التضخم الأمريكي يربك الأسواق العالمية.. والذهب يستعيد جزءاً من خسائره

الاقتصاد.الرياض
أعادت بيانات التضخم الأمريكية الأخيرة خلط أوراق الأسواق المالية العالمية، في أسبوع اتسم بتقلبات حادة، بعدما جاءت مؤشرات الأسعار أعلى من توقعات المحللين، بالتزامن مع استمرار قوة الإنفاق الاستهلاكي، وسط تباين أداء الدولار والذهب وأسهم التكنولوجيا، في ظل تنامي المخاوف بشأن مسار أسعار الفائدة وتكاليف التمويل ومخاطر الائتمان.
ورغم ارتفاع التضخم واستمرار الضغوط السعرية، تراجع الدولار خلال تداولات الجمعة، فيما استعاد الذهب جزءاً من خسائره، مدعوماً بانخفاض عوائد السندات، بينما واجهت أسهم التكنولوجيا ضغوطاً متزايدة، ما يعكس إعادة تقييم المستثمرين للعلاقة بين التضخم والسياسة النقدية وآفاق النمو الاقتصادي الأمريكي.
التضخم يواصل الضغط على الأسواق
وسجل مؤشر أسعار المستهلكين الأمريكي لشهر سبتمبر ارتفاعاً بنسبة 3.7% على أساس سنوي، متجاوزاً توقعات الأسواق البالغة 3.6%، فيما بلغ التضخم الأساسي 2.6%، في مؤشرات تعكس استمرار الضغوط السعرية رغم الجهود الرامية إلى احتوائها.
وزادت بيانات أسعار المنتجين من تعقيد المشهد، بعدما ارتفع المؤشر بنسبة 1.3% على أساس شهري، وهي أكبر زيادة منذ مارس 2022، فيما سجل ارتفاعاً سنوياً بنسبة 6.3%، ما يعزز المخاوف من امتداد ارتفاع تكاليف الإنتاج إلى أسعار السلع والخدمات النهائية.
وتبرز المخاطر بصورة أكبر مع احتمال انتقال الزيادة في أسعار الطاقة إلى تكاليف النقل والإنتاج، الأمر الذي قد يحد من سرعة تراجع التضخم ويجعل عودته إلى مستهدف الاحتياطي الفيدرالي أكثر صعوبة.
الإنفاق الاستهلاكي يخفي ضغوطاً متزايدة
وفي مؤشر على استمرار قوة الطلب، ارتفعت مبيعات التجزئة الأمريكية بنسبة 0.8% خلال سبتمبر على أساس شهري، متجاوزة التوقعات التي أشارت إلى نمو بنحو 0.3%.
إلا أن تفاصيل البيانات أظهرت أن مبيعات محطات الوقود ارتفعت بنسبة 6.4%، في حين اقتصرت الزيادة في مبيعات التجزئة باستثناء محطات الوقود على 0.2%، ما يشير إلى أن ارتفاع تكاليف الوقود أسهم في جانب مهم من نمو المبيعات.
وتعكس هذه الأرقام صورة أكثر تعقيداً للاستهلاك الأمريكي؛ إذ إن ارتفاع الإنفاق الاسمي لا يعني بالضرورة تحسناً مماثلاً في الاستهلاك الحقيقي، خصوصاً مع استمرار الضغوط على القوة الشرائية للأسر.
كما أن استمرار الطلب قد يمنح الشركات مجالاً لتمرير جزء من التكاليف المرتفعة إلى المستهلكين، بما يطيل أمد الضغوط التضخمية.
الدولار والذهب يتحركان عكس التوقعات
وعلى الرغم من أن ارتفاع التضخم يدعم عادة توقعات استمرار السياسة النقدية المتشددة، فإن تراجع الدولار وانخفاض عوائد السندات خلال تداولات الجمعة ساهما في دعم الذهب، في تحرك يعكس تزايد حساسية الأسواق للتوقعات المتعلقة بأسعار الفائدة والنمو الاقتصادي.
