أبعد من استطلاعات الرأي.. “وول ستريت جورنال” تطور رادارا ذكيا لمراقبة النقاشات الانتخابية | إعلام

تم النشر بتاريخ 29/10/2026
في وقت تستعد فيه الولايات المتحدة لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس، لم تعد صحيفة “وول ستريت جورنال ” تكتفي باستطلاعات الرأي والمقابلات التقليدية لفهم اهتمامات الناخبين، بل طورت أداة ذكاء اصطناعي قادرة على تحليل ملايين المحادثات الرقمية، بحثا عن القضايا التي تشغل الأمريكيين وقد لا تظهر في استطلاعات الرأي.
وحللت الأداة التي تحمل اسم “دوبلر” (Doppler News AI) أكثر من 25 مليون فيديو على “تيك توك” ونحو 500 ألف حلقة بودكاست، إلى جانب آلاف المقاطع المنشورة على “إنستغرام” والبرامج الإخبارية التلفزيونية، بهدف رصد اتجاهات النقاش العام والقضايا التي تثير اهتمام المستخدمين.
قصص مقترحة
قائمة من 2 العناصرنهاية القائمة
وفي تقرير نشره مختبر “نيمان للصحافة” في جامعة هارفارد، يستعرض الصحفي أندرو ديك تجربة الصحيفة في توظيف الذكاء الاصطناعي لتطوير التغطية السياسية، والانتقال من متابعة المنافسة بين المرشحين إلى تحليل الموضوعات التي يتداولها الجمهور.
ما وراء استطلاعات الرأي
جاء تطوير “دوبلر” بعد نقاشات داخل الصحيفة بشأن أوجه القصور التي ظهرت في تغطية الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2024، حين لاحظ محرروها أن بعض التحولات في الرأي العام لم تنعكس بوضوح في استطلاعات الرأي التقليدية.
وتوضح آجا ويتاكر مور نائبة رئيس تحرير الصحيفة أن الهدف ليس التنبؤ بنتائج الانتخابات، وإنما فهم الطريقة التي يتفاعل بها الناس مع السياسة عبر موضوعات الحياة اليومية، مثل العمل والمال والأسرة والثقافة والمجتمع.
فبدلا من سؤال الناخبين مباشرة عن المرشحين الذين يفضلونهم، تسعى الأداة إلى تحديد القضايا التي يناقشونها، والأسئلة التي يطرحونها، والمنصات التي تدور فيها هذه النقاشات.
وترى الصحيفة أن هذا النهج يمكن أن يكشف جوانب لا ترصدها الاستطلاعات، دون اعتباره بديلا عنها أو مقياسا تمثيليا للرأي العام الأمريكي.
قضايا تتجاوز الانقسام السياسي
منذ نشر أول تحقيق باستخدام “دوبلر” أواخر سبتمبر/أيلول، أنتجت الصحيفة 4 مواد رئيسية اعتمدت على تحليلات الأداة. وفي تقرير نشرته في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول، حللت أكثر من 30 ألف ساعة من حلقات البودكاست، لتكتشف أن مقدمي البرامج المحافظين باتوا يناقشون القدرة على تحمل تكاليف المعيشة بمعدل مماثل لنظرائهم ذوي التوجهات اليسارية، رغم وصف الرئيس دونالد ترمب أزمة القدرة الشرائية بأنها خدعة.
وفي تحقيق آخر، نُشر مطلع أكتوبر/تشرين الأول، حللت الصحيفة أكثر من 4 ملايين فيديو على “تيك توك ” وآلاف ساعات البودكاست، لرصد المواقف المناهضة للذكاء الاصطناعي، بما فيها الاعتراض على كاميرات المراقبة التابعة لشركة “فلوك”.
وأظهر التحليل أن صناع المحتوى المعارضين لهذه التقنيات يختلفون بشأن مواقف سياسية أخرى بنسبة بلغت نحو 12%، أي 3 أضعاف المتوسط المسجل في القضايا السياسية الأخرى التي شملتها الدراسة.
وتشير النتيجة إلى أن المخاوف من تقنيات المراقبة قد تجمع أطرافا تختلف في مواقفها السياسية، وهو نمط ربما يصعب اكتشافه عبر التصنيفات الحزبية التقليدية.
قياس التفاعل مع السياسيين
وفي 15 أكتوبر/تشرين الأول، استخدمت الصحيفة قاعدة بيانات “دوبلر” لتحليل المحتوى المتعلق بـ67 شخصية سياسية ديمقراطية.
وكشف التحليل أن أنجي نيكسون المرشحة التقدمية لمجلس الشيوخ عن فلوريدا حصلت على تعليقات إيجابية في نحو 70% من مقاطع “تيك توك” التي تناولتها خلال الأسابيع السابقة، تلاها السيناتور جون أوسوف بنسبة 54%.
وفي المقابل، بلغت نسبة المقاطع الإيجابية المتعلقة بزعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر 3% فقط ضمن المحتوى الذي شمله التحليل.

كيف يعمل رادار الإنترنت؟
تعود فكرة “دوبلر” إلى نقاشات جمعت ويتاكر مور وداميان باليتا مدير مكتب واشنطن والمحرر السياسي كريستوفر ماثيوز، قبل أن تتولى تطويرها وحدة صحافة البيانات بقيادة باري.
واستفادت الصحيفة من أداة سابقة تحمل اسم “أوركا” مخصصة لتفريغ التسجيلات الصوتية وتلخيص حلقات البودكاست ومقاطع “يوتيوب”.
وتستخدم “دوبلر” نماذج متعددة للذكاء الاصطناعي، بينها النماذج اللغوية الكبيرة ونماذج التضمين، التي تحول النصوص والصور إلى تمثيلات رقمية تسمح بتحليل العلاقات بين الأفكار وتجميع الموضوعات المتشابهة.
وتساعد هذه التقنية الصحفيين على اكتشاف أنماط النقاشات واتجاهاتها عبر مجموعات ضخمة من المحتوى، بدلا من متابعة المواد بصورة منفردة.
لكن بناء قاعدة بيانات شاملة أو عينة عشوائية ممثلة من “تيك توك” يظل صعبا، ولذلك تعتمد الصحيفة على أداة مراقبة تستفيد من خوارزميات التوصية لتحديد الحسابات التي تتابعها.

الإنسان يراجع الآلة
رغم قدرات “دوبلر” لا يستطيع الصحفيون استخدامه بصورة مستقلة حتى الآن، إذ تتطلب كل مادة تعاون المحررين مع المهندسين وصحفيي البيانات لتحديد المنهجية ومراجعة النتائج.
ويؤكد باري أن الصحيفة لا تسعى إلى تطوير نظام ينتج مواد جاهزة للنشر تلقائيا، مشددا على ضرورة وجود صحفي يحدد الأسئلة ويمارس الحكم التحريري.
وتضيف الصحيفة شرحا للمنهجية إلى كل تقرير يستخدم الأداة، يوضح دور الذكاء الاصطناعي وحدود النتائج، مع الإقرار بإمكانية وجود أخطاء أو درجات من عدم اليقين رغم المراجعة البشرية.
وتدرس “وول ستريت جورنال” توسيع استخدام “دوبلر” إلى أقسام أخرى، باعتبار أن البيانات التي تجمعها لا تقتصر على السياسة.
وتقدم التجربة نموذجا لدور مختلف للذكاء الاصطناعي بالصحافة، فهو لا يكتب الأخبار بدلا من الصحفي، بل يساعده على اكتشاف قصص وأنماط يصعب رصدها بالوسائل التقليدية، مع بقاء مسؤولية التفسير والتحقق والنشر بيد غرفة الأخبار.



