قس ديمقراطي يهدد هيمنة جمهورية استمرت قرنا في كانساس بالولايات المتحدة | أخبار

واشنطن- قبل 94 عاما، وفي خضم الكساد الكبير الذي ضرب الولايات المتحدة، انتخبت ولاية كانساس الديمقراطي جورج ماكغيل لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي. ومنذ ذلك الحين، لم يتمكن أي مرشح ديمقراطي من الفوز بمقعد للولاية في المجلس، في واحدة من أطول سلاسل الهيمنة الحزبية في التاريخ الانتخابي الأمريكي. لكن هذه القاعدة التاريخية تواجه اختبارا غير مسبوق في انتخابات التجديد النصفي المقررة الثلاثاء المقبل.
ففي الولاية التي منحها الناخبون للرئيس دونالد ترمب بفارق تجاوز 16 نقطة مئوية في انتخابات 2024، يخوض السيناتور الجمهوري روجر مارشال سباقا متقاربا أمام القس الميثودي -طائفة مسيحية بروتستانتية- الديمقراطي آدم هاميلتون، الذي أظهرت أحدث استطلاعات الرأي تقدمه بفارق ضئيل، فيما تجاوز الإنفاق الإعلاني على المنافسة 84 مليون دولار، لتصبح أغلى معركة انتخابية في تاريخ كانساس.
وتحول السباق الذي كان يُنظر إليه قبل أشهر باعتباره مقعدا جمهوريا آمنا إلى إحدى المعارك التي قد تؤثر في ميزان السيطرة على مجلس الشيوخ، ما دفع ترمب ونائبه جيه دي فانس إلى التدخل المباشر لدعم مارشال.
وقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة (SSRS) لصالح شبكة “سي إن إن” تقدم هاميلتون بنسبة 49% مقابل 45% لمارشال، بين 838 ناخبا مرجحا، بفارق يقع ضمن هامش الخطأ البالغ 4.5 نقاط مئوية.
وجاء ذلك بعدما كشف استطلاع لمعهد إيمرسون عن تقدم هاميلتون بنسبة 45% مقابل 43، بينما أظهرت استطلاعات أخرى تعادلاً شبه كامل، أو تقدما طفيفا لمارشال. ووفق متوسط استطلاعات (RealClearPolling)، تبلغ نسبة تأييد هاميلتون 46.1% مقابل 45.9% لمنافسه الجمهوري.
قس مسيحي يخترق القاعدة الجمهورية
يتمتع هاميلتون، البالغ من العمر 61 عاما، بخلفية غير تقليدية بالنسبة إلى مرشح ديمقراطي لمجلس الشيوخ. فهو مؤسس كنيسة القيامة الميثودية في منطقة كانساس سيتي، وقد بدأت عام 1990 بمجموعة صغيرة من المصلين، وتحولت إلى واحدة من أكبر الكنائس الميثودية في الولايات المتحدة، بعضوية تقارب 25 ألف شخص.
والميثودية مذهب مسيحي بروتستانتي نشأ في إنجلترا خلال القرن الثامن عشر على يد القس جون ويسلي، الذي دعا إلى الجمع بين تأكيد الخلاص بالنعمة والدعوة في الوقت نفسه إلى العمل الأخلاقي وخدمة الفقراء، مؤكدا حرية الإرادة الإنسانية.
وانتشرت الميثودية بقوة في الولايات المتحدة منذ أواخر القرن الثامن عشر، خصوصا بين سكان الريف والطبقات الشعبية، وذلك بفضل الوعاظ المتنقلين. وهي اليوم من أبرز التقاليد البروتستانتية الأمريكية، وينتمي نحو 3% من البالغين الأمريكيين إلى الكنيسة الميثودية المتحدة.
ويتبنى هاميلتون ما يسميه “الإنجيلية التقدمية”، أي التأكيد على أهمية التدين المسيحي الشخصي والمحافظة على مركزية الكتاب المقدس، مع الالتزام بالعدالة الاجتماعية ومساعدة الفقراء وقبول المهاجرين والمثليين. ويصف منهجه أيضا بـ”الوسط الراديكالي”، سعيا إلى الجمع بين المسيحيين المحافظين والليبراليين.
سياسيا، يقدم هاميلتون نفسه باعتباره “ديمقراطيا مستقلا في تفكيره”، ويتبنى خطابا يركز على تجاوز الاستقطاب الحزبي والتعاون بين الجمهوريين والديمقراطيين.

جمهوريون يدعمون المرشح الديمقراطي
ونجح خطاب هاميلتون المسيحي التقدمي في اجتذاب دعم شخصيات جمهورية بارزة، بينها حاكمان سابقان للولاية، هما بيل غريفز، الذي تولى المنصب بين عامي 1995 و2003، ومايك هايدن، الذي حكمها بين عامي 1987 و1991.
وانتقد هايدن تأييد مارشال للرسوم الجمركية التي فرضها ترمب والحرب على إيران، معتبرا أن السياسات الحالية تضر بالمزارعين واقتصاد الولاية. كما أعلنت مجموعة تضم أكثر من 100 جمهوري في كانساس تأييد هاميلتون.
في المقابل، يحظى مارشال، وهو طبيب سابق متخصص في النساء والتوليد، بدعم الجناح المحافظ في الحزب الجمهوري، ومنه الحاكم السابق سام براونباك. ويقدم نفسه باعتباره مدافعا عن التخفيضات الضريبية وتشديد أمن الحدود والسياسات الاقتصادية والخارجية للرئيس ترمب.
ويحاول مارشال تصوير منافسه بوصفه ديمقراطيا ليبراليا يخفي مواقفه الحقيقية خلف خطاب الاعتدال، محذرا من أن فوز هاميلتون قد يمنح الديمقراطيين السيطرة على مجلس الشيوخ ويعرقل برنامج ترمب.
94 عاما من الهيمنة الجمهورية
تعود آخر مرة فاز فيها ديمقراطي بمقعد كانساس في مجلس الشيوخ إلى عام 1932، عندما أعيد انتخاب جورج ماكغيل، الذي كان قد وصل إلى المجلس أول مرة في انتخابات خاصة عام 1930. وخسر ماكغيل مقعده عام 1938 أمام الجمهوري كلايد ريد، ومنذ انتهاء ولايته في 1939 لم يمثل كانساس أي سيناتور ديمقراطي.
كما أن المقعد الذي يتنافس عليه هاميلتون ومارشال تحديدا ظل في أيدي الجمهوريين منذ عام 1919، أي منذ أكثر من قرن، بينما لم يقترب أي مرشح ديمقراطي من الفوز بأحد مقعدي الولاية في مجلس الشيوخ بفارق أقل من 10 نقاط مئوية منذ عام 1974.
لكن الهيمنة الجمهورية على انتخابات مجلس الشيوخ لا تعني أن كانساس تصوت للجمهوريين في جميع الاستحقاقات. فقد انتخبت الولايةُ الديمقراطيةَ لورا كيلي حاكمة لها عام 2018، وأعادت انتخابها عام 2022، رغم تصويتها لترمب في الانتخابات الرئاسية.
وفي أغسطس/آب 2022، رفض 59% من ناخبي الولاية تعديلا دستوريا كان من شأنه إزالة الحماية الدستورية المحلية للحق في الإجهاض، في نتيجة أظهرت استعداد قطاعات واسعة من الناخبين المحافظين والمستقلين لمخالفة مواقف القيادة الجمهورية في قضايا محددة.
غير أن الاختبار مختلف في انتخابات مجلس الشيوخ، إذ يشكل الجمهوريون أكثر من 44% من الناخبين المسجلين، مقابل أقل من 26% للديمقراطيين. وفي انتخابات 2020، فاز مارشال بمقعده بفارق تجاوز 11 نقطة مئوية أمام الديمقراطية باربرا بولييه.

الاقتصاد وحرب إيران في قلب المنافسة
تفسر التطورات الاقتصادية جانبا مهما من تحول كانساس إلى ساحة انتخابية متقاربة. فالولاية من أبرز المناطق الزراعية الأمريكية، ويعتمد جزء مهم من اقتصادها على إنتاج القمح وتربية الماشية والصناعات الغذائية.
وقد ارتفعت أسعار الديزل المستخدم في المعدات الزراعية بنحو 70% منذ اندلاع الحرب على إيران، ما أضاف أعباء كبيرة على المزارعين خلال موسم الزراعة والحصاد.
وتظهر الاختلافات بين المرشحين بوضوح في هذا الملف، حيث يؤيد مارشال الحرب الأمريكية على إيران باعتبارها ضرورة للأمن القومي ومنع طهران من امتلاك سلاح نووي، بينما يدعو هاميلتون إلى إنهائها، محملا إياها جانبا من المسؤولية عن ارتفاع أسعار الطاقة.
ويمتد الخلاف إلى السياسة تجاه إسرائيل، إذ يدعم مارشال المساعدات العسكرية الأمريكية لها، بينما يقول هاميلتون إنه سيؤيد وقف بعض شحنات الأسلحة، وليس جميعها، منتقدا الدمار الذي ألحقته إسرائيل بقطاع غزة، مع تأكيده ضرورة ضمان أمن إسرائيل.
وفي ملف الرعاية الصحية، يدافع مارشال عن إجراءات إصلاح برنامج “ميديكيد” وفرض شروط عمل على بعض المستفيدين، فيما يريد هاميلتون إلغاء التخفيضات التي أقرها الجمهوريون على الإنفاق الصحي. وتكتسب القضية حساسية خاصة في كانساس، التي تضم عددا كبيرا من المستشفيات الريفية المهددة بالإغلاق.
أغلى انتخابات في تاريخ كانساس
وتكشف الأموال التي تدفقت على السباق حجم الاهتمام الوطني بنتيجته. فبحسب بيانات شركة (AdImpact) المتخصصة في تتبع الإعلانات، تجاوز الإنفاق الإعلاني في المنافسة 84.5 مليون دولار، محطما الرقم القياسي السابق للولاية البالغ 49.1 مليون دولار، والمسجل في انتخابات مجلس الشيوخ عام 2020.
وتُظهر سجلات التمويل الانتخابي الفدرالية جمع حملة هاميلتون نحو 19.2 مليون دولار، مقابل نحو 7.5 ملايين دولار لحملة مارشال، دون احتساب الإنفاق المستقل للجماعات السياسية الداعمة لكل منهما ضمن إيرادات الحملتين.
ودفع تقارب السباق الجمهوريين إلى تحويل ملايين الدولارات من سباقات أخرى، بينها ولاية نورث كارولينا التي يقترب الجمهوريون من خسارة مقعد مجلس الشيوخ فيها، لتمويل الإعلانات الداعمة لمارشال.
وتدخل ترمب شخصيا بعقد تجمع انتخابي في كانساس، بينما زار نائبه جيه دي فانس الولاية مرتين خلال الأسابيع الأخيرة. وفي تصريح لوسائل الإعلام المحلية خلال تجمعه الأول، أقر مارشال بأهمية تعبئة قاعدة ترمب، قائلا إن حملته لن تتمكن من الفوز دون خروج ناخبي الرئيس للتصويت.
هل تصمد القاعدة التاريخية؟
رغم تقارب استطلاعات الرأي، لا تزال التجارب الانتخابية السابقة حاضرة في حسابات الحزبين. ففي عامي 2014 و2020، شهدت كانساس سباقات لمجلس الشيوخ بدت متقاربة خلال الحملة، قبل أن تنتهي بفوز الجمهوريين بفوارق واضحة.
ويتركز التأييد الديمقراطي عادة في المناطق الحضرية والضواحي، خصوصا حول كانساس سيتي وتوبيكا وويتشيتا، فيما يحتفظ الجمهوريون بقاعدة واسعة في المقاطعات الريفية. لذلك يكتسب موقف المستقلين والجمهوريين المعتدلين، إلى جانب معدلات المشاركة في التصويت، أهمية خاصة في هذه الانتخابات.
وأظهر استطلاع “إيمرسون” تقدم هاميلتون بين الناخبين المستقلين بنسبة 42% مقابل 27% لمارشال، بينما حصل مرشح الحزب الليبرتاري ديفيد غراهام على 4% من إجمالي المشاركين في الاستطلاع.
ولا تقتصر أهمية المنافسة على كانساس؛ فالديمقراطيون يحتاجون إلى تحقيق مكاسب صافية بـ4 مقاعد للسيطرة على مجلس الشيوخ.



