خلاف الحدود البحرية يختبر التقارب المصري التركي.. ما السيناريوهات المقبلة؟ | سياسة

القاهرة- تفتح موافقة مجلس النواب الليبي المنعقد في شرق ليبيا، الأربعاء، على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، بابا جديدا للخلاف بشأن ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط، وسط رفض مصري قاطع للخطوة.
وبين الاعتبارات القانونية المرتبطة بالحدود البحرية والمصالح الاقتصادية وحقوق استكشاف الغاز، تتعدد الأسباب التي تستند إليها القاهرة في رفض القرار، في وقت تطرح فيه الخطوة تساؤلات بشأن انعكاساتها على العلاقات المصرية التركية ومستقبل التوازنات السياسية والأمنية في ليبيا وشرق المتوسط.
قصص مقترحة
قائمة من 2 العناصرنهاية القائمة
الموقف المصري
في هذا الإطار، يرى اللواء أركان حرب محمد الكشكي، رئيس مركز بدر للدراسات السياسية، أن مصادقة مجلس النواب الليبي المنعقد في شرق ليبيا على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا لعام 2019 تمثل “تحولا لافتا”، مؤكدا للجزيرة نت أن هذه الخطوة “تتجاوز بُعدها القانوني المجرد، لتكشف عن إعادة تشكيل موازين النفوذ والتحالفات في الشرق الليبي وشرق المتوسط”.
ويقول الكشكي، الذي ترأس اللجنة المصرية المعنية بملف ليبيا خلال الفترة بين عامي 2017 و2019، إن قرار المجلس يمثل غطاء سياسيا، ولا يمثل حسما قانونيا، موضحا أنه يمنح المذكرة الموقعة بين تركيا وحكومة غرب ليبيا عام 2019 وزنا سياسيا كبيرا داخل ليبيا، لكنه لا يحسم النزاع القانوني البحري مع مصر واليونان وقبرص، ولا يجعل المذكرة نافذة دوليا تلقائيا.
ويشير إلى أن القرار يعكس أيضا “الموقف المستجد لقوى الشرق الليبي نحو أنقرة، مما يفتح الباب أمام نفوذ تركي أشمل يستفيد من شبكة مصالح ممتدة من طرابلس إلى بنغازي”، كما يُعد مؤشرا على أن الحسابات الاقتصادية والأمنية باتت تتقدم على الخلافات الأيديولوجية والسياسية السابقة بين معسكر شرق ليبيا وأنقرة.
وجاء الرفض الرسمي المصري صريحا، وفق الكشكي؛ باعتبار أن القرار الليبي “باطل ولا يرتب أثرا”، نظرا إلى تداخله مع حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة لمصر.
ويرى الكشكي أن الموقف المصري الرسمي يأتي في إطار:
- حماية الحقوق السيادية، ومنع فرض واقع جديد بصورة أحادية.
- صون حقوق الاستكشاف ومشروعات الغاز في شرق المتوسط.
- منع انفراد أي طرف إقليمي برسم الخريطة الأمنية والاقتصادية لليبيا.
سيناريوهات
وفيما يتعلق بمستقبل العلاقة مع معسكر شرق ليبيا، قال الكشكي إن الموقف المصري يأتي في إطار محاولة للموازنة بين الاعتراض القانوني والحفاظ على روابط متينة مع الأطراف الليبية كافة.
ويرى الخبير العسكري وأستاذ العلوم السياسية أن التحرك المصري في أعقاب القرار ينحصر بين:
- احتواء دبلوماسي يفصل بين الملف البحري والعلاقات الثنائية.
- تصعيد قانوني ودبلوماسي يحشد فيه كل طرف حلفاءه.
- توسع أعمق للوجود التركي ليشمل ملفات أمنية واقتصادية في الشرق.
ويعتقد أن المقاربة المصرية الأكثر نجاعة هي “الجمع بين الحزم القانوني وحماية الحدود، والمرونة السياسية لاحتواء الداخل الليبي”.

لا مواجهة
من جانبه، اعتبر اللواء نصر سالم، رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق بالقوات المسلحة، أن القرار بمثابة “إعطاء من لا يملك لمن لا يستحق”، مضيفا أنه لا يمنح لأي طرف من الموقعين على الاتفاقية التي وصفها بـ “الباطلة”، الحق في الاقتراب من الحدود البحرية لمصر.
وأكد أن “الموقف القانوني والدولي يمنح القاهرة الحق الكامل في مواجهة أي تعامل يمسّ مصالحها الاقتصادية في تلك المنطقة، والرد بدءا من المسار الدبلوماسي وصولا إلى العسكري”، مشددا على أن هذا الاتفاق لا يفرض واقعا على مصر، وليس له آثار ملزمة بالنسبة إليها.
ولا يعتقد الخبير العسكري والمختص في شؤون الأمن الإقليمي أن القرار الأخير قد يتسبب في مواجهة أو صدام بين تركيا ومصر لأن العلاقات الدولية في الوقت الراهن لا تقوم على مبدأ “كل شيء أو لا شيء”، ورجّح أن تتوصل القاهرة إلى تفاهمات مع أنقرة، مرجعا رؤيته إلى ما يصفه بالنهج السياسي الذي تعتمد عليه السياسة التركية خلال حكم الرئيس رجب طيب أردوغان.
وتحدد الاتفاقية التي أجازها مجلس النواب الليبي مناطق الصلاحية البحرية في البحر الأبيض المتوسط بين ليبيا وتركيا، حيث رسمت خطا بحريا يربط بين السواحل الجنوبية التركية والشرقية الليبية، متجاوزة بذلك المساحات البحرية التقليدية التي تعترضها جزر يونانية.
كما تتيح للطرفين إقرار مناطق اقتصادية جديدة، الأمر الذي يمنح البلدين حقوقا سيادية في التنقيب والاستكشاف عن الطاقة والغاز الطبيعي والنفط في شرق المتوسط.
“سحابة صيف”
يقول الباحث في الأمن البحري ومدير “المركز الوطني للدراسات” الدكتور هاني الأعصر إن الرفض المصري “الصارم” للقرار يأتي بسبب تعارض الاتفاقية مع اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين مصر واليونان، موضحا للجزيرة نت أن الاتفاقية “تتقاطع مع مصالح مصر وسيادتها”، خاصة أن الرؤية المصرية الرسمية ترى أنها “تفتقر إلى أصل قانوني وتتعارض مع قانون البحار الدولي”.
وينخرط المركز الوطني للدراسات في آلية بحثية تتناول الملفات المشتركة بين مصر وتركيا بالتعاون مع مركز دراسات الشرق الأوسط التركي، وكانت أحدث جولاتها في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول الجاري.
ويشدد الأعصر على أن الخلاف المترتب على الاتفاقية، وكذلك قرار مجلس النواب الليبي الأخير، لا يعنيان انهيار التطور الكبير في العلاقات المصرية التركية.
ويصف التطور الأخير بأنه “سحابة صيف”، ويقول إنه يأتي في إطار الشد والجذب بين الجانبين، معتبرا أن التباين في المواقف بشأن بعض الملفات أمر طبيعي، خاصة أن العلاقات بين القاهرة وأنقرة في الوقت الراهن “أكبر بكثير من أي ملف خلافي، في ظل حرصهما على علاقاتهما المشتركة”.
ضد
في السياق نفسه، يشير الخبير في شؤون الأمن الإقليمي اللواء الدكتور أحمد الشحات، إلى سبب رئيسي آخر يقف وراء الرفض المصري القاطع للاتفاقية، قائلا للجزيرة نت إن “ترسيم الخط الفاصل بين الحدود المائية المصرية والتركية لم يكن بشكل سليم خلال الاتفاقية الموقعة بين أنقرة وليبيا، حيث تمت إمالة الخط الفاصل بالشكل الذي أدى إلى التداخل في المياه الاقتصادية المصرية”.
ويوضح الشحات أن “الترسيم الخاطئ من جانب تركيا وليبيا للخط الفاصل يأتي في منطقة تشير الدراسات والاحتمالات الجيولوجية إلى وجود كميات كبيرة من الغاز بها، في وقت تعتزم فيه القاهرة بدء أعمال الاستكشاف في تلك المنطقة”.
كما يشير إلى مخالفة أخرى تتمثل في أن ترسيم الحدود في مثل هذه الحالات لا بد أن تشارك فيه جميع الأطراف ذات الصلة، بحيث يكون هناك ترسيم ثلاثي تشارك فيه مصر وتركيا وليبيا، لأنه يمس الحدود البحرية والمياه الاقتصادية المصرية بشكل مباشر، و”هو ما لم يحدث”.
وشدد على أن الأزمة الأخيرة تمثل نقطة خلافية بين القاهرة وأنقرة لن ترتقي إلى حد هدم العلاقات، متوقعا إنهاء الخلافات عبر الحوار.
في غضون ذلك، أكد السفير معتز أحمدين، مندوب مصر السابق لدى مجلس الأمن والأمم المتحدة، أن إيداع الاتفاقية لدى الأمم المتحدة لا يمنحها صفة إلزامية، لكون المنظمة الدولية ليست جهة فصل في مثل هذه الحالات.
وأشار، خلال حديثه للجزيرة نت، إلى أن الاتفاق لن يغير من سلوك مصر أو تركيا بشأن مصالحهما في الوقت الراهن.



