عهد جديد في جزيرة إمرالي.. لماذا نُقل أوجلان إلى مكان آخر؟ | سياسة

جزيرة إمرالي ليست معروفة كثيرا على مستوى العالم، لكنها من أكثر الأماكن التي يتردد اسمها في التاريخ السياسي التركي. ليس فقط لأن زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان محتجز فيها، بل لأن الجزيرة شهدت أيضا واحدة من أعمق المآسي في الذاكرة السياسية التركية.
الجزيرة التي أُعدم فيها رئيس الوزراء
شهدت تركيا في 27 مايو/أيار 1960 أول انقلاب عسكري في عهد الجمهورية. وعقب الانقلاب، حوكم رئيس الوزراء عدنان مندريس ووزير الخارجية فطين رشدي زورلو ووزير المالية حسن بولاتكان أمام محكمة أُنشئت في جزيرة ياسي أدا، لكنهم نُقلوا إلى جزيرة إمرالي حيث نُفذ فيهم حكم الإعدام.
ومنذ ذلك الحين، باتت هذه الجزيرة، التي شهدت أحد أكثر الأحداث مأساوية في تاريخ الجمهورية والديمقراطية التركية، توصف بأنها مكان ملعون.
ومنذ تنفيذ أحكام الإعدام عام 1961، تُقام مراسم سنوية لإحياء ذكرى الانقلاب في 27 مايو/أيار وذكرى الإعدامات في 17 سبتمبر/أيلول، في تقليد مستمر منذ 65 عاما. ويُذكر خلالها رئيس الوزراء والوزيران بالرحمة، في حين يتعرض الانقلابيون الذين أصدروا قرار إعدامهم لانتقادات شديدة.
في عام 2009، أعاد حزب العدالة والتنمية بناء سجن إمرالي الذي كان أوجلان يقيم فيه بمفرده، وأحضر إليه 5 سجناء من حزب العمال الكردستاني، منهيا بذلك الجدل بشأن عزله. ولم يكن هذا القرار نتيجة الضغوط السياسية المكثفة القادمة من أوروبا بقدر ما كان مرتبطا بمشروع سياسي أطلق عليه الحزب اسم “عملية الحل”
جزيرة المنفى والسجن
كثيرا ما استُخدمت جزيرة إمرالي عبر التاريخ لأغراض سيئة كهذه. وتقع الجزيرة، التي تبلغ مساحتها 10 كيلومترات مربعة، في بحر مرمرة بالقرب من سواحل مدينة بورصة. وكانت في العهد البيزنطي جزيرة نائية يقيم فيها الرهبان، كما استُخدمت منفى للأشخاص غير المرغوب فيهم في البلاط البيزنطي.
وكانت الجزيرة تُعرف آنذاك باسم كالوليمنوس، حتى فتحها قائد عثماني يُدعى أمير علي عام 1308، عندما كانت الدولة العثمانية لا تزال في بدايات تأسيسها، ولذلك أُطلق عليها اسم إمرالي.
واكتسبت الجزيرة في تلك الفترة أهمية إستراتيجية للتحكم في طرق التجارة البحرية في بحر مرمرة. لكن مع توسع الدولة العثمانية وتحول اهتمامها نحو البحرين المتوسط والأسود، فقدت إمرالي أهميتها تدريجيا، وبدأ البلاط العثماني ينفي إليها الأشخاص غير المرغوب فيهم.
وبعد إعلان الجمهورية، هاجر العدد القليل من السكان اليونانيين الذين كانوا يعيشون في الجزيرة، فأصبحت أكثر عزلة وتحولت إلى سجن في الهواء الطلق. واستُخدمت الجزيرة، التي لا يستطيع أحد الهرب منها أو الوصول إليها، سجنا شبه مفتوح.
وصول أوجلان الأول إلى الجزيرة
عندما اعتُقل عبد الله أوجلان في كينيا عام 1999، كان سجن جزيرة إمرالي يضم عددا كبيرا من السجناء، بينما كان يُنظّم في أحد أجزاء الجزيرة مخيم صيفي تابع لوزارة العدل. وقبل نقل أوجلان إليها، أُخرج جميع السجناء من الجزيرة ونُقلوا إلى سجون أخرى، كما أُغلق المخيم الصيفي التابع للوزارة. وظل أوجلان السجين الوحيد في سجن إمرالي من عام 1999 حتى عام 2009.
واكتملت محاكمة أوجلان في نهاية عام 1999، وصدر بحقه حكم بالإعدام. لكن بعد إلغاء عقوبة الإعدام في تركيا عام 2002، باعتبار ذلك أحد شروط انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، خُففت عقوبته إلى السجن المؤبد المشدد.
ونظّم محامو أوجلان اجتماعات عديدة في أوروبا، وأطلقوا حملة مكثفة للتنديد بظروف احتجازه التي قالوا إنها لا تتوافق مع الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان وإنه يخضع لعزلة تامة. وبالفعل نجحوا في التأثير على الرأي العام السياسي الأوروبي، وزار أوجلان في الجزيرة عدد من المراقبين الأوروبيين.
وفي عام 2009، أعاد حزب العدالة والتنمية بناء سجن إمرالي الذي كان أوجلان يقيم فيه بمفرده، وأحضر إليه 5 سجناء من حزب العمال الكردستاني، منهيا بذلك الجدل بشأن عزله. ولم يكن هذا القرار نتيجة الضغوط السياسية المكثفة القادمة من أوروبا بقدر ما كان مرتبطا بمشروع سياسي أطلق عليه الحزب اسم “عملية الحل”، بهدف إنهاء إرهاب حزب العمال الكردستاني وحل القضية الكردية.
وتتمتع جزيرة إمرالي حاليا بوضع سجن مغلق شديد الحراسة، كما تُصنف منطقة عسكرية محظورة من الدرجة الثانية برا وجوا. ويُمنع المرور بالقرب من الجزيرة بحرا أو التحليق فوقها جوا. ولا توجد حتى الآن مقاطع مصورة من الجو تُظهر الجزيرة بصورة واضحة.
في عام 2025، وبعد 26 عاما من وصوله إلى جزيرة إمرالي، أعلن أوجلان منها للمرة الأولى انتهاء الكفاح المسلح لحزب العمال الكردستاني وبدء عملية حل التنظيم من أجل ممارسة السياسة الديمقراطية. ونُشر بيانه الذي كتبه بخط يده، إلى جانب صورة التُقطت له مع السجناء الآخرين والوفد الإمرالي
إعلان انتهاء الكفاح المسلح من هذه الجزيرة
بعد أن أعلن أوجلان دعمه لمشروع “عملية تركيا خالية من الإرهاب” الذي أعده جهاز الاستخبارات الوطنية التركي، شُكل “وفد إمرالي” لإجراء لقاءات منتظمة معه. وتألف الوفد من نواب في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب ومحامي أوجلان. وقد زار الوفد جزيرة إمرالي 13 مرة حتى الآن لإجراء محادثات معه.
وفي عام 2025، وبعد 26 عاما من وصوله إلى الجزيرة، أعلن أوجلان منها للمرة الأولى انتهاء الكفاح المسلح لحزب العمال الكردستاني وبدء عملية حل التنظيم من أجل ممارسة السياسة الديمقراطية. ونُشر بيانه الذي كتبه بخط يده، إلى جانب صورة التُقطت له مع السجناء الآخرين والوفد الإمرالي.
وتلا وفد حزب المساواة وديمقراطية الشعوب البيان أمام وسائل الإعلام في إسطنبول. وبعد وقت قصير من قراءة البيان، أحرقت مجموعة من مسلحي حزب العمال الكردستاني أسلحتها أمام وسائل الإعلام والمراقبين عند سفح جبال قنديل في العراق، معلنة للعالم التزامها بدعوة أوجلان.
هل سيتغير وضع أوجلان؟
يُعد زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي، الشريك في التحالف الحاكم مع حزب العدالة والتنمية، أبرز الداعمين لعملية تركيا خالية من الإرهاب، ويمكن اعتباره الطرف الذي يمهد الطريق أمام تنفيذ خريطة طريقها.
وفي خطاب ألقاه أمام البرلمان في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2024، قال بهتشلي إن أوجلان يمكنه مغادرة جزيرة إمرالي والحضور إلى البرلمان لإلقاء كلمة أمام كتلة حزب المساواة وديمقراطية الشعوب إذا حل تنظيمه.
وأثار هذا التصريح، الصادر عن أحد أبرز قادة التيار القومي في تركيا، صدى سياسيا واسعا. ومنذ ذلك الحين بات الجميع يترقب موعد خروج أوجلان من إمرالي وتوجهه إلى أنقرة.
واضطر مسؤولو جهاز الاستخبارات الوطنية وحزب العدالة والتنمية، الذين يديرون العملية، إلى التأكيد مرارا أن أوجلان لن يغادر إمرالي مطلقا ولن يأتي إلى أنقرة. فقد أظهرت استطلاعات الرأي أن 75% من الشعب التركي يؤيدون عملية تركيا خالية من الإرهاب، في حين يعارض 90% خروج أوجلان من جزيرة إمرالي. وكان التأييد الشعبي للعملية يتراجع كلما أُثير الحديث عن احتمال مغادرته الجزيرة.
في خطاب ألقاه أمام البرلمان في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2024، قال بهتشلي إن أوجلان يمكنه مغادرة جزيرة إمرالي والحضور إلى البرلمان لإلقاء كلمة أمام كتلة حزب المساواة وديمقراطية الشعوب إذا حل تنظيمه
لكن الحقيقة أن أوجلان، رغم قضائه 27 عاما في السجن، كان الشخص الوحيد القادر على إقناع التنظيم بترك السلاح وحل نفسه. وبمعنى آخر، إذا كان حزب العمال الكردستاني سيختفي في إطار بناء تركيا خالية من الإرهاب، فلن يستطيع تحقيق ذلك سوى أوجلان.
ولهذا السبب، يؤكد دولت بهتشلي وقيادة حزب المساواة وديمقراطية الشعوب مرارا ضرورة تحديد وضع عبد الله أوجلان وتحسين ظروف احتجازه.
لماذا نُقل أوجلان إلى مكان آخر؟
عندما تحدثت إلى مسؤول أمني أمضى فترات طويلة في الجزيرة وتولى تنسيق لقاءات أوجلان، أخبرني أن السجن الموجود هناك ليس مناسبا تماما للأعمال المرتبطة بالعملية الجديدة. وأوضح أن ارتفاع درجات الحرارة والرياح، خاصة خلال أشهر الصيف، يجعلان حتى المسؤولين الأمنيين الرسميين يواجهون صعوبة في أداء مهامهم.
وبالأمس تحدثت عن هذا الموضوع مع مسؤول حكومي بارز آخر يتابع العملية، فقال لي ما يلي باختصار:
منذ بداية العملية، اتضح أن نفوذ أوجلان وقوته داخل التنظيم لا جدال فيهما. وحتى الآن، واصل أوجلان بإصرار عملية نزع السلاح وحل التنظيم وفقا لخريطة الطريق المحددة، وتمكن من إقناع التنظيم بقبولها، رغم معارضة بعض الأطراف داخل حزب العمال الكردستاني والجالية الكردية في أوروبا وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب.
والآن، يتعين على التنظيم إلقاء السلاح بالكامل والدخول في عملية الاندماج، وهو ما سينفذه وفقا لتوجيهات أوجلان. ولهذا السبب، يجب أن تزداد وتيرة لقاءات أوجلان بالوفد الإمرالي، وأن يرتفع عدد الأشخاص الذين يلتقي بهم وتتنوع صفاتهم. وهذا يعني مزيدا من الزيارات والتواصل. لكن الظروف المادية والإمكانات المتاحة في سجن إمرالي ليست كافية تماما.
ولذلك، شُيد مبنى إضافي داخل حدود السجن نفسه يتمتع بظروف أفضل نسبيا، وسيقيم أوجلان فيه. وهذا المكان ليس فيلا ولا مبنى متعدد الطوابق ولا يقع خارج السجن كما ورد في بعض التقارير الإعلامية. وكان من الضروري تحسين ظروف عمل أوجلان لتمكينه من توجيه مزيد من الرسائل إلى التنظيم والمتعاطفين معه، والحفاظ على مشاركتهم في عملية نزع سلاح التنظيم واندماج أفراده في المجتمع.
ولم يطرأ أي تغيير على وضعه بوصفه سجينا أو على موقعه في جزيرة إمرالي. لكن “مجلس تنسيق التضامن الوطني والاندماج” الذي أُنشئ حديثا شكّل لجانا فرعية جديدة، ومن المتوقع أن يكون أوجلان عضوا في إحداها، وهي “اللجنة الفرعية لنزع السلاح والتنسيق الإستراتيجي”.
ولا يبدو أن إلغاء عقوبة أوجلان أو خروجه من السجن أمر ممكن في المستقبل القريب.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



