الأخبار

مهاجرون وسائقو سيارة أجرة.. تدني الأجور بإيران يدفع الأطباء لإغلاق عياداتهم | اقتصاد


طهران- عند الساعة الثانية عصرا، يوقف أردشير سيارته البيضاء أمام مطار مهرآباد غربي العاصمة طهران، ويفتح تطبيق النقل الذكي على هاتفه ليباشر عمله بعيدا عن العيادة التي اعتاد المداومة فيها خلال السنوات الماضية، في مشهد بات مألوفا في طهران في الوقت الحالي.

ويقول أردشير للجزيرة نت “أنا طبيب عام تخرجت قبل 3 سنوات وقضيت عامين في الخدمة الإجبارية المفروضة على خريجي كلية الطب، لكنني اليوم أعمل سائقا لسيارة أجرة”.

قصص مقترحة

قائمة من 4 عناصرنهاية القائمة

ولدى مرافقته أثناء ساعات عمله، قال أردشير لمراسل الجزيرة نت بطهران، إنه خلال عامي الخدمة الإجبارية في مركز صحي جنوبي العاصمة، كان مضطرا للعمل مساء في عيادة طبية وسط طهران لتغطية مصاريف الحياة، “لأن الراتب الصباحي كان ضئيلا جدا ونفقات الأسرة تتجاوز بكثير ما كنت أتقاضاه حينها بحدود 200 مليون ريال (الدولار يوازي ميلونين و610 آلاف ريال)، فعزمت على الدراسة للامتحان التخصصي بعد الانتهاء من فترة الخدمة الإلزامية”.

وتابع أنه اصطدم حينها بواقعين: “الأول أنني كنت أحتاج إلى دخل لتأمين الحياة، لا سيما أن زوجتي كانت طالبة جامعية، والثاني أنني كنت أعود من العيادة منهكا لدرجة لا أستطيع معها فتح كتاب”.

ويضيف أنه أتصل ذات ليلة بأحد زملائه السابقين، فاكتشف بأنه يعمل في تطبيق النقل الذكي منذ أكثر من عام وكان يحصل على ضعف راتبه كطبيب عام “فأدركت أن المعاناة لم تقتصر علي”، وفق قوله.

خلف المقود

ومضى يصف يومه قائلا “استيقظت في السادسة صباحا وباشرت الدراسة حتى الظهيرة، ثم تناولت الغداء وخرجت قبل ساعة للعمل كسائق سيارة أجرة، وسوف استمر حتى الساعة التاسعة أو العاشرة مساء. وعادة نحصل على نحو 10 ملايين ريال يوميا بعد خصم نفقات السيارة، وهذا أفضل لي من راتب العيادة لا سيما أنني أخصص أفضل وقتي لتحضير الدروس”.

لكنه سرعان ما يستدرك قائلا إن هذا الحل ليس سوى “مسكن مؤقت”، ولا يمكنه مواصلته طوال حياته، موضحا أنه ينوي العمل جراحا وطبيبا متخصصا في المستقبل “لكي أكون فخورا بنفسي”، حسب وصفه.

ومن سيارته، اتصل أردشير بـ”مهسا” إحدى زميلاته أيام الجامعة، التي تبين أنها تعمل ممرضة لمسنة تحتاج لرعاية طبية في بيتها، مما يوفر لها عنصر الوقت الذي تخصص جُله لمراجعة مواد امتحان القبول الجامعي.

لكن أردشير فتح بعد ذلك نافذة على أزمة أوسع تستهدف جسد المهنة؛ إذ أكد أنه يعرف العديد من زملائه السابقين بكلية الطب، الذين هاجر بعضهم إلى الخارج وترك آخرون المهنة نهائيا وراحوا يعملون في مجالات أخرى، مؤكدا عزوف عشرات آلاف من الحالات المشابهة عن العمل في مهنة الطب في بلاده.

فجوة في طهران بين تكلفة الخدمات الطبية وأسعارها في الوقت الحالي
فجوة في طهران بين تكلفة الخدمات الطبية وأسعارها في الوقت الحالي (رويترز)

قصة أردشير ترسم علامة استفهام “عما تعنيه هذه الأرقام على مستوى القطاع الطبي الإيراني”، وهو سؤال توجهت به الجزيرة نت إلى رضا لاري بور المتحدث باسم منظمة النظام الطبي الإيراني، الذي أكد أن “أكثر من 50 ألف طبيب عام أمسوا خارج دائرة المهنة في البلاد”.

أسباب العزوف عن الطب

وعن الأسباب، يقول لاري بور للجزيرة نت إن “التعريفات الطبية لم ترتفع بما يتناسب ومعدل التضخم”، مؤكدا أن الفجوة بين التعريفات الطبية والكلفة الحقيقية لتقديم الخدمات الطبية أضحت كبيرة جدا.

ويضيف أنه “مقارنة مع المؤشرات الحالية للاقتصاد الوطني فإن التعريفات الطبية تخلفت ما بين 400% و1000% مما ينبغي أن يدفع فعليا عن الخدمة”.

وتابع: “هذا الوضع كانت له نتيجتان مهمتان على الأقل: “الأولى الهجرة المهنية، أي خروج الأفراد من مهنة الطب واتجاههم إلى أعمال أخرى مثل قطاع البناء والعقارات والتجارة وغيرها من المهن. والثانية الهجرة الجغرافية ونقصد بها مغادرة البلاد إلى بلد آخر يقدّر قيمة عملهم فيحصلون على تعريفة طبية تتناسب ومهنتهم”.

ولدى إشارته إلى أن كلا النوعين من الهجرة تأخذان منحى تصاعديا في الوسط الطبي الإيراني خلال العقد الأخير، يستدرك لاري بور: “معدل البطالة في المجتمع الطبي لا يزال أقل بكثير من التخصصات والمهن الأخرى لكن نرى أن المشكلة الأساسية تكمن في منحنى ارتفاعه”.

ويضيف أن السبب وراء تزايد إغلاق العيادات والمراكز الطبية يعود إلى أنها لم تعد قادرة على الاستمرار اقتصاديا.

صورة قاتمة

ما كشف عنه المتحدث باسم منظمة النظام الطبي الإيراني يمنح قصة أردشير بعدا جماعيا، يحول قراره الشخصي إلى ظاهرة بنيوية تتسع عاما بعد عام، ذلك بأن الطبيب الذي يغلق عيادته لم يخسر وظيفته فحسب، بل الخسارة تكون أشد على المرضى الذين كانوا يقصدونه لا سيما في المناطق النائية، مما يضاعف أهمية الأرقام التي أعلنها لاري بور لما تحمل في طياتها وجوها وطرقات ومرضى يبحثون عن خدمة طبية.

هذه الصورة القاتمة لمصير عشرات آلاف من الأطباء الذين خرجوا من دائرة المهنة -كما صفها لاري تطرح- بدورها تساؤلا عن كيفية نظرة الرأي العام الإيراني تجاه هذا التحول من العيادة إلى مهن أخرى.

الدكتور رضا لاريبور - نائب المدير الفني والإشراف على منظمة النظام الطبي @isna.ir
رضا لاري بور المتحدث باسم منظمة النظام الطبي الإيراني (الجزيرة)

في إحدى الرحلات المسائية، حيث استقل رجل خمسيني يدعى بهروز سيارة أردشير لينقله من غربي طهران إلى شمالها، كشفنا له أن من يقود السيارة هو طبيب، مما أثار دهشته واعتبر الواقع “مؤلما جدا”.

وقال بعد لحظات صمت: “نحن نفتخر بأطبائنا ونعتبر مهنتهم من أرقى المهن بل وأكثرها قداسة، لكن إذا كان راتب الطبيب لا يكفيه فلماذا نشجع أبنائنا على دخول كلية الطب؟”.

وعن شعوره تجاه هذا الوضع، قال للجزيرة نت: “أشعر بالأسف لأن طبيبا بهذا المستوى من التعليم الجامعي يضطر لقيادة سيارة أجرة لكنني في الوقت نفسه أشعر بالخوف لأني أرى كل شيء في بلادي ينهار.. حتى المهن التي كنا نعتبرها مقدسة بما فيها الطب والتعليم”.

الطاقة الاستيعابية

ومع غروب الشمس، اعتبر الدكتور أردشير زيادة الطاقة الاستيعابية في كليات الطب الإيرانية خلال السنوات الأخيرة سببا آخر لما آلت إليه أمور الأطباء في بلاده، مؤكدا أن هجرة شريحة لافتة من خريجي كليات الطب إلى الخارج خلال العقود الماضية زادت من مخاوف الدولة من حدوث عجز كبير في القطاع، على غرار الأزمة التي شهدها إبان جائحة كورونا، حيث رأت حينها في زيادة الطاقة الاستيعابية حلا لهذه المشكلة.

وقبيل مغادرتنا سيارته، يفتح أردشير محفظته الرقمية على جواله، فيقول إن ما جناه خلال نحو أكثر من 6 ساعات لامس 10 ملايين ريال، وأنه مازال بإمكانه العمل حتى ساعات متأخرة من الليل، مؤكدا أنه لو عمل طبيبا عاما في عيادة خاصة أو عامة لما جنى نصف هذا المبلغ خلال فترة مماثلة.

وفي ضوء التفاوت المالي بين ما يجنيه أردشير في العيادة وخلف المقود، والأرقام الرسمية عن عزوف عشرات آلاف الأطباء العامين عن مزاولة مهنتهم، يحذر مراقبون للنظام الطبي في إيران من مغبة تراجع قدرة المواطن على الوصول إلى الطبيب، في ظل ظاهرة الهجرة المتزايدة من جهة، واتساع الفجوة بين تكلفة العلاج المرتفعة ومن يستطيع تحملها، خاصة أن شريحة كبيرة من الشعب دفع بهم التضخم المستفحل إلى ما تحت عتبة الفقر خلال الأشهر الماضية.



Source link

Ahmed Hemdan

كاتب وصحفي إخباري شغوف بالرصد الميداني والرقمي، متخصص في اقتناص الخبر لحظة وقوعه وصياغته بمهنية وموضوعية عالية. يمتلك حسّاً صحفياً فريداً لتمييز الأخبار العاجلة والمهمة ومتابعة تفاصيلها أولاً بأول من مصادرها الموثوقة. يسعى دائماً ليكون الحلقة الأسرع والأكثر دقة في نقل المعلومة للقارئ، مع الالتزام بقواعد النشر الرقمي وسرعة الأرشفة لتغطية كافة الأحداث والتوجهات الجديدة فور ظهورها، ليبقى متابعو الموقع في قلب الحدث على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى