رفض شعبي لترمب.. كيف سقط الرئيس الأمريكي بحزبه في الهاوية؟ | سياسة

شكلت نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية عام 2026 مفاجأة كبيرة للمراقبين والمتابعين للشأن الأمريكي، عندما أظهرت تحقيق الحزب الديمقراطي الأمريكي نتائج كاسحة أمس الثلاثاء 3 نوفمبر/تشرين الثاني.
استطاع الحزب الديمقراطي الأمريكي السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيَّين، حيث تبلغ حصة الحزب الآن نحو 54 مقعدا في مجلس الشيوخ الأمريكي، و240 مقعدا في مجلس النواب الأمريكي.
لقد جاء النصر الديمقراطي هذه المرة كثالث سابقة تاريخية يتمكن فيها أحد الحزبين الرئيسيين من الفوز بمجلسَي الشيوخ والنواب مرة واحدة في الانتخابات النصفية نفسها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
لقد حملت هذه الانتخابات مفاجآت عديدة ستكون لها تداعيات مستقبلية كبيرة على تضاريس العمل السياسي الأمريكي، حيث فاز عبدول السيد بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية مشيغان كأول سيناتور مسلم في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، كما فازت كيشا لانس بوتومز بمقعد حاكم ولاية جورجيا، لتصبح أول امرأة سوداء تتولى هذا المنصب في تاريخ الولاية.
وفازت مرشحة الحزب الديمقراطي جينا هينوجوسا بمقعد حاكم ولاية تكساس لتكون أول امرأة من أصول لاتينية تفوز بهذا المنصب في تاريخ الولاية، كما انتزع مرشح الحزب الديمقراطي، آدم هاميلتون، مقعد مجلس الشيوخ عن ولاية كانساس، ليكون أول ديمقراطي يفوز بهذا المقعد منذ نحو قرن.
ينظر الأمريكيون في الغالب إلى الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة باعتبارها استفتاء على أداء الحزب الحاكم في البيت الأبيض، ومن ثم، إذا لم يرضوا عن أدائه، يصوتون للحزب المعارض رغبة في تحقيق التوازن السياسي.
كان الانخفاض الكبير في شعبية ترمب خلال السنة الحالية أحد الأسباب الرئيسية في هزيمة الحزب الجمهوري في هذه الانتخابات، حيث تدنت نسبة المؤيدين لسياساته الحكومية إلى أقل من 40% من المواطنين الأمريكيين، خاصة بعد حرب إيران وما ترتب عليها من ارتفاع في أسعار السلع والوقود
غير أن هذه الانتخابات النصفية تكتسب أهمية خاصة بعد سنوات طويلة امتدت لأكثر من عقد من الزمان، ظلّ خلالها الرئيس ترمب مهيمنا على السياسة الأمريكية، سواء خلال ولايته الأولى، أو عقب هزيمته في انتخابات عام 2020، أو من خلال عودته إلى الرئاسة في ولايته الثانية، متحديا كل التوقعات السلبية -التي سبقت فوزه- بعد أحداث السادس من يناير/كانون الثاني 2021.
تأتي هذه الانتخابات لتضع الرئيس الأمريكي أمام واقع سياسي جديد، بعد فوز الحزب الديمقراطي في الانتخابات النصفية وسيطرته على الكونغرس الأمريكي بمجلسيه، النواب والشيوخ.
سيجد ترمب أنه قد أصبح، كما يُعرف في السياسة الأمريكية، بطة عرجاء، تتراجع قدرته على تمرير أجندته السياسية والتشريعية مع اقتراب نهاية ولايته.
ومع توجه الأنظار الإعلامية والسياسية، في ظل هذا الواقع الجديد خلال الأشهر المقبلة، إلى المرشحين المحتملين لخوض السباق الرئاسي لانتخابات عام 2028، سيجد الرئيس الأمريكي نفسه بعيدا عن الأضواء الإعلامية التي اعتاد عليها لسنوات طويلة منذ إعلان ترشيحه للرئاسة للمرة الأولى عام 2015.
الانتخابات استفتاء على ترمب
بلا شك، كان الانخفاض الكبير في شعبية ترمب خلال السنة الحالية أحد الأسباب الرئيسية في هزيمة الحزب الجمهوري في هذه الانتخابات، حيث تدنت نسبة المؤيدين لسياساته الحكومية إلى أقل من 40% من المواطنين الأمريكيين، خاصة بعد حرب إيران وما ترتب عليها من ارتفاع في أسعار السلع والوقود.
بالإضافة إلى ذلك، فقد أدى إصرار الرئيس الأمريكي على المشاركة في الحملات الانتخابية لدعم المرشحين الجمهوريين في عدد من الدوائر الانتخابية للحزب الجمهوري، التي كانت تُعتبر، حتى ما قبل هذه الانتخابات، معاقل صلبة للحزب، إلى ربط هؤلاء المرشحين ربطا مباشرا برئيس لا يتمتع بشعبية كبيرة حاليا.
لقد كان بإمكان ترمب أن يحذو حذو جورج بوش الابن، الذي اختار الابتعاد ابتعادا شبه كامل عن الحملات الانتخابية خلال انتخابات التجديد النصفي عام 2006، خشية أن تؤدي مشاركته إلى زيادة عزوف الناخبين عن التصويت للجمهوريين.
ومن الملاحظات المهمة في هذه الانتخابات تدخل الرئيس الأمريكي القوي لدعم مرشحين موالين له، رغم وجود مزاعم واتهامات تتعلق بالأهلية السياسية والأخلاقية لبعض هؤلاء المرشحين، مثل كين باكستون، المرشح الجمهوري لمقعد مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية تكساس.
فاز كين باكستون في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري، رغم عدم تمتعه بشعبية واسعة في ولاية تكساس، الأمر الذي تسبب في انحياز عدد من قادة الحزب الجمهوري في الولاية إلى دعم المرشح الديمقراطي، تعبيرا عن رفضهم ترشيح شخصية لم يروها مناسبة لشغل هذا المقعد المهم في مجلس الشيوخ. لقد أظهرت استطلاعات الرأي الأمريكية أن الناخبين الأمريكيين غاضبون من مستويات الفساد المالي والسياسي في ظل إدارة ترمب.
لقد أسهمت هذه التدخلات في إيصال المرشح الديمقراطي جيمس تالاريكو إلى مجلس الشيوخ عن ولاية تكساس، في سابقة لم تحدث منذ ثلاثة عقود.
والجدير بالذكر هنا أن انتخابات مقعد مجلس الشيوخ عن ولاية تكساس تعدّ أكثر الانتخابات تكلفة مالية في تاريخ أمريكا، حيث بلغ إنفاق المرشحَين الديمقراطي والجمهوري في هذه الانتخابات أكثر من نصف مليار دولار أمريكي.
أدى إصرار الرئيس الأمريكي على المشاركة في الحملات الانتخابية لدعم المرشحين الجمهوريين في عدد من الدوائر الانتخابية للحزب الجمهوري، التي كانت تُعتبر، حتى ما قبل هذه الانتخابات، معاقل صلبة للحزب، إلى ربط هؤلاء المرشحين ربطا مباشرا برئيس لا يتمتع بشعبية كبيرة حاليا
سياسة ترمب الجمركية وتداعياتها على الانتخابات النصفية
لقد كان إعلان الرئيس الأمريكي عن السياسة الجمركية الجديدة، منذ توليه الحكم للمرة الثانية في البيت الأبيض، انفصالا واضحا عن سياسة راسخة ظلّت تتبناها الحكومات الأمريكية المتعاقبة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
لقد عملت الحكومات الأمريكية المختلفة على إزالة العوائق الجمركية وغير الجمركية أمام التجارة العالمية، بما يسهل انسياب السلع والخدمات التجارية بين مختلف دول العالم، إدراكا منها بأن التجارة الحرة، وبناء الضوابط والقواعد الدولية المنظمة لها، أمر لا ينفصل عن الأمن العالمي واستقرار الاقتصاد الدولي.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت القوة الدولية الرائدة في إنشاء الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (الغات)، التي مهدت الطريق لقيام منظمة التجارة العالمية في منتصف التسعينيات من القرن الماضي.
بيد أن إدارة ترمب تنكّرت لكل هذا الإرث السياسي العريق في التجارة الدولية عندما فرضت تعريفات جمركية مرتفعة جدا على كثير من الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، مثل الصين، وكندا، ودول الاتحاد الأوروبي، وغيرها من الدول.
أثارت هذه السياسة الجمركية الجديدة جدلا واسعا داخل الولايات المتحدة، وصل إلى المحاكم الأمريكية. تشير الشواهد القائمة إلى أن هذه السياسة قد أسهمت في ارتفاع ملحوظ في أسعار السلع والخدمات داخل الولايات المتحدة، مما أدى إلى زيادة معدل التضخم السنوي إلى أكثر من 3%، وهي مستويات شبيهة بتلك النسبة العالية للتضخم خلال فترة الرئيس جو بايدن، مما تسبب حينئذٍ في انحسار شعبية الحزب الديمقراطي وخسارته الانتخابات النصفية عام 2022 والانتخابات الرئاسية الأخيرة.
لقد أثبتت هذه الانتخابات أن الديمقراطيات قد تخطئ أحيانا كثيرة في اختيار مسارها التاريخي، ولكنها قادرة أيضا على تصحيح مسارها الخاطئ عاجلا أو آجلا
تشير معظم استطلاعات الرأي الأمريكية، منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير/شباط الماضي، إلى أن قطاعا عريضا من الشعب الأمريكي لا ينظر إليها باعتبارها حربا تفرضها ضرورات الأمن القومي الأمريكي، بل حربا اختار الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي خوضها بمحض رغبتهما الشخصية.
يستشعر الأمريكيون الآثار السلبية المباشرة للحرب في أسعار الوقود، التي شهدت ارتفاعا وصل إلى نحو 50% مقارنة بأسعارها قبل نشوب هذا الصراع.
والجدير بالإشارة هنا أن الأمريكيين يعتمدون اعتمادا كبيرا على سياراتهم الخاصة في التنقل والوصول إلى أماكن عملهم في كثير من المدن الأمريكية الصغيرة والمتوسطة.
ولا يقتصر تأثير ارتفاع أسعار الوقود على تنقلات الأفراد، بل يمتد أيضا إلى القطاع الزراعي، حيث تعتمد المزارع الضخمة على الوقود والأسمدة في عمليات الإنتاج، مما يفسّر أسباب هزيمة الحزب الجمهوري في أوساط الريف الأمريكي، الذي صوّت في الانتخابات الرئاسية الأخيرة لصالح ترمب.
سيكون لهذه الانتخابات النصفية تداعيات كبيرة على مستقبل العملية السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية ومستقبل الحزب الجمهوري، خاصة في الانتخابات الرئاسية القادمة.
لقد أثبتت هذه الانتخابات أن الديمقراطيات قد تخطئ أحيانا كثيرة في اختيار مسارها التاريخي، ولكنها قادرة أيضا على تصحيح مسارها الخاطئ عاجلا أو آجلا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



