“أهلا وسهلا بكم في الجحيم”.. كتاب يوثق تحولات حياة الأسرى بعد طوفان الأقصى | ثقافة

بعد أن فرغ السجانون من ضربه بعصا معدنية مغطاة بالجلد في أول اقتحام لغرفته، طرح أحدهم الأسير ثامر سباعنة أرضا وأحضر كلبه ووجّهه نحوه. يروي أن الكلب هجم عليه، لكنه توقف حين صار وجهه على بعد بضعة سنتيمترات من وجهه، وثبتت عيناه في عينيه وسكن تماما. حاول السجان دفعه إلى الهجوم مرة بعد أخرى، والكلب ساكن “وكأنه قد أشفق على حالي”، كما يقول.
لم تمر تلك اللحظة مرورا عابرا على ثامر وصارت جزءا من كتابه «أهلا وسهلا بكم في الجحيم.. الأسرى بعد طوفان الأقصى»، الذي يوثق ما جرى للأسرى الفلسطينيين منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين نفذت فصائل فلسطينية هجوما على مستوطنات غلاف غزة أعقبته حرب إسرائيلية على القطاع لم تتوقف حتى اليوم.
قصص مقترحة
قائمة من 2 العناصرنهاية القائمة
يقع الكتاب في نحو 176 صفحة، وطُبع في تركيا وشارك في أحد المعارض، ويجمع بين توثيق ظروف الاعتقال وشهادات أسرى وأسيرات محررين.
عشر سنوات في الأسر
ثامر عبد الغني سباعنة، باحث وكاتب من بلدة قباطية جنوب جنين، حاصل على درجة الماجستير في التخطيط والتنمية السياسية من جامعة النجاح الوطنية. ويعمل معلّما في مديرية التربية والتعليم بقباطية منذ عام 2003. أصدر عددا من الكتب والدراسات حول الأسرى الفلسطينيين، من بينها “كنت معهم في الأسر” و”دراسة الأسرى والمحررين ودورهم في النظام السياسي الفلسطيني”، اعتُقل سبع مرات بلغ مجموعها 10 سنوات، وكان أولها عام 1997. أما آخر اعتقالاته فبدأ في 22 يوليو/تموز 2023، وقضى بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 13 شهرا في الأسر.
يقول للجزيرة نت إن الأسرى حوّلوا السجون قبل الحرب إلى “جامعات حقيقية” تصقل الفعل الوطني وتزيد رصيد الأسير الثقافي والديني والسياسي، لكن الاحتلال تعمّد بعد طوفان الأقصى أن يحوّلها إلى “مقابر حقيقية”. وما بقي معه بعد التحرر صبر أكبر وإدراك أعمق لقيمة الأشياء.

لماذا الكتاب؟
يعود الدافع إلى أول اعتقال، حين أدرك غياب قضية الأسرى عن الإعلام والتوثيق، فقرر أن يسخّر قلمه لها. أصدر أربعة كتب عن الأسرى وحياتهم، ومئات المقالات والدراسات، وتناول الموضوع في رسالة الماجستير. ويأمل أن يتحول كتابه الجديد، الذي يضم شهادات أكثر من 30 أسيرا وأسيرة، إلى “وثيقة إدانة” للاحتلال.
وعن مصادر الشهادات، يقول إنها جاءت من أسرى عاش معهم تلك الفترة، وهو نفسه عاش المرحلة، ومن محررين ومن عدد من الأسيرات. بعضهم وُثقت أسماؤهم صريحة، واكتفى آخرون بالأحرف الأولى.

“كل شيء تغيّر”
يوثّق الكتاب، بحسب سباعنة، التحولات التي طرأت على حياة الأسرى بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول. وعن أكثر ما تغيّر خلف القضبان يجيب: “كل شيء”؛ الطعام، والعلاقة بين السجان والأسير، والتعذيب، والتواصل مع الأهل، والمكتبات، والصلاة. ويضع ما رصده الكتاب في سياق ما تورده تقارير أممية وحقوقية، فيرى أن الأمر لم يعد “تشديدا لبعض الإجراءات”، بل تدهورا واسعا في ظروف الاحتجاز والحقوق الأساسية.
ويتناول الكتاب، كما يوضح، أبرز هذه التحولات. فالطعام صار أداة ضغط، مع تقليص الكميات وسوء النوعية وفقدان الأوزان، وهو ما تشير إليه تقارير أممية، إذ أفاد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في سبتمبر/أيلول 2025 بأن المحكمة العليا الإسرائيلية نفسها أمرت بتحسين كمية الغذاء المقدم للأسرى ونوعيته. وتراجعت الرعاية الطبية، واشتد الاكتظاظ، وقُيّدت زيارات العائلات والمحامين، وظل وصول الصليب الأحمر إلى أماكن الاحتجاز مقيدا منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول. ويرصد الكتاب كذلك استهداف الحياة الدينية والخصوصية بتقييد الصلاة ومصادرة المقتنيات الشخصية والحرمان من مستلزمات النظافة، إضافة إلى شهادات عن العنف النفسي والجنسي والتهديد به.
ويرى سباعنة أن الأخطر من الألم الجسدي، كما تكشف الشهادات التي جمعها الكتاب، “محاولة كسر الإنسان من الداخل”، فالأسير يحمل إلى زنزانته كرامته وذكرياته وإيمانه وأمله بالحرية، و”قد يُحاصر جسده، لكن ليس من السهل دائما أن تُحاصر إرادته”. ويقول إن هذه التحولات تضع القضية أمام مسؤولية توثيق ما حدث وحماية الشهادات ومتابعة أوضاع المعتقلين، فالأسرى “ليسوا أرقاما في نشرات الأخبار، وليسوا ملفات مؤجلة”.
ومن بين ما ورد في الكتاب، وعلق بذهنه أكثر من غيره، قصة رواها له أسير: 10 أسرى جُرّدوا من ملابسهم وأُجبروا على الحبو في دائرة، وفي وسطها سجانان، أحدهما بعصا غليظة والآخر بسلك معدني، يضربانهم ويجلدانهم.
“كنا نصلي بالسر”
من بين الشهادات التي أوردها الكتاب شهادة الأسير المحرر مرشد شوامرة، من سكان بلدة الرام ضواحي القدس، وهو طالب حقوق في سنته الرابعة. أدلى بشهادته لسباعنة قبل نحو عام، وهو يروي للجزيرة نت اليوم تجربته التي وثقها الكتاب. أمضى في الأسر نحو 6 سنوات ونصف في مجموع اعتقالاته، منها قرابة 18 شهرا بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، وتحرر في ديسمبر/كانون الأول 2024.
يقول إن كل حقوقهم “كأسرى وكبني آدم” سُحبت: الأكل والماء والنوم، حتى الصلاة. كانوا يصلون سرا، يقف أحدهم عند الشباك يراقب ويقطع الصلاة إذا أقبل السجانون. وحين ضبطوا شابا يصلي، ضُرب الجميع. وكانت الغرفة التي تتسع لستة يُحشر فيها 12 إلى 14 أسيرا.
وفي سجن النقب، يتذكر قسما يتسع لنحو 90 أسيرا ضمّ بين 170 و180، وكان السجانون يسحبون الأسرى واحدا واحدا إلى القسم المجاور ويجردونهم من ملابسهم ويضربهم 7 على الأقل. يقول إنه تلقى ضربة على ظهره، ثم أفاق في الغرفة، ولازم فراشه نحو 20 يوما بعظم صدر مكسور. أما شقيقه منصور، وهو الوحيد من إخوته الخمسة الذي ما زال معتقلا، فكُسرت ساقاه.
خرج وزنه 57 كيلوغراما بعد أن كان نحو 90، ومصابا بالجرب (مرض جلدي معدٍ)، وأمضى 10 أيام في مستشفى بالخليل. ويقول إن الجيش هدده أكثر من مرة كي لا يتحدث للإعلام، “مثل كثير من الأسرى”، لكن الحديث عن معاناتهم “أقل ما نستطيع” لنصرتهم، خاصة المرضى.
“ذاكرة شعب”
لم تقرأ أماني سراحنة، من نادي الأسير الفلسطيني (مؤسسة حقوقية تُعنى بشؤون الأسرى)، الكتاب. فسباعنة نفسه لم يستطع إدخال نسخة واحدة منه إلى فلسطين، وهو المطبوع في تركيا، لأن الجميع يخشى حمله عبر الجسر (المعبر البري الذي يسافر منه فلسطينيو الضفة الغربية إلى الأردن ويخضع للسيطرة الإسرائيلية)، ويُخشى أن يعاقب الاحتلال من يفعل ذلك. لكنها اطلعت على إنتاجات أخرى في المجال، وتعدّ هذا النوع من الإنتاج “مهما جدا” في حفظ الذاكرة.
وتضيف للجزيرة نت أن التوثيق أبعد بكثير من إعداد تقارير حقوقية وقانونية، فهو “ذاكرة شعب وذاكرة وطن”، وذاكرة ناس “دفعوا ثمنا كبيرا”. وتذكّر بأن الأرشيف الفلسطيني تعرض لأكثر من محاولة للإنهاء والسرقة والتدمير، وبأن الرواية الفردية والشفوية تقوم عليها معرفة الفلسطينيين بالسجون.
وتقول سراحنة: “إن الاحتلال هو الاحتلال نفسه، لكن علينا أن نعي التغيرات الهائلة التي طرأت على واقع السجون بعد حرب الإبادة على غزة، وأن تُحفظ الرواية لأجيال تقرأ وتعي تجربة آبائها وإخوتها”.
وتشير إلى أن الشهادة “أمانة”، وأن التوثيق أعقد من جمع 30 أو 40 رواية في كتاب، فقد يشوب أي معلومة صغيرة خلل. ولذلك تشجع أن يوثق أصحاب التجربة أنفسهم، وتعدّ مصداقية سباعنة عالية لأنه “جرّب السجن مرات” ويقدّر المعقول من الروايات وغير المعقول.
لغة الأرقام
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، استشهد ما لا يقل عن 92 فلسطينيا في السجون الإسرائيلية بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 و16 سبتمبر/أيلول 2026، بينهم طفل، وفق بيانات نشرها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. وفي تقرير صدر في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أفادت مؤسسات الأسرى الفلسطينية بأن نحو 9300 فلسطيني كانوا معتقلين في السجون الإسرائيلية، من بينهم نحو 49% موقوفون دون تهمة أو محاكمة. كما وثقت منظمة بتسيلم الإسرائيلية، في تقريرها الصادر في يناير/كانون الثاني 2026، شهادات أسرى محررين عن الضرب والتعذيب والتجويع والحرمان من الرعاية الطبية والعنف الجنسي.



