الأخبار

وحدة الصومال وسيادته.. رسالة واضحة في مواجهة التدخل الإسرائيلي | سياسة


في خطوة تمثل تصعيدا سياسيا ودبلوماسيا جديدا، أقدمت إسرائيل على إعلان اعتماد سفير لها في مدينة “هرغيسا “، ووضع حجر الأساس لمقر بعثتها الدبلوماسية المرتقبة هناك، في تحرك يمس بصورة مباشرة سيادة جمهورية الصومال الفيدرالية ووحدة أراضيها، ويتعارض مع المبادئ الراسخة التي يقوم عليها النظام الدولي.

إن هذه الخطوات لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد إجراءات دبلوماسية عادية، بل ينبغي قراءتها في سياقها السياسي والقانوني والإقليمي، باعتبارها محاولة لفرض واقع أحادي الجانب في جزء لا يتجزأ من أراضي دولة ذات سيادة وعضوية كاملة في الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.

إن مدينة “هرغيسا “، شأنها شأن سائر المدن الصومالية، تقع ضمن الحدود الدولية المعترف بها لجمهورية الصومال الفيدرالية. ولا يمكن لأي دولة، مهما كانت حساباتها السياسية أو مصالحها الإستراتيجية، أن تمنح نفسها حق التعامل مع إقليم تابع لدولة ذات سيادة وكأنه كيان مستقل، دون موافقة حكومتها الشرعية.

ومن هذا المنطلق، فإن رفض مقديشو لهذه الخطوات ليس مجرد موقف سياسي عابر، وإنما هو تمسك بحق أصيل تكفله قواعد القانون الدولي، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

لا تملك أي دولة خارجية صلاحية إعادة رسم الخرائط السياسية للدول أو إضفاء الشرعية على ترتيبات انفصالية من خلال الاعترافات الأحادية أو إقامة البعثات الدبلوماسية أو الاتفاقات التي تتجاوز الحكومة الفيدرالية الصومالية

السيادة الوطنية ليست مجالا للمساومة

إن وحدة الصومال ليست قضية إدارية أو خلافا سياسيا يمكن تجاوزه بإجراءات دبلوماسية أحادية، بل هي مسألة تتصل بالهوية الوطنية والشرعية الدولية وحق الشعب الصومالي في تقرير مستقبله ضمن دولة واحدة.

ولا تملك أي دولة خارجية صلاحية إعادة رسم الخرائط السياسية للدول أو إضفاء الشرعية على ترتيبات انفصالية من خلال الاعترافات الأحادية أو إقامة البعثات الدبلوماسية أو الاتفاقات التي تتجاوز الحكومة الفيدرالية الصومالية.

كما أن أي تعامل رسمي مع إقليم أرض الصومال بمعزل عن موافقة الحكومة الفيدرالية لا يغير من وضعه القانوني الدولي، ولا ينشئ واقعا قانونيا جديدا يمكن فرضه على الصومال أو المجتمع الدولي.

أبعاد تتجاوز الحدود الصومالية

وتكتسب هذه التحركات حساسية إضافية بالنظر إلى الموقع الجغرافي والإستراتيجي للصومال، المطل على خليج عدن والمحيط الهندي، والقريب من واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق باب المندب والبحر الأحمر.

إن منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر تعيش بالفعل تحديات أمنية وجيوسياسية متشابكة، وأي تحركات من شأنها تشجيع النزعات الانفصالية أو تجاوز الحدود الدولية المعترف بها قد تفتح المجال أمام مزيد من التوترات والتنافسات الإقليمية.

ومن ثم، فإن التعامل مع الملف الصومالي بمنطق المصالح الجيوسياسية الضيقة، أو تحويل قضية الوحدة الوطنية إلى ورقة في صراعات النفوذ الإقليمي، لن يسهم في تحقيق الاستقرار، بل قد يزيد المشهد تعقيدا ويضع أمن المنطقة أمام تحديات إضافية.