ويشير هذا الأداء إلى أن المستثمرين لا يركزون على مستويات التضخم وحدها، بل يقيّمون أيضاً مدى تأثيرها في قرارات الاحتياطي الفيدرالي، وما إذا كانت أسعار الفائدة الحالية تعكس بالفعل جانباً كبيراً من المخاطر المتوقعة.
وفي هذا السياق، تراجع الذهب إلى نحو 4,073 دولاراً للأونصة قبل أن يستعيد جزءاً من خسائره ويتداول قرب 4,175 دولاراً، في ارتداد قد يعكس عودة الطلب عند مستويات سعرية أقل، دون أن يؤكد بالضرورة انتهاء موجة التصحيح.
ويرتبط المسار المقبل للمعدن النفيس باتجاه الدولار والعوائد الحقيقية، إذ قد يمنح انخفاضهما الذهب فرصة لمواصلة التعافي، في حين أن استمرار الضغوط التضخمية واحتمالات تشديد السياسة النقدية قد يحدان من مكاسبه.
الاحتياطي الفيدرالي تحت ضغط البيانات
وتترقب الأسواق إشارات أوضح بشأن توجهات السياسة النقدية الأمريكية، في ظل استمرار التضخم فوق المستويات المستهدفة، مقابل مؤشرات على تماسك النشاط الاقتصادي.
وفي هذا الإطار، أشار كيفن وارش، رئيس الاحتياطي الفيدرالي، إلى أن أداء الاقتصاد يتوافق مع التوقعات، مع استمرار التضخم مصدراً للقلق، دون تقديم إشارة حاسمة بشأن القرار المقبل لأسعار الفائدة.
ويزيد غياب التوجيه الواضح من أهمية البيانات الاقتصادية المقبلة، إذ قد تدفع المؤشرات التي تظهر استمرار الضغوط السعرية نحو الإبقاء على سياسة نقدية مشددة، بينما قد تعزز علامات التباطؤ الاقتصادي التوقعات بخفض الفائدة مستقبلاً.
الإسكان وأرباح الشركات في دائرة الاهتمام
وتتجه أنظار المستثمرين خلال الأسبوع المقبل إلى بيانات قطاع الإسكان، ومؤشرات مديري المشتريات المقرر صدورها الجمعة، إلى جانب مؤشرات ثقة المستهلك ونتائج الشركات، خصوصاً العاملة في قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وستساعد هذه البيانات في تقييم مدى قدرة الاقتصاد الأمريكي على الحفاظ على زخمه، في ظل ارتفاع تكاليف التمويل وتزايد المخاوف المرتبطة بالائتمان.
وتواجه الأسواق ثلاثة مسارات محتملة؛ يتمثل الأول في استمرار الضغوط التضخمية، بما قد يعزز توقعات التشديد النقدي ويضغط على الذهب والأسهم الحساسة لأسعار الفائدة. أما الثاني، فيرتبط بتباطؤ النشاط الاقتصادي، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع العوائد ويدعم الذهب، مع احتمال استمرار الضغوط على الأسهم إذا تصاعدت المخاوف الائتمانية.
في حين يتمثل السيناريو الثالث في استمرار التباين بين التضخم والنمو، بما يبقي الأسواق في دائرة التقلبات، ويجعل تحديد اتجاه مستدام للدولار والذهب والأسهم مرهوناً بصدور بيانات اقتصادية أكثر وضوحاً.
وتعكس تحركات الأسواق الأخيرة تحولاً في أولويات المستثمرين، من مجرد متابعة معدلات التضخم إلى تقييم قدرة السياسة النقدية على احتواء ارتفاع الأسعار دون إضعاف النمو، وهي معادلة ستظل العامل الأبرز في تحديد اتجاهات الأسواق العالمية خلال الفترة المقبلة



