هجرة العقول تستنزف إسرائيل.. اقتصاد منهك وانتخابات على الأبواب | سياسة

تكشف موجة هجرة الكفاءات الإسرائيلية عن أزمة تتجاوز الخسائر السكانية إلى تهديد الاقتصاد والتكنولوجيا والخدمات العامة، فيما تتحول الانتخابات المقبلة إلى اختبار لقدرة الحكومة القادمة على استعادة الثقة ووقف نزف رأس المال البشري.
وتشهد إسرائيل تصاعدا في هجرة الأطباء والمهندسين والباحثين وأصحاب الدخول المرتفعة، الذين يشكلون ركيزة أساسية لاقتصادها، وسط تحذيرات من تحول المغادرة المؤقتة إلى استنزاف طويل الأمد للكفاءات.
قصص مقترحة
قائمة من 2 العناصرنهاية القائمة
نزف متصاعد
ووفق تحقيق نشره الصحفي الاقتصادي ليور ديتال في صحيفة “ذا ماركر” بتاريخ 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026، ارتفع عدد المغادرين من متوسط 32 ألفا سنويا خلال الفترة 2009-2019 إلى نحو 50 ألفا عامي 2023 و2024، وصولا إلى 69 ألفا عام 2025.

وانخفض عدد العائدين إلى أقل من 20 ألفا عام 2024، بينما ارتفع صافي المغادرة من متوسط 10.5 آلاف إلى نحو 30 ألفا، حسب دراسة للباحثين إيتاي آتر ونيتاي بيرغمان ودورون زامير من جامعة تل أبيب.
ويحذر الباحثون من أن استمرار هذا الاتجاه يهدد مخزون الكفاءات الإسرائيلية، خصوصا أن تسارع الهجرة بدأ قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بالتزامن مع أزمة التعديلات القضائية التي دفعت بها حكومة بنيامين نتنياهو.
عائلات تغادر
تكشف الدراسة تغيرا لافتا في التركيبة الاجتماعية للمغادرين، إذ تضاعفت تقريبا معدلات الهجرة بين الذين تتراوح أعمارهم بين 35 و45 عاما، والأطفال دون 15، مما يعكس انتقال عائلات كاملة، وليس مجرد شباب يبحثون عن فرص عمل.
وارتفعت حصة المنتمين إلى الثلث الأعلى دخلا بين المغادرين من 24.5% عام 2009 إلى 33.5% عام 2024، بينما كان نحو نصف المغادرين يتقاضون أجورا تفوق متوسط الأجور.

وتعني مغادرة هذه العائلات خسارة متزامنة للعمالة الماهرة ودافعي الضرائب والمستهلكين، فضلا عن احتمال استقرار أبنائها بالخارج.
ويحذر الباحثون من تأثير تراكمي للهجرة، بعدما أصبحت شبكات الإسرائيليين المقيمين بالخارج تسهّل انتقال عائلات جديدة، وتوفر فرص العمل والسكن والاندماج، بما قد يحول القرارات الفردية إلى ظاهرة اجتماعية متواصلة.
خسارة مضاعفة
تتجاوز خطورة الهجرة أعداد المغادرين إلى تخصصاتهم المهنية، فقد ارتفعت معدلات هجرة الأطباء والمهندسين وحملة الشهادات الجامعية بوتيرة أسرع من إجمالي السكان بين عامي 2019 و2024.
وقد تضاعف تقريبا معدل مغادرة أصحاب المؤهلات التقنية، وارتفع بين المهندسين بمقدار 1.9 مرة، بينما غادر نحو 1400 طبيب خلال 2023-2025، وفق تحقيق ديتال.
وكان المحلل الاقتصادي أدريان بايلوت قد كشف بصحيفة “كالكاليست” -يوم 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2025- أن 875 طبيبا غادروا خلال الفترة بين يناير/كانون الثاني 2023 وسبتمبر/أيلول 2024، بصافي خسارة بلغ 481 طبيبا بعد احتساب العائدين.
وتكمن الخطورة في فقدان خبرات استثمرت إسرائيل سنوات في إعدادها، بينما تواجه المستشفيات نقصا في الكوادر، وتتراجع الإيرادات الضريبية المرتبطة بأصحاب الدخول المرتفعة.
التكنولوجيا تغادر
يمتد الاستنزاف إلى التكنولوجيا المتقدمة، أحد أهم محركات النمو والصادرات الإسرائيلية، فقد كشف إسرائيل ويلمان محرر التكنولوجيا في “يديعوت أحرونوت” -استنادا إلى تقرير هيئة الابتكار- انخفاض عدد العاملين في البحث والتطوير بنحو 3500 موظف، وتراجع حصة العاملين داخل إسرائيل من إجمالي موظفي شركات التكنولوجيا الخاصة إلى 62%.
وقد انخفض عدد كبار الموظفين داخل إسرائيل بنسبة %9.6، بالتزامن مع انتقال وظائف إدارية وتقنية إلى الولايات المتحدة وأوروبا الشرقية.

وحذر المدير العام لهيئة الابتكار درور بين من أن انتقال الموظفين والأنشطة ورؤوس الأموال يهدد تدريجيا الميزة التنافسية الإسرائيلية.
وتكتسب الظاهرة بعدا أمنيا، لاعتماد الصناعات العسكرية الإسرائيلية على خبراء البرمجيات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
وحذر رئيس الأكاديمية الوطنية الإسرائيلية للعلوم البروفيسور ديفيد هاريل -في تصريحات نقلتها “ذا ماركر” يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026- من انعكاسات هجرة العلماء على البحث والتطوير والقدرات العسكرية.
وتتعقد إمكانية التعويض بسبب فجوات التعليم والتشغيل، إذ أظهرت دراسة للباحثين يوفال سديه وإلعاد دي ملاخ، نشرها بنك إسرائيل يوم 29 ديسمبر/كانون الأول 2025، ضعف تمثيل الذكور الحريديم في التكنولوجيا، واستمرار عقبات تشغيل الخريجين العرب (الفلسطينيين) في التخصصات التقنية.
أزمة الثقة
تكشف استطلاعات الرأي أن الهجرة أصبحت تعبيرا عن أزمة ثقة سياسية واجتماعية، تتجاوز البحث عن أجور أعلى، وأظهرت دراسة “الرحيل أم البقاء؟” الصادرة عن المعهد الإسرائيلي للديمقراطية يوم 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وأعدها ليئور يوحناني وتمار هرمان وزملاؤهما، أن قرابة ربع اليهود وثلث العرب (الفلسطينيين) يفكرون في الإقامة بالخارج مؤقتا أو دائما.
وتبرز الانقسامات السياسية بوضوح، إذ يفكر بالرحيل أكثر من 40% من اليهود المصنفين يسارا، و35% من الوسط، مقابل 19% من اليمين، وترتفع النسبة بين العلمانيين إلى 39%، وتنخفض بين الحريديم إلى 3%.

والأكثر دلالة أن 79% من اليهود الذين يفكرون في المغادرة عدّوا الوضع السياسي وجودة الحكم سببا مهما، مقابل 65% أشاروا إلى التغييرات القضائية.
وحتى بين غير الراغبين حاليا في المغادرة، اعتبر 34% تدهور جودة الحكم عاملا قد يغير قرارهم، و27.5% التغييرات القضائية.
كما اعتبر 80% من اليهود الذين يفكرون في الهجرة الحرب والوضع الأمني دافعا مهما، مقابل 91% لغلاء المعيشة، و85% لغياب مستقبل جيد للأطفال.
وبين العرب (الفلسطينيين) الراغبين في المغادرة، بلغت نسبة من أشاروا إلى الحرب والأمن 85%، وإلى مستقبل الأطفال 91%
وتكشف هذه النتائج تداخل 3 عوامل رئيسية: أزمة التعديلات القضائية التي سبقت الحرب، تداعيات السابع من أكتوبر/تشرين الأول والحرب الطويلة، فقدان الثقة في المستقبل الاقتصادي والاجتماعي.
وفي تحقيق نشرته الصحفية سيفان كلينغبايل في “ذا ماركر” يوم 21 أبريل/نيسان 2026، وصف الطبيب النفسي دانيال أرغو، الذي انتقل إلى بريطانيا رغم انخفاض راتبه، رحيله بأنه “منفى سياسي”.
وكذلك ربط الاقتصادي موشيه حزان، العضو السابق باللجنة النقدية لبنك إسرائيل، انتقاله إلى أستراليا بالتغييرات القضائية وتآكل الثقة في المؤسسات.
تحولات ديموغرافية
يعزز تقرير البروفيسور أليكس واينريب، مدير الأبحاث في مركز تاوب، الصادر في ديسمبر/كانون الأول 2025، المخاوف الديموغرافية، بعدما قدر تباطؤ النمو السكاني إلى 0.9%، وهو مستوى غير مسبوق منذ قيام إسرائيل.
وقدر المركز صافي الهجرة السالب بنحو 37 ألف شخص عام 2025، بالتزامن مع تراجع الخصوبة وتباطؤ الزيادة الطبيعية.

لكن واينريب أشار إلى أن معدلات الهجرة الإسرائيلية لا تزال منخفضة نسبيا بالمقارنة الدولية، وأن جزءا من المغادرين مهاجرون سابقون يعيدون الانتقال للخارج.
وفي السياق نفسه، حذر شاحر لوتان، نائب رئيس الأبحاث في حركة “علينو” -في مقال نشرته “ذا ماركر” يوم 3 مايو/أيار 2026- من المبالغة في استنتاج انهيار اقتصادي وشيك، داعيا للتمييز بين الهجرة المؤقتة والدائمة واختلاف طرق احتساب المغادرين.
وفي المقابل، يرى البروفيسور إيتاي آتر أن استمرار مغادرة الكفاءات قد يشجع آخرين على اتخاذ القرار نفسه، بما يحول الظاهرة إلى أزمة متسارعة يصعب احتواؤها.
ضربة اقتصادية
تظهر الكلفة المباشرة للهجرة في تراجع الإيرادات الضريبية، فبحسب بيانات مصلحة الضرائب التي أوردتها “ذا ماركر” ارتفعت خسائر الضرائب المرتبطة بالمغادرين من نصف مليار شيكل عام 2019 إلى 1.2 مليار عام 2024، وقد تبلغ 3.5 مليارات شيكل سنويا خلال 5 سنوات إذا استمر الاتجاه.

وتتضاعف المخاطر لارتباطها بالتكنولوجيا المتقدمة، التي شكلت 18.3% من الناتج الإسرائيلي عام 2025، وحققت صادرات بقيمة 85 مليار دولار، وفق تقرير هيئة الابتكار الصادر في مايو/أيار 2026.
ورغم نمو إنتاج القطاع بنسبة 8.2%، تراجع عدد العاملين في البحث والتطوير بنحو 3500 موظف، وانخفضت حصة العاملين داخل إسرائيل من شركات التكنولوجيا الخاصة من 69% عام 2019 إلى 62% في مارس/آذار 2026.
وتزداد حساسية هذه الخسائر مع ارتفاع الإنفاق العسكري والدين العام، فقد حذر غابي فيشمان، المسؤول السابق في بنك إسرائيل -في مقابلة مع إذاعة “103 إف إم” نشرتها “معاريف” يوم 21 أكتوبر/تشرين الأول 2026- من أن المستثمرين يبحثون عن الاستقرار واليقين أكثر من هوية الأحزاب الحاكمة.
وأشار إلى اقتراب الدين الحكومي من 70% من الناتج، وبلوغ أعباء الفائدة 34 مليار شيكل، مما يضغط على تمويل التعليم والصحة والبنية التحتية.
وهكذا تتزامن خسارة دافعي الضرائب مع ارتفاع الاحتياجات العسكرية والاجتماعية، بما يضعف قدرة الحكومة على تحسين الخدمات التي تشجع الإسرائيليين على البقاء.
اختبار الانتخابات
تضع هذه التطورات الانتخابات الإسرائيلية أمام اختبار يتجاوز تغيير الحكومة إلى تحديد مستقبل الاستقرار السياسي والقضائي والاقتصادي.
ووفق تقرير عوفر أديريت في “هآرتس” بتاريخ 21 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية وجود نحو 810 آلاف من أصحاب حق الاقتراع خارج إسرائيل، من إجمالي 7.3 ملايين ناخب، دون أن يعني ذلك أنهم جميعا مهاجرون حديثون.
وتتعمق المفارقة لأن معظم المقيمين بالخارج لا يستطيعون التصويت من أماكن إقامتهم، رغم ارتباط مستقبل عودتهم بنتائج الانتخابات.
ويرى آتر أن النتائج قد تؤثر في قرارات البقاء والمغادرة، بينما ترجح الباحثة تمار هرمان احتمال عودة كثيرين إذا تبدل الاتجاه السياسي، باعتبار أن بعض أشكال الهجرة يعكس احتجاجا على سياسات الحكومة وليس قطيعة نهائية مع إسرائيل.
وتعزز استطلاعات الرأي أهمية العامل الانتخابي، ففي استطلاع للقناة 12 بتاريخ 17 يوليو/تموز 2026، قال 23% إنهم أو أحد أفراد عائلاتهم يفكرون في المغادرة إذا عاد نتنياهو لرئاسة الحكومة، مقابل 68% نفوا ذلك، و9% لم يحسموا موقفهم.
ولا تعني النتيجة أن ربع الإسرائيليين سيغادرون، لكنها تكشف ارتباط قرار الهجرة لدى شريحة معتبرة باستمرار نتنياهو وسياسات حكومته.
وتصبح الانتخابات بذلك عاملا مؤثرا في اتجاهات الهجرة، لكن وقف الاستنزاف يتطلب معالجة أزمات الحرب والحوكمة والقضاء والتعليم والصحة، وإعادة بناء الثقة في المستقبل.
وفي الخلاصة تكشف هجرة العقول أزمة ثقة سياسية واقتصادية قد تتحول إلى استنزاف طويل الأمد للكفاءات، رغم استمرار قوة التكنولوجيا الإسرائيلية.
وستؤثر نتائج الانتخابات في قرارات البقاء والعودة، لكن تغيير الحكومة وحده لا يكفي دون استقرار مؤسسي وأمني واقتصادي.
ويبقى التحدي هو منع تحول الهجرة المؤقتة والاحتجاج السياسي إلى خسارة دائمة لرأس المال البشري الذي يقوم عليه اقتصاد إسرائيل.



