليدية خارجيا.
ليس هناك حتى الآن ما يسمح بالجزم بأي طريق سيختاره الجمهوريون، ولا بمن سيكون مرشحهم في عام 2028. لكن الواضح أن الصراع بدأ بالفعل، وأن فانس حاضر بقوة من دون أن يكون وريثا محسوما. والسؤال الذي سيحدد مستقبل الحزب ليس في النهاية: من يستطيع أن يكون ترمب القادم؟
بل: هل يحتاج الحزب الجمهوري أصلا إلى ترمب آخر؟ قد تكون المفارقة أن الرجل الذي استولى على الحزب الجمهوري عام 2016 وغيّره أكثر من أي سياسي في جيله هو نفسه من يجعل الحزب اليوم مضطرا إلى البحث عن طريق للخروج من ظله.
فالخطر بالنسبة إلى ترمب لم يعد أن تموت “ماغا” بعده. الخطر الأكثر إثارة هو العكس تماما: أن تبقى “أمريكا أولا” حيّة، لكنها تقرر أنها لم تعد بحاجة إليه.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



