الأخبار

حين تصبح بقعة صغيرة من السماء كونا لا ينتهي | علوم


نشر مرصد “فيرا روبين”، الذي يقع في قمة “إل بينون” بجبل سيرو باتشون بدولة تشيلي، على ارتفاع 2682 مترا، صورة لحقل نجمي أطلق عليه اسم “محيط النجوم” (Rubin’s Ocean of Stars)، بلغت دقتها  1.7 مليار بكسل.

والصورة التي نشرها المرصد تضم آلاف النقاط الضوئية التي تتزاحم أمام عينيك، وما إن تكبر جزءا صغيرا منها حتى تظهر نقاط أخرى لم تكن تراها، وكأنك تقف أمام محيط من النجوم لا ساحل له.

فهي ليست صورة تخيلية، بل مشهد حقيقي نشره المرصد وتظهر فيه نجوم زرقاء وبيضاء وبرتقالية، متفاوتة السطوع، تتخللها غيوم رمادية وبنية خافتة. وهذه الغيوم ليست سحبا في غلاف الأرض الجوي، بل تجمعات رقيقة من الغاز والغبار المنتشر بين نجوم مجرتنا درب التبانة.

مصدر الصورة: NSF-DOE Vera C. Rubin Observatory/NOIRLab/SLAC/AURA

الصورة الأصلية لمحيط النجوم، وبالضغط عليها يمكن رؤية تفاصيلها الدقيقة وسبر أعماقها المهولة (نويرلاب)

والمذهل أن الصورة تضم ملايين النجوم، بحسب وصف التغطية العلمية، إلى جانب مجرات بعيدة تظهر في الخلفية. ومع ذلك، لم يصدر المرصد بعد إحصاء دقيقا بعدد النجوم والمجرات داخلها.

إنها نافذة صغيرة على عالم لا تدركه أبصارنا، ودعوة إلى التفكر في عظمة خلق الله؛ فكيف إذا كان هذا بعض ما تخفيه بقعة واحدة من السماء؟

أين تقع هذه البقعة؟ وما حجمها من السماء؟

يقع حقل “محيط النجوم” الذي تم تصويره بين كوكبتي قنطورس والسبع في السماء الجنوبية، قرب برج العقرب. ويظهر في منطقة غنية بنجوم درب التبانة، ولذلك يبدو مختلفا عن المناطق البعيدة عن المستوى الرئيسي للمجرة.

يبلغ مجال رؤية كاميرا روبين نحو 10 درجات مربعة، في حين تبلغ مساحة السماء الكاملة نحو 41 ألف درجة مربعة. وهذا يعني أن المجال الواحد للكاميرا يعادل نحو واحد من أربعة آلاف جزء من السماء، مع التنبيه إلى أن مساحة الصورة المركبة المنشورة قد تختلف عن مجال التعريض الواحد.

تُظهر هذه الخريطة موقع صورة
خريطة توضح موقع حقل “محيط النجوم” في كوكبة السبع، ضمن منطقة السماء الجنوبية قرب قنطورس (نويرلاب)

ولفهم هذا الاتساع، تخيل أن السماء قبة هائلة مقسمة إلى آلاف النوافذ. ما نراه في صورة روبين يمثل نافذة واحدة تقريبا من حيث مقياس مجال الكاميرا، بينما تبقى آلاف النوافذ الأخرى تنتظر الدراسة.

لكن النجوم لا تتوزع بالتساوي؛ فالنظر نحو مستوى درب التبانة يكشف نجوما أكثر، بينما يكشف النظر بعيدا عنه مجرات خلفية أكثر وضوحا.

هابل عام 1995.. عندما امتلأ الفراغ بالمجرات

قبل ثلاثة عقود، قرر علماء الفلك إجراء تجربة بدت غريبة، فتم توجيه تلسكوب هابل نحو بقعة صغيرة جدا في كوكبة الدب الأكبر، اختيرت لأنها تبدو شبه خالية من النجوم والمجرات اللامعة.

وخلال عشرة أيام من ديسمبر/كانون الأول 1995، جمع التلسكوب 342 تعريضا، تجاوز مجموع أزمنتها 100 ساعة.

تظهر في هذا عدة مئات من المجرات التي لم يسبق لها مثيل "أعمق من أي وقت مضى" منظر للكون، يسمى حقل هابل العميق (HDF)، تم التقاطه بواسطة تلسكوب هابل الفضائي التابع لناسا. إلى جانب المجرات الكلاسيكية الحلزونية والإهليلجية، هناك مجموعة مذهلة من أشكال وألوان المجرات الأخرى التي تعتبر أدلة مهمة لفهم تطور الكون. ربما تكون بعض المجرات قد تشكلت بعد أقل من مليار سنة من الانفجار الكبير. تمثل ضيقة "ثقب المفتاح" على طول الطريق حتى الأفق المرئي للكون، تغطي صورة HDF بقعة من السماء يبلغ قطرها 1/30 من قطر البدر (يظهر هنا حوالي 25% من HDF بأكمله). هذا ضيق للغاية، حيث لا يمكن رؤية سوى عدد قليل من النجوم الأمامية في مجرتنا درب التبانة، ويفوقها عدد كبير من المجرات البعيدة، وبعضها خافت بقدر 30 درجة، أو ما يقرب من أربعة مليارات مرة أكثر خفوتًا من حدود الرؤية البشرية. (قد يكون الجسم اللامع نسبيًا ذو النتوءات الانعراجية على يسار المركز نجمًا بقدر 20). على الرغم من أن المجال عبارة عن عينة صغيرة جدًا من مساحة السماء، إلا أنه يعتبر ممثلًا للتوزيع النموذجي للمجرات في الفضاء لأن الكون، إحصائيًا، يبدو متماثلًا في جميع الاتجاهات. تم تجميع الصورة من العديد من التعريضات المنفصلة (تم التقاط إجمالي 342 إطارًا، وتمت معالجة 276 إطارًا بالكامل حتى الآن واستخدامها في هذه الصورة) باستخدام الكاميرا الكوكبية واسعة المجال 2 (WFPC2)، لمدة عشرة أيام متتالية في الفترة ما بين 18 إلى 28 ديسمبر 1995. هذه الصورة مأخوذة من واحد من ثلاثة كاشفات CCD (جهاز مزدوج مشحون) واسعة المجال في WFPC2. هذا "اللون الحقيقي" تم تجميع المنظر من صور منفصلة تم التقاطها بالضوء الأزرق والأحمر والأشعة تحت الحمراء. ومن خلال دمج هذه الصور المنفصلة في صورة ملونة واحدة، سيتمكن علماء الفلك من استنتاج -على الأقل إحصائيًا- مسافة المجرات وعمرها وتكوينها في هذا المجال. تحتوي الأجسام الأكثر زرقة على نجوم شابة و/أو قريبة نسبيًا، بينما تحتوي الأجسام الأكثر احمرارًا على مجموعات نجمية أقدم و/أو أبعد. تم تقديم هذه المادة إلى الاجتماع رقم 187 للجمعية الفلكية الأمريكية في سان أنطونيو، تكساس في 15 يناير 1996.
حقل هابل العميق عام 1995، وفيه نحو ثلاثة آلاف مجرة في بقعة من السماء لا يتجاوز قطرها جزءا من ثلاثين من قطر القمر (ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية)

وعندما دمج العلماء الصور، ظهرت مفاجأة تاريخية؛ نحو 3 آلاف مجرة، لكل منها نجومها وتاريخها، في مساحة تبدو شبه فارغة للراصد العادي.

كانت معظم البقع الضوئية في الصورة مجرات كاملة، لا نجوما منفردة. ولم تكن المنطقة خالية حقا، بل كانت الأجرام البعيدة أخفت من أن تكشفها الأرصاد السابقة.

أثبتت التجربة أن النظر عميقا في السماء يشبه فتح نافذة على الماضي، لأن الضوء القادم من المجرات البعيدة احتاج إلى مليارات السنين ليصل إلينا.

نصف مليون مجرة في صورة أخرى لروبين

إذا كان هابل قد كشف ثلاثة آلاف مجرة في بقعة ضئيلة من السماء، فقد أظهر روبين في يوليو/تموز 2026 ما يمكن أن يحققه الجمع بين الحساسية العالية واتساع مجال الرؤية.

ففي صورة لحقل “كوزموس”، المختلف عن حقل “محيط النجوم”، أعلن المرصد رصد أكثر من نصف مليون مجرة وأكثر من 50 ألف نجم.

تُظهر هذه الصورة التي تبلغ دقتها 1.7 غيغابيكسل لحقل النجوم في كوكبة الذئبة منظرًا غير مسبوق للكون يقدمه لنا مرصد NSF-DOE Vera C. Rubin. مزودًا بكاميرا LSST - أكبر كاميرا رقمية في العالم - يجمع Rubin بين الرؤية الواسعة للسماء والقدرة على اكتشاف الأجسام الباهتة للغاية. باستخدام هذه الإمكانية، يمكن لروبن الكشف عن تفاصيل الكون عبر مجموعة هائلة من المقاييس، بدءًا من المجرات البعيدة، إلى النجوم الفردية، وحتى سحب الغبار الضعيفة المنتشرة في جميع أنحاء مجرتنا. إن السحب الخافتة المتوهجة المنتشرة عبر هذه الصورة هي سمحاقية مجرية: سحب من الغاز والغبار بين النجوم يمكن رؤيتها في مقدمة درب التبانة. إن قدرة روبن على التقاط مثل هذه المشاهد بتفاصيل لا مثيل لها ستفتح نوافذ جديدة على بنية مجرتنا والكون خارجها. مصدر الصورة: NSF-DOE Vera C. Rubin Observatory/NOIRLab/SLAC/AURA
تكبيرات من صورة “محيط النجوم” تكشف مجرات بعيدة وتجمعات نجمية وتفاصيل غبارية دقيقة وسط الحقل المزدحم بالنجوم (مرصد فيرا روبين)

وتكمن أهمية المقارنة في أن هابل تعمق كثيرا في بقعة ضيقة، بينما يستطيع روبين تصوير مساحات أوسع وتكرار مشاهدتها. ولا تعني زيادة عدد المجرات في صورة روبين أنه يتفوق على هابل في كل جوانب الرصد؛ فلكل تلسكوب غرضه وقدراته.

إنها خطوتان في رحلة واحدة، فهابل كشف ما تخفيه بقعة بدت فارغة، وروبين يوسع قدرتنا على دراسة السماء ومتابعة تغيراتها.

كم مجرة في الكون كله؟ وكم نجما وراء هذا المشهد؟

إذا كشف هابل آلاف المجرات في مساحة صغيرة، فكم مجرة قد نجد لو استطعنا تصوير السماء كلها بالعمق نفسه؟

تشير تقديرات علمية إلى أن الكون المرصود قد يضم مئات المليارات من المجرات، وربما نحو تريليوني مجرة وفق تقديرات تشمل أعدادا كبيرة من المجرات الخافتة التي لم ترصد مباشرة.

أما درب التبانة وحدها، فتضم على الأرجح مئات المليارات من النجوم. ولو افترضنا، لغرض توضيح الحجم فقط، وجود 100 مليار نجم في كل مجرة من تريليوني مجرة، لحصلنا على رقم يبلغ 200 ألف مليار مليار نجم (رقم 2 وأمامه 22 صفرا). لكن هذا ليس إحصاء علميا لنجوم الكون، لأن المجرات تختلف كثيرا في أحجامها وأعداد نجومها.

تكشف هذه الصورة العميقة بشكل استثنائي من مرصد NSF-DOE Vera C. Rubin عن حقل COSMOS الشهير والمناطق المحيطة به في كوكبة Sextans. المشهد مزدحم بالمجرات وعناقيد المجرات التي تمتد على نطاق هائل من المسافات والعصور الكونية، في حين أن حفنة فقط من النجوم الأمامية تنتمي إلى مجرتنا درب التبانة. تم إنشاؤه من خلال الجمع بين الملاحظات المتعددة من كاميرا LSST الخاصة بـ Rubin في صورة مغلفة بعمق، ويتم إصداره للاحتفال بـ Early Data Preview 2، وهي أول معاينة لبيانات Rubin استنادًا إلى ملاحظات كاميرا LSST. تم اختيار حقل COSMOS منذ أكثر من عقدين من الزمن لتزويد علماء الفلك بنافذة خالية من العوائق نسبيًا على الكون البعيد. تقع بعيدًا عن المستوى المزدحم لمجرة درب التبانة، وتحتوي على عدد قليل نسبيًا من النجوم الساطعة وقليل من الغبار المتداخل، ويمكن الوصول إليها من المراصد الرئيسية على الأرض وفي الفضاء. حتى في هذه المنطقة الواضحة بشكل استثنائي، تكشف حساسية روبين الرائعة عن آثار من سمحاق مجري خافت ومتوهج: خصلات من الغبار بين النجوم داخل مجرتنا درب التبانة متراكبة على المشهد الكوني الأبعد بكثير. تأتي معاينة البيانات المبكرة 2 في أعقاب بداية المسح القديم للمكان والزمان (LSST). بفضل قدرته على مراقبة السماء الجنوبية بعمق وعلى نطاق واسع وبشكل متكرر، يستعد مرصد روبن لإحداث تحول في العديد من مجالات علم الفلك.
صورة عميقة لحقل “كوزموس” في كوكبة السدس، تكشف مجرات بعيدة، ونجوما وغيوما غبارية خافتة من درب التبانة (مرصد فيرا روبين/نويرلاب)

والأهم أن مسح السماء لا يكشف كل ما فيها؛ فهناك أجرام أضعف من حدود الرصد، ومناطق يحجبها الغبار، وأجزاء من الكون لا يستطيع ضوؤها الوصول إلينا.

ومع كل صورة جديدة، تتجدد دلالة قوله تعالى: “ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك” آل عمران: 191.

فالعلم يكشف لنا كيف تنتظم هذه العوالم وتتشكل، والتأمل في اتساعها ودقتها يفتح بابا أرحب لاستشعار عظمة الخالق وقدرته.



Source link

Ahmed Hemdan

كاتب وصحفي إخباري شغوف بالرصد الميداني والرقمي، متخصص في اقتناص الخبر لحظة وقوعه وصياغته بمهنية وموضوعية عالية. يمتلك حسّاً صحفياً فريداً لتمييز الأخبار العاجلة والمهمة ومتابعة تفاصيلها أولاً بأول من مصادرها الموثوقة. يسعى دائماً ليكون الحلقة الأسرع والأكثر دقة في نقل المعلومة للقارئ، مع الالتزام بقواعد النشر الرقمي وسرعة الأرشفة لتغطية كافة الأحداث والتوجهات الجديدة فور ظهورها، ليبقى متابعو الموقع في قلب الحدث على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى