الأخبار

الكهرباء العراقية.. ممنوع اللمس أو الاقتراب (مقال)


اقرأ في هذا المقال

  • تتجنب الدولة إصلاح الجباية خشية تراجع القبول الشعبي، وهو حساب راعته الجهات السياسية المتعاقبة على إدارتها
  • أرى أن استمرار حشر بعض الدول مثل أميركا وغيرها في تفسير تعثّر الكهرباء، يمنح المسؤولين العراقيين عذرًا لتجنُّب المحاسبة
  • أؤيد تحويل المحطات المناسبة من الخام والنفط الأسود والديزل إلى الغاز المحلي والمستورد
  • الوقود السائل المحروق في محطات الكهرباء يُعادل نحو 333 ألف برميل يوميًا، منها 182 ألف برميل من الخام و69.5 ألف برميل من النفط الأسود.. ولكل برميل قيمة
  • العراق يحتاج إلى خزين جوفي إستراتيجي للغاز بسعة تشغيلية تبلغ نحو ملياري متر مكعب مرحلةً أولى

تُمثّل الكهرباء العراقية معضلة كبيرة على مدار السنوات الماضية، وملفًا شائكًا خاصةً بالنسبة للمواطن الذي يمنّي نفسه بالحصول على الخدمة دون انقطاع.

فخلال السنوات الثلاث والعشرين الماضية، كان ممكنًا حلُّ المشكلة بالتدريج، لكنها الآن أصبحت مرتبطة بمصالح ثلاثة أطراف هي: الدولة والمواطن والمنتفعون من استمرار الأزمة.

فالدولة تتجنّب التبعات السياسية للجباية، والمواطن يرفض دفع المزيد مقابل خدمة لا يثق بها، والمنتفعون يخشون خسارة عوائدهم.. وتبقى المسؤولية الكبرى على الدولة لأنها تملك القرار والقانون والقدرة على بدء الإصلاح.

تملك بغداد نحو 80 محطة توليد حكومية واستثمارية، منها نحو 50 محطة غازية تضم المنظومة بمجموعها 680 وحدة أنتجت نحو 159 تيراواط/ساعة عام 2025 بمتوسط إنتاج يبلغ 18.1 غيغاواط، وتأتي نحو 7% من الإمدادات عبر الاستيراد من الخارج ومن إقليم كردستان.

وتستهلك المحطات سنويًا نحو 121 مليون برميل من الوقود السائل بأنواعه و18.3 مليار متر مكعب من الغاز، وتقترب كلفة التشغيل الاقتصادية من 25 مليار دولار مقابل جباية تبلغ 1.8 مليار دولار، أي نحو 7% من الكلفة.

الدولة والمواطن والجباية

تتجنب الدولة إصلاح الجباية خشية تراجع القبول الشعبي، وهو حساب راعته الجهات السياسية المتعاقبة على إدارتها.

وبحسب التقديرات، فإن نحو ثمانية من كل عشرة مشتركين لا يملكون عدادات سليمة أو أن عداداتهم معطّلة أو مفصولة، وفرض التحصيل يعني مطالبتهم بمبالغ لم يعتادوا دفعها، لذلك تتراجع إجراءات الجباية أمام الضغوط والاستثناءات، وتتحمل الخزينة الفارق.

تقارب الكلفة الاقتصادية للوحدة الكهربائية 16 سنتًا قبل احتساب استهلاك الأصول رأسماليًا، في حين تُباع في شريحة الاستهلاك المنزلي الأولى بأقل من سنت واحد، ولا يُحصّل هذا المقابل بالكامل، وتشمل الكلفة أعباء المنظومة وقيمة الوقود الاقتصادية، وليست كلّها مبالغ نقدية تتسلمها وزارة الكهرباء، أمّا إنشاء محطات وشبكات جديدة فيحتاج إلى تمويل إضافي.

يريد المواطن كهرباء شبه مجانية، لكنه يدفع للمولدات والبطاريات والوقود وأجهزة الحماية، لذلك يجب أن يرتبط التحصيل بتحسين التجهيز وتركيب عداد صحيح وإصدار فاتورة واضحة، مع حماية الاستهلاك الأساس للأسر وتحميل الاستهلاك المرتفع حصة أكبر من كلفته، وتبدأ الدولة بمؤسساتها وكبار المستهلكين والنافذين حتى لا يصبح الدفع واجبًا على الملتزم وحده.

وتجربة منطقة زيونة في بغداد مثال على إمكان تحسين الجباية إذ ارتفعت المبالغ المحصلة من نحو 350 مليون دينار سنويًا إلى 1.3 مليار دينار شهريًا، بما يعادل 15.6 مليار دينار سنويًا، أي نحو 45 ضعف المستوى السابق، وهو ما يوضح حجم الإيرادات التي يمكن استعادتها بتنظيم القياس والتحصيل وربطهما بتحسين الخدمة.

ويمكن توسيع التجربة تدريجيًا في مناطق تُقاس فيها الكهرباء الداخلة والمبيعة والمبالغ المحصلة مع إعلان التعرفة وساعات التجهيز ومسؤولية الجهة المجهزة، فيصبح ما يدفعه المواطن مقابلًا لخدمة يلمس تحسُّنها وتعالج الدولة ضعف الثقة والجباية معًا.

أين تذهب الكهرباء العراقية؟

بلغت إمدادات منظومة الكهرباء العراقية نحو 170.3 تيراواط/ساعة مقابل مبيعات تبلغ 73.4 تيراواط/ساعة، أي نحو 43% فقط من الإمدادات، ولا يعني ذلك أن الباقي كلّه مسروق، لأن الفارق يشمل استعمالات المحطات والخسائر الفنية واختلافات القياس والتسجيل، لكنه يستوجب بيان ما يدخل كل شبكة وما يصل إلى المستهلك وما يُباع ويُحصّل.

وتعلن وزارة الكهرباء أن حاجة العراق تبلغ 60 غيغاواط، في حين يبلغ متوسط استهلاك ألمانيا نحو 55 غيغاواط بكل مصانعها وزراعتها وتجارتها وسكانها الذين يقارب عددهم ضعف سكان العراق، فكيف وصل الاحتياج العراقي إلى هذا المستوى، حتى في ساعات الطلب الأعلى؟ وكم منه استهلاك فعلي؟ وكم منه هدر وتجاوزات يُراد تغطيتها بمحطات ووقود إضافيين؟

يبدأ العمل بتحديد الخطوط والمحولات المثقلة وإصلاحها وتركيب العدادات وإزالة التجاوزات وتحسين كفاءة التبريد والمباني والأجهزة فخفض الاستهلاك في ساعات الطلب الأعلى يقلل الحاجة إلى إنشاء قدرات إضافية، ويجب مقارنة كلفة هذه الإجراءات بكلفة المحطات الجديدة ووقودها وصيانتها قبل اختيار المشروع.

إصلاح شبكة الكهرباء العراقية
عامل خلال إصلاح إحدى شبكات الكهرباء العراقية – الصورة من الوزارة

المصالح والعقود

تتوزع مصالح المنتفعين بين عقود الوقود والتوريد والصيانة والنقل وبدائل الكهرباء، ولا يعني ذلك اتهام كل مستثمر، فالعراق يحتاج إلى الشركات الخاصة، لكنه يحتاج أيضًا إلى نشر العقود وكلفها ومصادر تمويلها ونسب تنفيذها والجزاء عند التأخير، مع الفصل بين إضافة توليد جديد وتأهيل قدرة قائمة وتطوير الشبكات حتى لا تُعرَض الأعمال نفسها أكثر من مرة.

إن استمرار حشر بعض الدول مثل أميركا وغيرها في تفسير تعثُّر الكهرباء يمنح المسؤولين العراقيين عذرًا لتجنُّب المحاسبة، ومن الأمثلة تكرار تصريح جو كايزر الرئيس التنفيذي لسيمنس آنذاك في نوفمبر/تشرين الثاني 2018 عن ضغوط إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإثناء العراق عن التعاقد مع شركته، وهو تصريح وجّهَهُ لمطالبة حكومة المستشارة الألمانية-حينها- أنغيلا ميركل بمساندة شركته.

وبعد نحو ستة أشهر من التصريح وقّع وزير الكهرباء العراقي آنذاك لؤي الخطيب مع سيمنس اتفاق تنفيذ خارطة الطريق في برلين يوم 30 أبريل/نيسان 2019 بحضور رئيس الوزراء العراقي آنذاك عادل عبد المهدي والمستشارة أنغيلا ميركل ضمن خطة لإضافة نحو 11 غيغاواط إلى قدرات الكهرباء العراقية، فكيف يُستعاد التصريح لتفسير التعثُّر، وتُترك الاتفاقية التي أعقبته ومسؤولية توفير التمويل والوقود وتنفيذ الالتزامات العراقية؟

وبحسب المعلومات المتعلقة بمخاطبات عام 2021 أبلغ العراق سيمنس وجنرال إلكتريك بوقف مشروعات خارطتي الطريق المتفق عليهما خلال 2018 و2019 بسبب ضعف التمويل وصعوبة توفير الوقود، فلا يمكن تطوير قطاع خاسر بصورة مستدامة حين تحتاج كل زيادة في إنتاجه إلى دعم إضافي وتوقيع اتفاق جديد لا يعالج أسباب تعطيل سابقه.

وصل التعاون مع سيمنس إلى مرحلته الرابعة عام 2026، لكن تكرار الإعلان لا يعني إضافة قدرات مستقلة، لأن بعض المشروعات يعاد إدراجها وللشركة أعمال منفّذة، منها تبريد أربعين وحدة في تسع محطات لإتاحة زيادة تصل إلى 700 ميغاواط في الظروف المناسبة والمطلوب بيان ما وُقِّع وما مُوِّل وما دخل الخدمة بحجمه الفعلي، فالقدرات المعلنة تبقى أوراقًا حتى تتحول إلى كهرباء تصل إلى المستهلك.

الوقود والكفاءة

يعادل الوقود السائل المحروق نحو 333 ألف برميل يوميًا، منها 182 ألف برميل من الخام و69.5 ألف برميل من النفط الأسود، ولكل برميل قيمة حتى لو انتقل بين الوزارات بسعر إداري منخفض لأنه مورد يمكن تصديره أو استعماله في نشاط آخر، لذلك يجب قياس الوقود اللازم لكل وحدة كهرباء والعمل على خفضه.

وفي البيانات التي تناولتها سابقًا عن الوحدات الغازية كانت 27% عاطلة و30% غير عاملة، ولم تتجاوز العاملة 43% من عددها، ولم يوفر الغاز سوى 48% من إنتاج التوربينات الواردة فيها، وهذه نسب تخصّ تلك المدة، لكنها توضح ضرورة تحديد سبب توقُّف كل وحدة وكلفة إعادتها قبل شراء بديل جديد، فتسمية المحطة غازية لا تعني أنها تعمل بالغاز.

وللمقارنة فمحطتا ميسان في جنوب العراق ومحطة إيرشنغ 5 في جنوب ألمانيا تستعملان توربينات غازية من طراز سيمنس نفسها، ويُقدّر استهلاك الغاز لكل وحدة كهرباء منتجة في ميسان بأنه أعلى بنحو 25% من الألمانية، وهو ما يوضح أهمية رفع الكفاءة لإنتاج الكهرباء بوقود أقل.

ويتيح استكمال الدورات المركبة إنتاج كهرباء إضافية باستعادة حرارة العوادم، ولذلك يجب ترتيب المشروعات بحسب الكهرباء المضافة والوقود الموفر وكلفة التنفيذ ومدّته، وقد يكون تأهيل محطة قائمة واستكمال وحدتها البخارية أسرع وأجدى من شراء محطة جديدة تحتاج إلى وقود وتمويل إضافيين.

محطة كهرباء متنقلة لتعزيز الشبكة في ميسان العراقية
محطة كهرباء متنقلة لتعزيز الشبكة في محافظة ميسان – الصورة من وزارة الكهرباء

الغاز المحلي والمستورد

أؤيد تحويل المحطات المناسبة من الخام والنفط الأسود والديزل إلى الغاز المحلي والمستورد، فإذا كانت كلفة شراء الغاز ونقله وتشغيل المحطة به أقل من قيمة النفط الذي يحرره للتصدير، فإن العراق يحقق وفرًا.. فالوقود المحلي ليس مجانيًا، والاستيراد ليس خسارة بالضرورة، والمقارنة يجب أن تشمل الكلفة والكفاءة واستقرار الإمداد.

تبلغ القدرة المتاحة في التقرير الخاص بالمحطات الغازية والدورات المركبة نحو 21.4 غيغاواط، وقد يحتاج تشغيل هذه القدرات باستمرار على الغاز إلى 106–128 مليون متر مكعب يوميًا، بما يعادل 39–47 ملياراً سنويًا، بحسب معدل الاستهلاك، وهذا احتياج تشغيل مستمر ولا يشمل تحويل بقية المحطات الحرارية.

في المقابل، يدور الإنتاج المحلي حول 13.5 مليار متر مكعب سنويًا، وحتى مع وصوله إلى 21–23 مليارًا وفق توقعات إنجاز مشروعات الغاز المرتقبة -ومنها عكاز والمنصورية ومشروعات التراخيص-، فإنه سيعادل نحو نصف ذلك الاحتياج قبل احتساب القطاعات الأخرى والتوسع في التوليد، كما أن الغاز المصاحب يحتاج إلى جمع ومعالجة ونقل، ولا تساوي كميته الخام كمية الغاز الجاف الواصلة للمحطات.

لذلك يحتاج العراق إلى تطوير موارده بالتوازي مع دراسة خطوط توريد من قطر أو عبر تركيا أو المسارين معًا، إلى جانب الغاز الإيراني والتركمانستاني.

وتُقارَن البدائل وفق السعر والتمويل ودول العبور وموثوقية الإمداد، ويشمل التنويع المسارات، لأنّ تعدُّد الموردين لا يمنع الانقطاع إذا مرَّ الغاز كله في الطريق نفسه.

إيران والخزين الجوفي الإستراتيجي

خلال اجتماعين عقدتُهما في بغداد وطهران مع رضا نوشادي الذي تولّى إدارة الشركة الحكومية الإيرانية لهندسة الغاز وتطويره، أوضح لي أنه نبّه المسؤولين العراقيين منذ عام 2015 إلى موسمية الإمدادات الإيرانية وعدم استقرارها، وضرورة تنويع المصادر وإنشاء خزين جوفي إستراتيجي للغاز كما تفعل إيران، مشيرًا إلى اهتمام المسؤولين بالفكرة، لكن من دون تنفيذ.

وبحسب ما نقله لي حينها، كانت ضغوط من دوائر القرار العليا في إيران تُمارَس على الوزارة والشركة لمواصلة الضخ رغم الاعتراضات الداخلية ومشكلات المستحقات، فالخطاب الرسمي لا يعكس دائمًا الموقف التشغيلي والتجاري، كما أن تسجيل المستحقات لا يعني إتاحتها للمورد، وكان على العراق بناء وسائل تُخفِّف أثر الانقطاع بدلًا من انتظار ضمان الإمدادات في كل الظروف.

ويحتاج العراق إلى خزين جوفي إستراتيجي للغاز بسعة تشغيلية مستهدفة تبلغ نحو ملياري متر مكعب مرحلةً أولى لتخفيف أثر انقطاع الإمدادات وتغطية جزء من الطلب الموسمي، على أن تُحدد المواقع وقدرات الحقن والسحب وفق الدراسات الفنية، ويرتبط تنفيذه بتنويع المصادر وتطوير الإنتاج المحلي وإصلاح الوحدات المجدية واستكمال الدورات المركبة ومعالجة اختناقات الشبكة.

الملخص

لا يحتاج العراق إلى مزيد من التوقيعات بقدر ما يحتاج إلى تنفيذ ما اتّفق عليه وإصلاح ما يملكه، فلا تُبنى محطة قبل تأمين وقودها وتمويلها وربطها بالشبكة، ولا يُقاس النجاح بالقدرات المعلنة، بل بالكهرباء التي تصل إلى المواطن والوقود الذي نوفّره والإيرادات التي نستعيدها .

وبذلك يمكن تحويل الكهرباء من قطاع يستنزف ثروة العراق إلى قطاع يخدم المواطن ويدعم الاقتصاد والخزينة.

*هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

نرشّح لكم..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.



Source link

Ahmed Hemdan

كاتب وصحفي إخباري شغوف بالرصد الميداني والرقمي، متخصص في اقتناص الخبر لحظة وقوعه وصياغته بمهنية وموضوعية عالية. يمتلك حسّاً صحفياً فريداً لتمييز الأخبار العاجلة والمهمة ومتابعة تفاصيلها أولاً بأول من مصادرها الموثوقة. يسعى دائماً ليكون الحلقة الأسرع والأكثر دقة في نقل المعلومة للقارئ، مع الالتزام بقواعد النشر الرقمي وسرعة الأرشفة لتغطية كافة الأحداث والتوجهات الجديدة فور ظهورها، ليبقى متابعو الموقع في قلب الحدث على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى