أبعد من نتنياهو.. ما الذي يتغير في علاقة أمريكا بإسرائيل؟ | سياسة

تتسع النظرة السلبية إلى إسرائيل داخل المجتمع الأمريكي، لكن المسافة بين تراجع صورتها وتغيير التحالف معها لا تزال قائمة. ففي استطلاع لمركز بيو للأبحاث، ارتفعت نسبة البالغين الأمريكيين الذين ينظرون إليها بسلبية إلى 60%، بينما يرى أستاذ النزاعات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا إبراهيم فريحات أن العلاقة على مستوى المؤسسات ما زالت قوية وراسخة.
ويصف فريحات -في حديث للجزيرة ضمن فقرة “في سياق الحدث”- ما يجري بأنه تحوُّل نوعي، مع التحفظ على اعتباره جذريا. وبين المستويين يتحدد سؤال العلاقة: كيف يتسع الاعتراض الشعبي على إسرائيل من دون أن يعني ذلك تفكيك التعاون الإستراتيجي معها؟
تحوُّل القواعد
أجرى مركز بيو استطلاعه -بين 23 و29 مارس/آذار 2026- على عينة من 3507 بالغين أمريكيين. وأظهرت نتائجه ارتفاع النظرة السلبية إلى إسرائيل من 53% في عام 2025 إلى 60%، أي بزيادة 7 نقاط مئوية. وهذه بيانات سبقت انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني، وليست قياسا لردود الفعل على نتائجها.
ويمتد التغير إلى داخل القاعدة الجمهورية لكنه لا يتوزع بالتساوي بين أعمارها. فقد ارتفعت النظرة السلبية بين الجمهوريين والمستقلين المائلين للحزب في سن 18 إلى 49 عاما من 50% إلى 57%. وفي المقابل، ظلت النظرة الإيجابية هي الغالبة بين الجمهوريين والمائلين للحزب إجمالا بنسبة 58%، بينما بلغت النظرة السلبية بين الديمقراطيين والمائلين إليهم 80%.
هذه الفروق تمنع اختزال المشهد في انقلاب أمريكي موحد على إسرائيل. فالتحول الذي يرصده الاستطلاع يختلف حجمه باختلاف الحزب والعمر، ويقيس النظرة إلى إسرائيل، لا التأييد لقطع المساعدات عنها أو إنهاء التحالف معها.

حدود التحول
يضع فريحات هذا التمييز في صلب قراءته، قائلا إن التغير “لم يصل إلى مستوى الجذرية في هذه المرحلة”، بما في ذلك مستوى العلاقة الإستراتيجية بين الدولتين. فهو لا ينكر التحول، لكنه يفصل بين اتساعه في المجتمع وبين مقدار ما أصاب بنية العلاقة الرسمية.
وحين سُئل عن طبيعة التحالف، رفض وصفه بالأبدي لأن كل شيء في السياسة قابل للتغير، لكنه تمسك بتوصيفه بالإستراتيجي. وقال عن العلاقة المؤسسية إنها “ما زالت قوية وما زالت راسخة”، مميزا بين الموقف من إسرائيل والموقف من حكومتها.
وفي تقديره، يمتد التغير داخل الحزبين إلى ما هو أبعد من القيادات السياسية، ليشمل بنية الحزب والرأي العام الأمريكي. وهذا ما يجعل تغيير القيادة الإسرائيلية غير كافٍ وحده لاستعادة العلاقة السابقة.
قنوات الدعم
ويوضح النقاش بشأن التمويل جانبا آخر من المسافة بين تغير المواقف وتغير العلاقة. فتقرير لخدمة أبحاث الكونغرس -صدر في 4 يونيو/حزيران 2026- يناقش احتمال إنهاء منح التمويل العسكري الخارجي لإسرائيل تدريجيا واستبداله ببرامج تعاون دفاعي مشترك، لا انقطاع التعاون العسكري كله.
ويذكر التقرير أن مذكرة التفاهم الموقعة عام 2016 تضمنت تعهدا بتقديم 38 مليار دولار خلال السنوات المالية 2019–2028، منها 33 مليارا لمنح التمويل العسكري و5 مليارات للدفاع الصاروخي. كما أقر الكونغرس 202 مليون دولار لبرامج تعاون دفاعي خارج المذكرة في السنة المالية 2026.
وبحسب التقرير، فقد يؤدي إنهاء المنح تدريجيا إلى انتقال مسؤوليات الرقابة والاعتمادات من لجان الشؤون الخارجية إلى لجان تركز على الدفاع. ويعني ذلك أن تغيير قناة التمويل قد يعيد توزيع أدوات المتابعة داخل الكونغرس، دون أن يساوي بالضرورة إنهاء الدعم. لكنه مسار محتمل يناقشه التقرير، ولا يوجد ترتيب منفذ يثبته.
ولا يعرض التقرير التعاون البديل باعتباره محل إجماع؛ إذ يشير أيضا إلى مشرعين يعارضون تعزيزه بسبب ما ينسبونه إلى إسرائيل من انتهاكات للقانون الدولي وحقوق الفلسطينيين. ولذلك يظل مستقبل الدعم موضع خلاف، حتى عند البحث في صيغه البديلة.
حدود الترميم
وعند سؤال فريحات عن قدرة زعيم المعارضة الإسرائيلية غادي آيزنكوت -في حال شكّل الحكومة- على إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل حكومة بنيامين نتنياهو، أجاب بأن ذلك لن يحدث، مستندا إلى أن التغير ليس محصورا في القيادة السياسية.
وقال إن التحول يقع “على مستوى بنية الحزب، وعلى مستوى الرأي العام الأمريكي”. وفي تقديره، لا تكفي ولاية قيادة إسرائيلية بديلة لعكس هذا المسار، لكنه لم يستبعد تحسنا في العلاقة.
واختصر فريحات حدود هذا الاحتمال بقوله: “هل يستطيع ترميم جزء؟ نعم يستطيع ترميم جزء”. فالترميم الجزئي ممكن في قراءته، أما استعادة العلاقة السابقة فتصطدم بتحول يراه أعمق من تغيير نتنياهو وحده.



