الأخبار

ما يجري في الخليل أبعد من رد على عملية | سياسة


تتسارع الأحداث في الضفة الغربية على نحو لا يسمح بقراءة كل واقعة بمعزل عن الأخرى. فاعتداءات المستوطنين تتصاعد، والمزارعون يُمنعون من الوصول إلى أراضيهم، والصحفيون والدبلوماسيون يتعرضون للهجوم، فيما تتخذ دول إجراءات بحق مستوطنين ومنظمات تدعمهم، وتعلن دول أخرى قيودا على التجارة مع المستوطنات.

لكن إسرائيل تمضي في سياساتها بوتيرة متسارعة؛ فالاستيطان يتوسع بمعدلات غير مسبوقة. ولم يعد التوسع محصورا في مناطق “ج”؛ فقد صدر أمر بالاستيلاء على أراضٍ في منطقة “أ”، فيما تتقدم البؤر الاستيطانية نحو مناطق “أ” و”ب”، ويهدد مشروع “إي1” “E1” بقطع التواصل بين القدس وبقية الضفة.

قصص مقترحة

قائمة من 2 العناصرنهاية القائمة

هكذا تتآكل عمليا الحدود التي رسمها اتفاق أوسلو بين مناطقه الثلاث، وكأنها لم تعد قادرة على تقييد تمدد السيطرة الإسرائيلية. ومع كل خطوة، تفرض إسرائيل واقعا جديدا، وتستغل أي حادثة لتوسيع إجراءاتها، حتى إن ردّها يتجاوز الواقعة وأصحابها إلى أحياء وسكان لا صلة لهم بها.

نناقش في هذا المقال ما يجمع بين الاعتداءات على موسم الزيتون والتهديد بإخلاء أحياء في الخليل، ونسعى إلى الإجابة عن ثلاثة أسئلة: هل يفسر التصعيدَ سباقُ اليمين المتطرف، أم حساباتُ الصندوق الانتخابي، أم إن الأمر يتصل بسياسة منهجية تسابق الزمن لفرض وقائع يصعب التراجع عنها؟ وكيف تحولت الأحداث الأمنية إلى مدخل لإخلاء السكان وهدم البيوت وتقييد الوصول إلى الأرض؟ وإلى أي حد تستطيع العقوبات والإدانات الدولية وقف هذا المسار؟

بعد هجوم الخليل، سارع مسؤولون إلى موقع الحادثة، وأطلقوا تهديدات بهدم مبانٍ وفرض “ثمن” على الفلسطينيين. لم تُقدَّم هذه الإجراءات باعتبارها ملاحقة دقيقة لمسؤولين عن الهجوم، بل كرسالة أوسع إلى محيطهم وسكان المنطقة

من الاعتداء على موسم الزيتون إلى تهديد أحياء الخليل

بدأ موسم الزيتون تحت ضغط الاعتداء والمنع وسرقة المحاصيل. ثم امتدت الاعتداءات إلى صحفيين ودبلوماسيين كانوا في الميدان، وإلى متضامنين رافقوا المزارعين. وبعد ذلك جاءت عملية الخليل، إثر هجوم قُتل فيه جنديان إسرائيليان، لتتحول المنطقة إلى مسرح للإخلاء والهدم وإغلاق الطرق.

وبحسب أحدث ما نُشر، تجاوز عدد الفلسطينيين الذين أُجبروا على مغادرة منازلهم في الخليل 2200 شخص، بينهم نحو 300 طفل، فيما طالت الإجراءات مئات الشقق السكنية.

ثلاثة دوافع وراء هذا التصعيد

لا يكفي وصف ما يجري بأنه ردّ أمني على هجوم، ولا تفسيره بالمزايدة الانتخابية وحدها. فقد تجسدت هذه السياسة في عملية الخليل وما رافقها من تهديد بإخلاء الأحياء وهدم المنازل، وفي موسم الزيتون الذي تحول إلى ساحة للاعتداء على المزارعين وسرقة محاصيلهم، كما ظهرت في الهجوم الاستيطاني المتصاعد على قرى ومناطق واسعة من الضفة الغربية.

وثمة ثلاثة دوافع متداخلة تساعد على فهم هذا العمل المنهجي: سباق بين قوى اليمين المتطرف لإثبات من هو الأشد بطشا، والأهم من ذلك كله سياسة أوسع تسابق الزمن لفرض وقائع جديدة على الأرض قبل أن تتغير الظروف السياسية أو تتعاظم الضغوط الدولية. نحاول هنا وصل هذه الدوافع بما جرى في الخليل وموسم الزيتون والهجمات الاستيطانية، وبما تكشفه من مسار يتجاوز الحوادث المنفردة.

أولا: سباق اليمين المتطرف.. من يقدّم الرد الأقسى؟

التنافس على إرضاء جمهور المستوطنين

داخل حكومة اليمين، لا يدور التنافس حول كيفية حماية السكان المدنيين أو منع الاعتداءات، بل حول من يستطيع أن يعلن موقفا أشد، أو يهدد بإجراء أوسع، أو يقدم نفسه بوصفه الأقدر على فرض السيطرة.

بعد هجوم الخليل، سارع مسؤولون إلى موقع الحادثة، وأطلقوا تهديدات بهدم مبانٍ وفرض “ثمن” على الفلسطينيين. لم تُقدَّم هذه الإجراءات باعتبارها ملاحقة دقيقة لمسؤولين عن الهجوم، بل كرسالة أوسع إلى محيطهم وسكان المنطقة.

ورغم حملات التفتيش الواسعة في المنطقة، لم تُعلن السلطات الإسرائيلية حتى الآن عن العثور على أي قطعة سلاح داخل الأحياء المهددة بالإخلاء. ومع ذلك، هُجّرت عائلات وهُدمت منازل، من دون أن تُعرض للرأي العام حصيلة أمنية تبرر اتساع هذه الإجراءات.

لم يكن الدافع الأعمق ليس التنافس بين الوزراء ولا الانتخابات وحدها؛ بل سياسة ممتدة تسابق الزمن لفرض وقائع يصعب التراجع عنها. ولا ينبغي اختزال هذه السياسة في حكومة اليمين المتطرف الحالية، كأن الاستيطان بدأ معها أو سيتوقف برحيلها؛ فالصيغ والأساليب تتغير بين حكومة وأخرى، لكن التوسع الاستيطاني استمر عبر حكومات متعاقبة

تحويل كل هجوم إلى فرصة لتوسيع العقاب

في هذا السباق، يصبح الحدث الأمني فرصة سياسية جاهزة. لا يتوقف الخطاب عند تحديد الفاعلين أو التحقيق في مسؤوليتهم، بل ينتقل سريعا إلى الحديث عن هدم منازل، وإخلاء أحياء، وتشديد القيود، وتفكيك ما تبقى من حضور فلسطيني. وكلما رفع مسؤول سقف تهديده، وجد الآخرون أنفسهم أمام ضغط لمجاراة هذا السقف أو تجاوزه.

وهكذا لا يعود الردّ موجها إلى فعل محدد؛ بل يتحول إلى منافسة على مقدار القوة التي يمكن إظهارها أمام جمهور يميني يريد عقابا أوسع.

المستوطنون ليسوا جمهورا انتخابيا فحسب

لا ينبغي النظر إلى المستوطنين بوصفهم قاعدة انتخابية تسعى الحكومة إلى استرضائها عند أي استحقاق. إنهم، في الوقت نفسه، قوة مسلحة حاضرة على الأرض، تتسع مستوطناتها وبؤرها، ويزداد نفوذ ممثليها داخل مؤسسات الحكم. وعندما يتزامن الاعتداء على الفلسطينيين مع توسع الاستيطان، ومع قيود تمنع الفلسطيني من الوصول إلى أرضه، يصبح التنافس السياسي جزءا من بيئة توسّع السيطرة.

لا يعني ذلك أن كل اعتداء ميداني يُدار بأمر حكومي مباشر، لكن الخطاب الذي يبرر السيطرة والتهجير، وغياب الردع الفعلي، يتيحان استمرار الاعتداء ويزيدان أثره.

ثانيا: الصندوق الانتخابي.. استثمار الخوف في السياسة

التوقيت الانتخابي يفسر التصعيد ولا يختصره

جاءت عملية الخليل قبيل الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 27 أكتوبر/تشرين الأول. وقدّم مسؤولون ردودهم في مشهد علني، فيما تنافس قادة اليمين على إظهار الحزم والتشدد. وأشارت تغطيات صحفية إلى أن إظهار القوة الأمنية كان جزءا من حملتهم أمام الناخبين.

هذا التوقيت ليس تفصيلا ثانويا؛ فهو يفسر لماذا ارتفعت نبرة التهديد بهذه السرعة، ولماذا تحولت العملية إلى استعراض سياسي أمام الجمهور.

في الخليل، لا يتوقف الأمر عند إخراج عائلات من منازلها. فالتهديد بالهدم، وإغلاق الطرق، وغياب موعد واضح للعودة، كلها تجعل الإخلاء مفتوحا على نتائج تتجاوز أيام العملية

صناعة صورة الحاكم القادر على العقاب

في الحملات الانتخابية، يسهل على السياسي أن يقدم نفسه حاميا للأمن إذا صوّر الفلسطينيين جماعة واحدة مسؤولة عن كل هجوم، ثم وعد بعقابها جماعيا. لكن هذا الخطاب لا يحمي المدنيين؛ بل يحول خوفهم إلى مادة عند الاستحقاقات الانتخابية. فحين يتعهد مسؤول بتدمير منطقة، أو يتحدث عن إخلاء أحياء، فإنه لا يناقش إجراءات أمنية محددة بقدر ما يرسل رسالة إلى مؤيديه: أنا الأشد في فرض السيطرة، والأقل ترددا في استخدام القوة.

الانتخابات سرّعت المسار لكنها لم تنشئه من الصفر

مع ذلك، لا يصح أن ننسب كل ما يجري إلى الانتخابات، وكأن السياسات انتهت بانتهائها. فالمزايدة الانتخابية قد تسرّع الإجراءات وتزيد حدتها، لكنها تعمل فوق مسار قائم من التوسع الاستيطاني وفرض القيود وإضعاف المجال الفلسطيني.

وحتى إذا كان بعض السياسيين قد استخدم الخليل لتحسين صورته أثناء الانتخابات، فإن المنازل المهدمة والسكان المهجرين والطرق المغلقة تبقى وقائع مادية بعد انتهاء الحملة. هنا تكمن خطورة ما حدث: فما بدأ استثمارا انتخابيا قد يتحول إلى تغيير دائم في حياة السكان.

ثالثا: الأهم.. سياسة منهجية تسابق الزمن

فرض الوقائع قبل أن تتغير الظروف

لم يكن الدافع الأعمق ليس التنافس بين الوزراء ولا الانتخابات وحدها؛ بل سياسة ممتدة تسابق الزمن لفرض وقائع يصعب التراجع عنها. ولا ينبغي اختزال هذه السياسة في حكومة اليمين المتطرف الحالية، كأن الاستيطان بدأ معها أو سيتوقف برحيلها؛ فالصيغ والأساليب تتغير بين حكومة وأخرى، لكن التوسع الاستيطاني استمر عبر حكومات متعاقبة.

بعد اتفاق أوسلو عام 1993، كان عدد المستوطنين في الضفة الغربية نحو 110 آلاف؛ وبحلول عام 2023 تجاوز نصف مليون. وحتى داخل المعارضة الإسرائيلية، لا تعني الخلافات حول سرعة التوسع أو شرعية بعض البؤر قبولا بقيام دولة فلسطينية مستقلة؛ إذ يتكرر التمسك بالسيطرة الأمنية الإسرائيلية على الأرض، مع اختلاف في الأسلوب وحدّة الخطاب. لذلك تبدو الانتخابات عاملا يسرّع الإيقاع ويكشف التنافس، لا أصل السياسة ولا حدّها.

أما اليوم، فتتقدم هذه السياسة عبر توسيع المستوطنات، والاستيلاء على الأراضي، والاعتداءات التي امتدت إلى مناطق “أ” و”ب”، وتهجير السكان، وتقييد عودتهم؛ في سباق واضح لفرض واقع جديد قبل أن تتغير الظروف السياسية أو تتعاظم الضغوط الدولية.

الخليل.. الإخلاء قد يسبق تغييرا أطول أمدا

في الخليل، لا يتوقف الأمر عند إخراج عائلات من منازلها. فالتهديد بالهدم، وإغلاق الطرق، وغياب موعد واضح للعودة، كلها تجعل الإخلاء مفتوحا على نتائج تتجاوز أيام العملية.

فقد أُجبر أكثر من 2200 فلسطيني على مغادرة بيوتهم، وأصبحت مئات الشقق متأثرة بالإجراءات. وكلما طال غياب السكان، تراجعت قدرتهم على استعادة حياتهم الطبيعية، واتسعت مساحة الخوف من العودة إلى الحي. لذلك لا يكفي أن يُقال إن الإخلاء مؤقت؛ فالمعيار الحقيقي هو: هل يعود الناس؟ ومتى؟ وهل يعودون إلى بيوت صالحة للسكن؟

فالمنطقة تشهد تغييرا متسارعا، وفلسطين تقع في قلبه. وما يُفرض اليوم في الضفة الغربية من تهجير واستيطان وتغيير للوقائع قد يتجاوز أثره حدودها، ويمس مستقبل المنطقة كلها. لذلك لم يعد الاكتفاء بالإدانة كافيا، وأصبح اتخاذ موقف سياسي عملي مسؤولية الجميع، ولا سيما الدول العربية والإسلامية

الزيتون.. إبعاد تدريجي عن الأرض

وفي الحقول، قد لا يصدر أمر رسمي بإخلاء القرية. يكفي أن يتكرر منع المزارعين من الوصول، أو أن يُطلب منهم تنسيق مسبق لا يضمن سلامتهم، أو أن تُسرق ثمارهم وتُخرب أشجارهم.

في موسم 2026، أشار تقرير للمركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية إلى وقوع اعتداءات مرتبطة بالقطاف في 171 تجمعا فلسطينيا، ومنع القطاف بالكامل في 68 حالة، وسرقة المحصول في 119 حالة. تكشف هذه الوقائع كيف يمكن أن يظل المزارع مالكا لأرضه على الورق، بينما يُدفع تدريجيا إلى فقدان القدرة على استخدامها.

حين يصبح الوصول إلى الأرض امتيازا

المزارع الذي يحتاج إلى إذن أو تنسيق كي يصل إلى أرضه، فيما يستطيع المستوطن المسلح الوصول إليها والاعتداء عليه أو أخذ محصوله، يعيش انقلابا في معنى الملكية.

لم تعد الأرض مكانا يعمل فيه صاحبها بأمان؛ صار الوصول إليها قرارا تتحكم فيه القوة القائمة على الأرض. ومع تكرار المنع والخسارة، تضعف الزراعة وتزداد الضغوط الاقتصادية، ثم يصبح ترك الأرض احتمالا يفرضه الخوف والعجز. هنا يتصل موسم الزيتون مباشرة بما يحدث في أحياء الخليل: في الحي يُدفع السكان إلى الخروج بالقوة، وفي الحقل يُدفع المزارع إلى الابتعاد عبر جعل البقاء والعمل مخاطرة مستمرة.

واشنطن تعاقب المحكمة الجنائية الدولية، وأوروبا تتردد أمام الاستيطان

اتخذ الاتحاد الأوروبي إجراءات بحق مستوطنين ومنظمات متهمة بالعنف، وأعلنت 12 دولة في سبتمبر/أيلول قيودا تجارية تتصل بسلع المستوطنات. هذه الخطوات مهمة لأنها تكسر الصمت وتقول إن الاستيطان والعنف ليسا شأنا داخليا.

لكن أثرها يظل محدودا إذا تأخر تنفيذها، أو بقيت متفرقة، أو لم تقترن بإجراءات تحمي السكان والمزارعين في الميدان. فإسرائيل تواصل فرض الوقائع، فيما لا يزال المجتمع الدولي يناقش كيف يردّ عليها. وبين سرعة الهدم وبطء المواقف، تتقدم السياسة على الأرض.

العقوبات الأمريكية الفعلية التي استهدفت المحكمة الجنائية الدولية، في مقابل العقوبات الأوروبية المحدودة والمترددة على المستوطنين والاستيطان، تكشف اختلالا واضحا في ميزان الردع: تُواجَه المؤسسة التي تسعى إلى المساءلة بإجراءات مؤثرة، بينما تبقى الإجراءات التي تستهدف الاستيطان مجزأة أو بطيئة أو محدودة الأثر.

وحين تنضم إلى ذلك هشاشة المواقف الغربية والعربية، تتكرس لدى إسرائيل قناعة بأن كلفة المضي في سياساتها لن تكون جدية. وكما يقول المثل: “من أمن العقاب أساء الأدب”.

ولا يتعلق الأمر بفلسطين وحدها؛ فالمنطقة تشهد تغييرا متسارعا، وفلسطين تقع في قلبه. وما يُفرض اليوم في الضفة الغربية من تهجير واستيطان وتغيير للوقائع قد يتجاوز أثره حدودها، ويمس مستقبل المنطقة كلها. لذلك لم يعد الاكتفاء بالإدانة كافيا، وأصبح اتخاذ موقف سياسي عملي مسؤولية الجميع، ولا سيما الدول العربية والإسلامية: موقف يحمي الشعب الفلسطيني، ويواجه التهجير والاستيطان، ويمنع تحويل الوقائع المفروضة بالقوة إلى أمر مألوف أو دائم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



Source link

Ahmed Hemdan

كاتب وصحفي إخباري شغوف بالرصد الميداني والرقمي، متخصص في اقتناص الخبر لحظة وقوعه وصياغته بمهنية وموضوعية عالية. يمتلك حسّاً صحفياً فريداً لتمييز الأخبار العاجلة والمهمة ومتابعة تفاصيلها أولاً بأول من مصادرها الموثوقة. يسعى دائماً ليكون الحلقة الأسرع والأكثر دقة في نقل المعلومة للقارئ، مع الالتزام بقواعد النشر الرقمي وسرعة الأرشفة لتغطية كافة الأحداث والتوجهات الجديدة فور ظهورها، ليبقى متابعو الموقع في قلب الحدث على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى