الأخبار

التين الشوكي الجزائري.. مركبات واعدة تفاجئ العلماء | علوم


ينجح التين الشوكي في البقاء والنمو بالبيئات شديدة الجفاف والحرارة، لكن بالإضافة لهذه القدرة الاستثنائية على تحمل الظروف القاسية، اهتمت كثير من الأبحاث بما يحتويه من مركبات كيميائية قد يكون لها تطبيقات طبية.

ومؤخرا، نجح فريق بحثي من قسم العلوم الزراعية بكلية علوم الطبيعة والحياة بجامعة الوادي الجزائرية، في الكشف عن أسرار جديدة في هذا النبات، أظهرت امتلاك مستخلصه المائي نشاطا مضادا للأكسدة وقدرة متوسطة على الحد من تمسخ البروتينات (فقدانها وظيفتها الحيوية، بسبب تغير بنيتها الطبيعية ثلاثية الأبعاد، بفعل الحرارة أو تغير الحموضة أو عوامل كيميائية)، فيما كشفت المحاكاة الحاسوبية عن تفاعلات محتملة لبعض مركباته مع بروتينات مرتبطة بالأكسدة والالتهاب.

قصص مقترحة

قائمة من 2 العناصرنهاية القائمة

وبدأت الدراسة المنشورة بدورية “كيميكال بيبرز”، بجمع عينات من  مناطق صحراوية بولاية “بجاية” شمال الجزائر، وتم التركيز على الأجزاء الهوائية للنبات خلال مرحلة الإزهار ( جميع أجزاء النبات التي تنمو فوق سطح التربة)، وبعد غسل هذه العينات وتجفيفها في الظل، تم طحنها وتحويلها إلى مسحوق ناعم، ثم أخذوا 50 غراما من المسحوق وخلطوها بنصف لتر من الماء منزوع الأيونات، وهو ماء أُزيلت منه معظم الأيونات الذائبة، أي الجسيمات المشحونة كهربائيا الناتجة عن أملاح ومعادن مثل الكالسيوم والمغنيسيوم والصوديوم والكلوريد، ويُحضر عادة بتمرير الماء عبر مواد خاصة تزيل هذه الأيونات، ويُستخدم في المختبرات لتقليل تأثير الأملاح والمعادن الموجودة في الماء العادي على نتائج التجارب.

وخضع هذا الخليط بعد ذلك للتسخين عند 70 درجة مئوية لمدة ساعة مع التحريك المستمر، ثم تركوه لمدة 48 ساعة في درجة حرارة الغرفة، داخل الظلام، مع تحريكه على فترات.

كان الهدف من هذه الخطوات مساعدة الماء على اختراق الأنسجة النباتية واستخلاص المركبات القابلة للذوبان فيه، ثم إتاحة مزيد من الوقت لانتقال هذه المركبات إلى السائل.

وبعد ذلك، رشح الباحثون الخليط للتخلص من البقايا النباتية، وركزوا المستخلص باستخدام المبخر الدوار، وهو جهاز مختبري يُستخدم لإزالة السوائل من المستخلصات الكيميائية، بهدف تركيزها أو فصل المذيب عنها، من خلال التبخير تحت ضغط منخفض، ثم تم حفظه في عبوات داكنة عند أربع درجات مئوية إلى حين إجراء التحاليل.

وكانت النتيجة الأولية، أن مردود الاستخلاص بلغ نحو 10.82% من وزن المادة النباتية الجافة، أي إن كل 100 غرام من المادة النباتية الجافة أعطت نحو 10.82 غرام من المستخلص الجاف.

بفضل خصائصه الفريدة قد يصبح التين الشوكي أحد أهم محاصيل المستقبل
بفضل خصائصه الفريدة قد يصبح التين الشوكي أحد أهم محاصيل المستقبل (الجزيرة)

رسم البصمة الكيميائية

كان الحصول على هذا المستخلص، بداية لرحلة طويلة هدفها معرفة المركبات الموجودة به، والوظائف التي يمكن أن يؤديها.

واستهل الباحثون هذه المحطة من الرحلة برسم ملامح بصمته الكيميائية، وبدأوا بقياس المحتوى الكلي من “البوليفينولات” و “الفلافونويدات” باستخدام اختبارات لونية تعتمد على تفاعل المواد المستهدفة مع كواشف كيميائية، ثم قياس امتصاص الضوء بواسطة جهاز مخصص.

وأظهرت النتائج أن المستخلص يحتوي على 94.36 ميكروغراما من مكافئات حمض “الغاليك” لكل ملليغرام من المستخلص، وفق اختبار البوليفينولات الكلية، كما يحتوي على 38.12 ميكروغراما من مكافئات “الكيرسيتين ” لكل ملليغرام من المستخلص، وفق اختبار الفلافونويدات الكلية.

ولا تكشف هذه الاختبارات الإجمالية هوية كل مركب على حدة، لذلك انتقل الباحثون إلى تقنية أكثر تفصيلا، هي “الكروماتوغرافيا السائلة المقترنة بمطياف الكتلة الترادفي “، وتعتمد التقنية على فصل مكونات المستخلص أثناء مرورها عبر عمود كروماتوغرافي، ثم تحليل الأيونات الناتجة عنها وفق خصائصها الكتلية وأنماط تفتتها، بما يساعد على التعرف على المركبات الموجودة.

وكشفت النتائج عن مزيج متنوع من الأحماض الفينولية والفلافونويدات ومركبات أخرى، وكان من بين المركبات التي سجلت إشارات وفيرة في التحليل حمض “الفيروليك ” وحمض “الساليسيليك ” وحمض “السينابيك”، إلى جانب “الكاتيشين” و “لإبيكاتيشين” و “الكيرسيتين” و “الروتين”.

اختبارات القدرة المضادة للأكسدة

أصبح بالإمكان بعد رسم هذه البصمة الكيميائية، الانتقال إلى نقطة أخرى، وهي معرفة ما إذا كان المستخلص يمتلك نشاطا مضادا للأكسدة يمكن قياسه تجريبيا.

واستخدم الباحثون في هذه المحطة من الرحلة البحثية أربعة اختبارات كيميائية لتقييم النشاط المضاد للأكسدة في مستخلص التين الشوكي، وأظهرت النتائج نشاطا وُصف بأنه متوسط مقارنة بالمواد المرجعية المستخدمة في الدراسة.

وفي اختباري “دي بي بي إتش”  (DPPH) و “إيه بي تي إس” (ABTS)، بلغت قيمة التركيز اللازم لتحقيق تثبيط بنسبة 50% نحو 142.3 و78.6 ميكروغراما لكل ملليلتر، على التوالي. أما في الاختبارين الآخرين، وهما القدرة المضادة للأكسدة بالاختزال باستخدام أيونات النحاس الثنائية (CUPRAC)، والقدرة الاختزالية باستخدام الفيريسيانيد، فبلغ التركيز اللازم للوصول إلى امتصاص ضوئي قدره 0.500 نحو 73.9 و88.4 ميكروغراما لكل ملليلتر، على التوالي.

وبعد ذلك، اختبر الباحثون قدرة المستخلص على الحد من تمسخ البروتينات، باستخدام ألبومين مصل الأبقار، الذي عرضوه للحرارة في وجود تراكيز مختلفة من المستخلص.

وأظهرت النتائج تأثيرا يعتمد على التركيز، إذ كان التركيز اللازم لتحقيق تثبيط بنسبة 50% هو حوالي 412.6 ميكروغراما لكل ملليلتر، مقابل 74.8 ميكروغراما لكل ملليلتر لدواء “الديكلوفيناك ” المستخدم للمقارنة.

ثم انتقل الباحثون من اختبار المستخلص الكامل إلى دراسة عشرة من مركباته الفينولية، من بينها حمض “الفيروليك ” وحمض “الكافئيك “، و “الكاتيشين ” و “الإبيكاتيشين ” و “الكيرسيتين”.

واستخدم الباحثون أدوات محاكاة حسابية للتنبؤ بالخصائص الدوائية المحتملة لهذه المركبات ومستويات سميتها المتوقعة، بما يشمل امتصاصها وتوزيعها وأيضها وإخراجها.

وبعد ذلك، استعانوا بمحاكاة الإرساء الجزيئي، وهي تقنية حاسوبية تُستخدم للتنبؤ بكيفية تموضع جزيء كيميائي صغير داخل موقع ارتباط في بروتين، وتقدير ملاءمة هذا الارتباط حسابيا. واختبروا بهذه الطريقة تفاعلات المركبات مع خمسة بروتينات مرتبطة بالتوازن التأكسدي والالتهاب، وهي  “الكاتالاز” و “فوق أكسيد الديسميوتاز” و “الغلوتاثيون ريدكتاز”، وإنزيمي “السيكلوأوكسيجيناز-1” و “السيكلوأوكسيجيناز-2”.

وبرز مركب “الكاتيشين ” في نتائج الإرساء الجزيئي، إذ سجل درجة ارتباط حاسوبية بلغت نحو ” −8.1 كيلو كالوري لكل مول “. وتشير هذه الدرجة إلى ملاءمة ارتباط متوقعة وفق النموذج الحسابي المستخدم.

الدراسة اعتمدت على عينات من مناطق صحراوية
الدراسة اعتمدت على عينات من  مناطق صحراوية (الجزيرة)

خطوة أولى نحو هدف بعيد

وبدورها تثني الدكتورة رانيا حتحوت، أستاذة ورئيسة قسم الصيدلانيات والصيدلة الصناعية بكلية الصيدلة جامعة عين شمس (لم تشارك في الدراسة) على الجهد المبذول في الدراسة، لكنها تحذر من القفز على النتائج.

وتقول للجزيرة نت، إن أبرز نتائج الدراسة هي إثبات أن المستخلص المائي للأجزاء الهوائية من التين الشوكي يحتوي على مزيج متنوع من المركبات الفينولية، من بينها أحماض فينولية وفلافونويدات، كما أثبتوا أن المستخلص يمتلك نشاطا مضادا للأكسدة بدرجة متوسطة في أربعة اختبارات كيميائية، إلى جانب تأثير يعتمد على التركيز في الحد من التمسخ الحراري لبروتين ألبومين مصل الأبقار، كما رشحت المحاكاة الحاسوبية مركب “الكاتيشين” لدراسات أعمق.

وتشدد على أن “الدراسة هي خطوة أولى نحو هدف بعيد، إذ لم تثبت أن المستخلص يعالج الالتهاب، أو يحمي خلايا الإنسان من الضرر التأكسدي، أو أن “الكاتيشين” هو المسؤول عن النشاط الذي قيس في المستخلص الكامل”.

وتوضح أن التجارب البيولوجية أُجريت على خليط من المركبات، ولم تُختبر مساهمة كل مركب على حدة، لذلك يجب أن تكون الخطوة التالية هي فصل المستخلص إلى أجزاء، وعزل المركبات الرئيسية، وقياس تراكيزها بدقة، ثم اختبارها مباشرة على الإنزيمات والخلايا ذات الصلة، ثم تجهيزها في صورة مركبات دوائية، والانتقال بعد ذلك لدراسات على حيوانات التجارب، وأخيرا التجارب البشرية”.



Source link

Ahmed Hemdan

كاتب وصحفي إخباري شغوف بالرصد الميداني والرقمي، متخصص في اقتناص الخبر لحظة وقوعه وصياغته بمهنية وموضوعية عالية. يمتلك حسّاً صحفياً فريداً لتمييز الأخبار العاجلة والمهمة ومتابعة تفاصيلها أولاً بأول من مصادرها الموثوقة. يسعى دائماً ليكون الحلقة الأسرع والأكثر دقة في نقل المعلومة للقارئ، مع الالتزام بقواعد النشر الرقمي وسرعة الأرشفة لتغطية كافة الأحداث والتوجهات الجديدة فور ظهورها، ليبقى متابعو الموقع في قلب الحدث على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى