لهذه الأسباب يهدم فلسطينيو القدس بيوتهم بأنفسهم | سياسة

مع الساعات الأولى من صباح أمس الجمعة، باشر الفلسطينيان مرعي جميل عبد الله جعابيص ومحمد عزيز جميل جعابيص هدم مسكنيهما في حي الصلعة ببلدة جبل المكبر في القدس.
تبلغ مساحة كل مسكن نحو 50 مترا مربعا، وهما مبنيان منذ عام 2020، وبينما يسكن في الأول عشرة أفراد هم الأبوان وأطفالهما الثمانية، يقطن في الثاني الأبوان وأطفالهما الستة، وفق ما نشره مركز معلومات وادي حلوة الحقوقي.
راقب أطفال العائلتين عملية الهدم الذاتي لمساكن تربوا فيها ولم يعد لها وجود، وانتقلوا إلى مسكن جديد هو مخزن يجاور المنزلين إلى حين تدبير مسكن بديل في مدينة تضيق بأصحابها بفعل سياسات الاحتلال.
هدم تعب العمر
في القدس، وبعد سنوات من الكد والتعب والسهر وجمع المال وبناء الأسرة وإنجاب الأطفال، وحلول وقت الاستقرار وبناء بيت العمر، تأتي اللحظة الحاسمة لهدم البيت باليد ذاتها التي بنته.
يحدث هذا في مدينة تحت سطوة احتلال ما فتئ يتتبع البناء الفلسطيني مهما صغر ويلاحقه بأنياب جرافاته أو بدفع الفلسطينيين تحت تهديد الغرامات المالية بهدمه بأنفسهم، لتصبح المعاناة والألم مضاعفين.
تكرر ذلك أكثر من 100 مرة مع فلسطينيين من القدس اضطروا لهدم بيوتهم بأنفسهم خلال العام الجاري، بينما نفّذ الاحتلال بآلياته أكثر من 370 عملية هدم طالت منازل ومنشآت زراعية وغيرها، وفق تقارير محافظة القدس.
غلاء فاحش
بعد فاجعة الهدم الذاتي يشرع الضحايا في البحث عن مساكن تؤويهم في مدينة ضاقت بسكانها وتعاني غلاء فاحشا في أسعار الشقق التي تقدر بمئات آلاف الدولارات، وغلاء في الاستئجار الذي بات يصل في حدوده الدنيا إلى 620 دولارا شهريا.
لا يقتصر الهدم الذاتي على المنازل، فالمقدسي نهاد نصر الدين اضطر هذا الأسبوع لهدم 4 متاجر كانت تشكل مصدر الدخل الوحيد لـ6 عائلات في حي الثوري ببلدة سلوان.
وفي شهادة نقلها مركز معلومات وادي حلوة، قال المقدسي نهاد نصر الدين إن المتاجر بنيت قبل 35 عاما على قطعة أرض يملكها والده، واضطرت العائلة لدفع أكثر من 300 ألف شيكل (نحو 94 ألف دولار) غرامات ومخالفات لبلدية الاحتلال في محاولة لتجنب الهدم، ومع ذلك صدر القرار، واضطر نهاد لهدم متاجره تجنبا لدفع المزيد من المال.

لكن لماذا يلجأ فلسطينيو القدس للهدم الذاتي؟
الذريعة الأشهر لعمليات الهدم هي البناء دون ترخيص وهو إجراء من شبه المستحيل حصول الفلسطينيين عليه وفق تقارير أممية، وبالتالي تصدر بلدية القدس الإسرائيلية قراراتها بهدم المباني غير المرخصة، فيلجأ السكان للبلدية ومحاكم الاحتلال للاعتراض ويراهنون على الزمن وطول مدة التقاضي، وغالبا تنتهي الإجراءات بصدور قرارات قطعية بالهدم.
في هذه الحالة هناك خياران أمام أصحاب المنازل المخطرة:
- الهدم بآليات البلدية: وفي هذه الحالة على البلدية تحريك معداتها وطواقمها مع قوة أمنية، وتنفيذ الهدم. وهنا تُحسب التكلفة ويُجبر صاحب المنزل على دفعها، وتكون عادة بغرامات باهظة قد توازي تكلفة بناء المسكن المستهدف.
وقد يتحقق هذا الهدم بشكل مفاجئ كما حصل مع الفلسطيني محمد أبو صبيح الذي فوجئ أول من أمس الأربعاء بجرافات تهدم منزل عائلته الذي بناه والده في بلدة سلوان قبل نحو 24 عاما.
يقول أبو صبيح -للجزيرة- إن منزله مخطر بقرار الهدم منذ شهر دون موعد محدد للتنفيذ، لكن عائلته فوجئت بالتنفيذ دون منحها سقفا لمغادرة المنزل.
- الهدم الذاتي: لتجنب الخيار الأول والغرامة المالية، يلجأ أصحاب المنازل الصادرة بحقها قرارات هدم إلى هدمها بأنفسهم خلال مدة تحددها البلدية، وإذا تبقى شيء دون هدم من المبنى أو المسكن المستهدف تُقتحم المنطقة ويُستكمل الهدم ويُغرَّم صاحب المنزل.
خمسة أسباب
من جهته، يذكر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي المحتلة التابع للأمم المتحدة على موقعه الإلكتروني 5 أسباب لهدم المنازل على يد أصحابها هي:
- الرغبة في تفادي دفع الغرامات الإضافية والرسوم القانونية في الوقت الذي تكاد تنعدم فيه الإمكانات المتاحة لترخيص المبنى بأثر رجعي.
- تجنب التكاليف المرتفعة المرتبطة بالطلبات المقدمة للحصول على رخص البناء ورسوم التخطيط، ولا سيما بالنظر إلى تدني حظوظ النجاح التي تحالف هذه الطلبات.
- تجنب السجن بسبب التخلف عن دفع الغرامات للبلدية أو ازدراء أمر صادر عن المحكمة.
- الصعوبات التي تواكب الاعتراضات على إفراز الأراضي، بالنظر إلى ارتفاع عدد ورثة قطعة أرض بعينها.
- تفادي الصدمة الناجمة عن هدم المنزل قسرا وإلحاق الأضرار بالمقتنيات الشخصية وقطع الأثاث فيه.
وإجمالا طال الهدم ألفي منشأة فلسطينية منها 766 منزلا مأهولا في القدس في السنوات العشر الأخيرة، أدى هدمها إلى تهجير 4350 فلسطينيا وتضرر نحو 63 ألفا آخرين، وفق معطيات للمكتب اطلعت عليها الجزيرة نت.
ووفق معطيات رسمية فلسطينية، فإن هناك 20 ألف منزل مهدد بالهدم، في وقت لا تتعدى فيه نسبة رخص البناء 12% فقط من حاجة المواطنين المتزايدة بفعل النمو الديمغرافي.



