الأخبار

هل يوقف القمع الحراك الطلابي في المدارس الفرنسية؟ | سياسة


لم يعد حراك طلاب المدارس الثانوية في فرنسا مجرد احتجاج على أوضاع التعليم، بل تحول إلى أزمة سياسية واجتماعية مفتوحة، فقد امتد من ضواح فقيرة في باريس إلى مدن عدة، وانضم إليه مدرسون وأولياء أمور ونقابات وطلاب جامعيون.

والسؤال الذي تفرضه التطورات الأخيرة هو: هل يستطيع القمع إيقاف هذا الحراك، أم أنه يتحول إلى وقود جديد له؟

قصص مقترحة

قائمة من 2 العناصرنهاية القائمة

تتفق التغطيات على أن الاحتجاجات تستند إلى مطالب ملموسة: نقص المدرسين، واكتظاظ الفصول، وتدهور المباني والتجهيزات، وطول أيام الدراسة، وعدم المساواة بين المدارس والمناطق.

كما تتفق على أن المواجهات مع الشرطة أضافت بعدا جديدا للحراك، بعدما سجلت إصابات خطيرة بين الطلاب، وفتحت تحقيقات بشأن شبهات عنف شرطي.

لكن ما يميز هذه الحركة، بحسب افتتاحية لاكروا، هو أنها “لا تتبع القواعد التقليدية للاحتجاجات الطلابية”، فهي متعددة المطالب ولا تملك قيادة مركزية واضحة، الأمر الذي يجعل احتواءها أكثر صعوبة.

ويرى تيبو دُومار -وهو نائب رئيس تحرير الصحيفة- أن الحكومة مطالبة بـ”استعادة لغة الحوار”، معتبرا أن اعترافها بوجود “قلق حقيقي” لدى الطلاب يمثل خطوة أولى.

من أزمة المدارس إلى أزمة الثقة

لكن شهادات الطلاب التي نقلتها غارديان تكشف عن انتقال مركز الغضب من المدرسة إلى طريقة تعامل الدولة مع المحتجين.

وتنقل عن أحد الطلاب قوله: “نحن مراهقون ومعنا حاويات قمامة، بينما لدى الشرطة أسلحة ثقيلة؛ الصراع غير متكافئ إطلاقا”، في حين اختصر طالب آخر موقفه بالقول: “الهدف ليس الشغب أو التكسير، نريد فقط الاحتجاج سلميا”.

وبذلك، فإن الطالب الذي خرج في البداية مطالبا بمدرس أكثر أو مدرسة أفضل قد يتحول بعد تعرضه للعنف إلى محتج على الشرطة والدولة أيضا، وهذا ما يجعل المعالجة الأمنية وحدها محفوفة بخطر توسيع دائرة الغضب بدل إنهائها.

دو فيلييه: ما يحدث ليس “جيلا ينهض”، بل هو، بالأحرى، صورة لـ”بلد ينهار” يتجلى فيه تراجع للسلطة من الأسرة والمدرس إلى الشرطة والوزير والرئيس.

المشكلة أعمق

وبدورها، تقرأ لوفيغارو المشهد من زاوية مختلفة، ففي افتتاحيته، يرفض فينسون ترومليه دو فيلييه وصف ما يحدث بأنه “جيل ينهض”، ويرى، بالأحرى، أنه صورة لـ”بلد ينهار”، ويعدد مظاهر ما يعتبره تراجعا للسلطة، من الأسرة والمدرس إلى الشرطة والوزير والرئيس.

ومن هذا المنظور، فإن المشكلة ليست فقط في نقص المدرسين أو تدهور المباني، وإنما في أزمة أوسع تتعلق بالانضباط والسلطة والتعليم.

ولذلك، يختلف تفسير الصحيفة جذريا عن القراءة التي تقدمها غارديان، فالأولى ترى الحراك عرضا لأزمة مؤسسات، والثانية تمنح الأولوية لغضب جيل يرى أن مؤسسات الدولة لا تستمع إليه.

المتظاهرون يحملون لافتة القراءة "الشباب يقول تبا للجبهة الوطنية" في ساحة الأمة خلال مظاهرة لطلاب المدارس الثانوية والجامعات، بدعم من نقابة المعلمين وأولياء أمور المدارس، في باريس كجزء من يوم وطني من المظاهرات والحصار، للتعبير عن الغضب من الفصول الدراسية المكتظة ونقص المعلمين والمباني المدرسية المتداعية، والتي يلقي الطلاب باللوم فيها على سنوات من نقص الاستثمار، فرنسا، 6 أكتوبر 2026. رويترز / إيف هيرمان
جانب من الحراك الطلابي في فرنسا أمس الثلاثاء السادس من أكتوبر/تشرين الأول (رويترز)

المفارقة الفرنسية

وتضيف تايمز البريطانية زاوية اقتصادية لافتة، ففرنسا تنفق على التعليم نسبة كبيرة مقارنة بمتوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ومع ذلك يعاني طلابها من مبان متدهورة ونقص المدرسين وفصول مكتظة وساعات دراسة طويلة.

الحكومة الفرنسية أنفقت 4.5% من الناتج المحلي الإجمالي على التعليم -بدءا من المدارس الابتدائية وصولا إلى الجامعات- في عام 2023، مقارنة بمتوسط قدره 4% في الدول المتقدمة ككل

وتشير دراسة إلى أن الحكومة الفرنسية أنفقت 4.5% من الناتج المحلي الإجمالي على التعليم -بدءا من المدارس الابتدائية وصولا إلى الجامعات- في عام 2023، مقارنة بمتوسط قدره 4% في الدول المتقدمة ككل.

وتنفق هذه الدولة سنويا ما يعادل 16 ألفا و674 دولارا في المتوسط لكل طالب في المدارس الثانوية العامة، و15 ألفا و638 دولارا لكل طالب في المدارس الثانوية المهنية.

وفي المملكة المتحدة مثلا، تبلغ التكلفة 13 ألفا و178 دولارا لكل طالب في المرحلة الثانوية العامة و13 ألفا و660 دولارا للطلاب الملتحقين بالدورات المهنية.

وقد دفعت هذه الأرقام المعلقين إلى التساؤل عن الكيفية التي يمكن لفرنسا أن تنفق بها مثل هذا المبلغ الضخم مقابل نتيجة يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها “ضعيفة”، وهذه المفارقة تطرح سؤالا يتجاوز المطالبة بزيادة التمويل: هل المشكلة في حجم الإنفاق أم في طريقة توزيع الموارد وإدارة النظام التعليمي؟

هدوء أم تصعيد؟

حتى الآن، لا تشير التطورات إلى نجاح المقاربة الأمنية في إنهاء الحركة، فقد استمرت التعبئة رغم التوقيفات، واتسعت المشاركة لتشمل قطاعات اجتماعية جديدة.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن اختزال المشهد في اتهام الشرطة وحدها، فقد وقعت أعمال تخريب وإحراق ورشق للقوات الأمنية، وأصيب أفراد من الشرطة، وفقا لعديد من الصحف، ولذلك تبدو الدولة أمام معادلة صعبة: عليها حفظ النظام والتعامل مع أعمال العنف، من دون أن يتحول استخدام القوة إلى سبب إضافي لتعبئة الطلاب.

وتلخص إحدى العبارات التي نقلتها غارديان هذا التحول في طبيعة الاحتجاج: “هذا عنف الدولة”، وفي الوقت نفسه، رفع طلاب لافتة تقول: “لسنا هنا لأعمال الشغب”.

وبين العبارتين تتحدد معضلة الحكومة: كيف تميز بين العنف الذي يستوجب الرد الأمني وبين حركة احتجاجية أوسع تحمل مطالب اجتماعية وتعليمية حقيقية؟



Source link

Ahmed Hemdan

كاتب وصحفي إخباري شغوف بالرصد الميداني والرقمي، متخصص في اقتناص الخبر لحظة وقوعه وصياغته بمهنية وموضوعية عالية. يمتلك حسّاً صحفياً فريداً لتمييز الأخبار العاجلة والمهمة ومتابعة تفاصيلها أولاً بأول من مصادرها الموثوقة. يسعى دائماً ليكون الحلقة الأسرع والأكثر دقة في نقل المعلومة للقارئ، مع الالتزام بقواعد النشر الرقمي وسرعة الأرشفة لتغطية كافة الأحداث والتوجهات الجديدة فور ظهورها، ليبقى متابعو الموقع في قلب الحدث على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
×