المجتمع الدولي أمام مسؤولية واضحة

لقد عبرت مقديشو عن رفضها القاطع للاعتراف الإسرائيلي المعلن في ديسمبر/كانون الأول 2025، كما أكدت رفضها لأي إجراءات لاحقة تستند إلى ذلك الاعتراف.

وقد واجهت الخطوة الإسرائيلية مواقف رافضة من مؤسسات إقليمية ودولية، من بينها الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.

الصومال لا يطلب من المجتمع الدولي سوى احترام ما يقره القانون الدولي من مبادئ واضحة، وفي مقدمتها سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية

وهنا تبرز مسؤولية المجتمع الدولي في الدفاع عن المبادئ التي تأسس عليها النظام الدولي، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وعدم السماح بازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي.

فلا يمكن أن يكون احترام الحدود الدولية مبدأ ثابتا في حالة، ومجرد خيار سياسي قابل للتجاوز في حالة أخرى. كما لا يجوز أن تتحول الاعتبارات الإستراتيجية إلى مبرر لتجاوز إرادة الدول أو التدخل في شؤونها الداخلية.

الحوار الصومالي هو الطريق إلى الحل

وفي الوقت الذي تتمسك فيه الحكومة الصومالية بوحدة البلاد وسيادتها، فإن معالجة الخلافات القائمة بين الصوماليين تظل مسؤولية وطنية ينبغي أن تتم من خلال الحوار الصومالي الصومالي، بعيدا عن التدخلات الخارجية والحسابات التي تسعى إلى توظيف الخلافات الداخلية لتحقيق مصالح لا تخدم الشعب الصومالي.

إن أبناء الشعب الصومالي، بمختلف مكوناتهم ومناطقهم، هم أصحاب المصلحة الحقيقية في مستقبل بلادهم، وهم الأقدر على الوصول إلى تفاهمات سياسية تحفظ الحقوق وتضمن الاستقرار وتصون وحدة الوطن.

ولا يمكن بناء سلام مستدام من خلال فرض الأمر الواقع أو الاستقواء بأطراف خارجية، وإنما عبر التفاهم والثقة والحوار المسؤول.

الصومال دولة ذات سيادة، ووحدتها ليست موضوعا للتفاوض مع الخارج

في المحصلة، ينبغي أن تدرك إسرائيل أن إعلان تعيين سفير أو وضع حجر أساس لمقر دبلوماسي في هرغيسا لن يمنح خطواتها شرعية قانونية، ولن يغير من حقيقة أن أرض الصومال جزء من جمهورية الصومال الفيدرالية وفق موقف الحكومة الصومالية والحدود الدولية المعترف بها.

إن الصومال لا يطلب من المجتمع الدولي سوى احترام ما يقره القانون الدولي من مبادئ واضحة، وفي مقدمتها سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

وستظل وحدة الصومال وسلامة أراضيه مبدأ وطنيا ثابتا، لا تسقطه الاعترافات الأحادية، ولا تغيره الحسابات الجيوسياسية، ولا تمنحه أو تنزعه قرارات تصدر خارج إرادة الدولة الصومالية.

وأخيرا، الصومال ليس ساحة مفتوحة لإعادة تشكيل الخرائط، وسيادته ليست ورقة في حسابات الآخرين، ووحدته الوطنية حق لا يملك أحد التصرف فيه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



Source link

Ahmed Hemdan

كاتب وصحفي إخباري شغوف بالرصد الميداني والرقمي، متخصص في اقتناص الخبر لحظة وقوعه وصياغته بمهنية وموضوعية عالية. يمتلك حسّاً صحفياً فريداً لتمييز الأخبار العاجلة والمهمة ومتابعة تفاصيلها أولاً بأول من مصادرها الموثوقة. يسعى دائماً ليكون الحلقة الأسرع والأكثر دقة في نقل المعلومة للقارئ، مع الالتزام بقواعد النشر الرقمي وسرعة الأرشفة لتغطية كافة الأحداث والتوجهات الجديدة فور ظهورها، ليبقى متابعو الموقع في قلب الحدث على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى