الأخبار

“أرشيف الحياة”.. حكايات شهداء غزة في مواجهة النسيان | ثقافة


غزة – “بدي أفرجي العالم العذاب وجحيم الحرب اللي إحنا عايشينه “، بهذه الكلمات تستعيد لبنى الحايك، والدة المصورة الصحفية الشهيدة فاطمة حسونة، جانبا من حكاية ابنتها التي جعلت من الكاميرا وسيلة لنقل معاناة أهلها وسكان قطاع غزة، قبل أن تتحول هي نفسها إلى خبر وصورة، في مجزرة إسرائيلية أودت بحياتها مع سبعة من أفراد أسرتها.

تستعيد الأم الأربعينية المكلومة مناقب ابنتها التي استشهدت وهي في الرابعة والعشرين من عمرها، وتقول للجزيرة نت إنها لم تكن تعرف الهدوء، ولا تفوّت فرصة لتصوير آثار الحرب من ضحايا ودمار، في محاولة لإيصال صوت وصورة غزة للعالم.

وتروي لبنى (49 عاما) أن فاطمة كانت تنشغل بعملها حتى على حساب نومها وطعامها. “كانت ذكية ونشيطة وشجاعة، حنونة ومتواضعة، ومحبوبة من الجميع.. كانت ابنتي البكر والأقرب إلى قلبي “.

لبنى الحايك والدة الصحفية الشهيدة فاطمة حسونة تستذكر ذكرياتها مع ابنتها الشهيدة ومناقب شخصيتها وشجاعتها / رائد موسى / مدينة غزة / الجزيرة نت
لبنى الحايك والدة الصحفية الشهيدة فاطمة حسونة تستذكر ذكرياتها مع ابنتها ومناقب شخصيتها وشجاعتها  (الجزيرة)

بدموع تختلط بكلماتها تقول لبنى إن فاطمة الصحفية الشجاعة، التي تلاحق الخبر والصورة، تحولت هي نفسها إلى خبر وصورة.

في لحظة وقوع المجزرة، كانت لبنى وأسرتها نياما في منزلهم. أصيبت بجروح بليغة، وأمضت يومين في العناية المركزة بالمستشفى، وتقول إنها عندما استعادت وعيها، كان سؤالها الأول عن زوجها وأبنائها، وتصف لحظة معرفتها باستشهادهم بأنها صدمة عمرها.

نجت لبنى واثنان من أبنائها الثمانية من المجزرة المروعة، لكنها تحمل ندوبا ستبقى عالقة في ذاكرتها لبقية حياتها، حسبما تقول.

مشروع أرشيف الحياة يسعى إلى توثيق حكايات الشهداء من منظومة إنساني بعيدا عن لغة الأرقام الجامدة / رائد موسى / مدينة غزة / الجزيرة نت
مشروع أرشيف الحياة يسعى إلى توثيق حكايات الشهداء من منظومة إنساني بعيدا عن لغة الأرقام الجامدة (الجزيرة)

“إحنا مش أرقام”

لا تريد لبنى أن تدفن الحقيقة وذكريات أسرتها معهم في قبورهم، وقد شاركت اليوم الأحد في مقر مركز التضامن الإعلامي التابع لنقابة الصحفيين الفلسطينيين في مدينة غزة، في فعالية إطلاق مشروع “أرشيف الحياة “، بمبادرة من أعضاء فريق منصة “أنتولد فلسطين ” (Untold Palestine).

جاء إطلاق هذا المشروع بعد ثلاثة أعوام من جمع حكايات الشهداء من أهاليهم عبر المنصة وحملة “إحنا مش أرقام “، التي أُطلقت في نوفمبر/تشرين الثاني 2023.

ويشكل “أرشيف الحياة ” مساحة لقصص الشهداء كما يرويها أحباؤهم، بهدف حفظ صورهم وذكرياتهم وتفاصيل حياتهم بعيدا عن الأرقام والإحصائيات، وإبراز حكاياتهم الإنسانية التي قد تغيب وسط أخبار الحرب وأعداد الضحايا.

فتاة تعرض صورة شقيقها الشهيد خلال فعالية إطلاق مشروع "أرشيف الحياة" / رائد موسى / مدينة غزة / الجزيرة نت
فتاة تعرض صورة شقيقها الشهيد خلال فعالية إطلاق مشروع “أرشيف الحياة” (الجزيرة)

وتضمنت الفعالية افتتاح معرض للصور، والإطلاق الرسمي للموقع الإلكتروني والتعريف بالمشروع وأهدافه، وعرض أفلام وفقرة موسيقية.

وأضفت مشاركة لبنى وكلماتها المؤثرة بُعدا إنسانيا على الفعالية، إذ التقت حكايتها الشخصية مع هدف الأرشيف في حفظ قصص الشهداء كما يرويها أحباؤهم بقلوبهم قبل ألسنتهم.

حكاية الشهيدة فاطمة هي نموذج لآلاف القصص التي يسعى المشروع إلى حفظها، واستعادة ملامح حياة الشهيدات والشهداء وأحلامهم وشهادات أحبتهم عنهم وذكرياتهم.

فكرة المشروع

وتقول إيمان جاد الله، وهي صحفية مشاركة في كتابة قصص الشهداء ضمن مشروع “أرشيف الحياة “، إن الفكرة بدأت مع تصاعد الحرب، حين ارتفعت أعداد الشهداء يوميا، بينما غابت حكاياتهم خلف الأرقام.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني، وهو الشهر الثاني للحرب، بدأت عائلات في غزة تتواصل مع منصة “أنتولد فلسطين “، بحثا عن مساحة تشارك فيها صور أحبائها وذكرياتهم، لتُطلق حملة “إحنا مش أرقام “.

القائمون على مشروع أرشيف الحياة شهداؤنا ليسوا مجرد أرقام / رائد موسى / مدينة غزة / الجزيرة نت
القائمون على مشروع أرشيف الحياة شهداؤنا ليسوا مجرد أرقام (الجزيرة)

وتوضح إيمان للجزيرة نت أن الفريق جمع الصور الشخصية والشهادات ومقاطع الفيديو وغيرها من المواد التي اختارت العائلات مشاركتها، بهدف تقديم الشهداء بوصفهم أشخاصا لهم أسماء وأحلام وعلاقات وتفاصيل حياة.

ومع تراكم مئات الحكايات، برزت الحاجة إلى مساحة تحفظها على المدى الطويل، في ظل ما يتعرض له المحتوى الفلسطيني من حذف وتقييد على منصات التواصل الاجتماعي.

ووفقا لإيمان فإن الأرشيف لا يكتفي بتوثيق ظروف الاستشهاد، بل يسعى إلى توثيق الحياة نفسها، بدءا من التواصل مع العائلة والاستماع إلى ما تختار مشاركته، وصولا إلى جمع الصور والمعلومات والشهادات وصياغة القصة بما يحفظ خصوصية أصحابها وكرامتهم.

وتشير إيمان إلى أن عائلة الشهيد هي صاحبة الحكاية، وأن دور الفريق يتمثل في صون روايتها واحترام الطريقة التي تريد أن يُحفظ بها ذكرى الشهيد أو الشهداء.

الصحفية إيمان جاد الله المشاركة في كتابة وتوثيق حكايات الشهداء تتحدث عن فكرة المشروع وأهدافه / رائد موسى / مدينة غزة / الجزيرة نت
الصحفية إيمان جاد الله المشاركة في كتابة وتوثيق حكايات الشهداء تتحدث عن فكرة المشروع وأهدافه (الجزيرة)

حكايات لا تنسى

إيمان هي جزء من الرواية وليست غريبة عنها. عايشت فصولا من المعاناة، وذاقت مرارة الفقد والنزوح. كانت تستمع للحكايات وتوثقها وتتأثر بها بعمق. وتستذكر من بينها حكاية أسماء البرش، التي فقدت زوجها الدكتور رامي السلطان وطفليها محمود وشام. وتقول إيمان إن أسماء تحدثت معها بوصفها صديقة مقربة، لا مجرد صحفية، وإن الاستماع إلى تفاصيل فقدها أدخلها في حالة نفسية صعبة، وبقيت تبكي طوال الليل ولم تستطع النوم.

كما تستعيد إيمان قصة الطفل الشهيد هشام العشي، ذي العينين الخضراوين، الذي كانت والدته تعمل ممرضة في مستشفى، وتلقت خبر استشهاده أثناء وجودها في عملها. وتشير إلى أن مقاطع مصورة وثّقت لحظة الصدمة حين أحضر الطفل إلى المستشفى الذي تعمل فيه والدته.

وتوضح أن بعض العائلات ترسل صورا ومقاطع مؤلمة، تتضمن أحيانا مشاهد من اللحظات الأخيرة أو صورا لأشلاء أحبائها، ما يضعها أمام عبء نفسي ومسؤولية كبيرة. لكنها تقول إنها تواصل العمل انطلاقا من ثقة العائلات التي ائتمنتها على ذكريات أبنائها، وحرصها على أن تبقى حكاياتهم محفوظة.

جانب من الحضور خلال فعالية إطلاق مشروع أرشيف الحياة بخيمة نقابة الصحفيين الفلسطينيين بمدينة غزة / رائد موسى / مدينة غزة / الجزيرة نت
جانب من الحضور خلال فعالية إطلاق مشروع أرشيف الحياة بخيمة نقابة الصحفيين الفلسطينيين بمدينة غزة  (الجزيرة)

ألف حكاية وحكاية

بدورها، تقول وفاء أبو حجاج، عضو فريق (يُرى – Yura) و(أنتولد فلسطين)، إن مشروع “أرشيف الحياة ” ينطلق بعدما ظل الفلسطينيون يظهرون طويلا في نشرات الأخبار ضمن قوالب تختزلهم في أرقام، بينما بقيت تفاصيل حياتهم اليومية وأحلامهم وعلاقاتهم بعيدة عن الصورة.

يسعى المشروع إلى إعادة النظر في العلاقة بالصورة، ومن يلتقطها ويختارها ويكتب الحكاية المرافقة لها، ومن يملك حق روايتها، وبحسب وفاء فإن المصور الفلسطيني ليس مجرد شاهد يزود المؤسسات الإعلامية بالصور، بل صاحب رؤية إنسانية وفنية قادر على تقديم روايته البصرية عن مجتمعه.

وتوضح أن “يُرى ” و “أنتولد فلسطين ” عملتا على بناء مساحة للمصورين والمصورات لتطوير مشاريعهم التوثيقية والفنية انطلاقا من تجاربهم، بحيث تظهر الصورة الفلسطيني في حياته اليومية، في منزله وعمله وعلاقاته وأفراحه وأحلامه، لا في مشاهد الموت والدمار وحدها.

فلسطينية تقف أمام لوحة تروي حكايات عدد من شهداء حرب الإبادة الإسرائيلية / رائد موسى / مدينة غزة / الجزيرة نت
فلسطينية تقف أمام لوحة تروي حكايات عدد من شهداء حرب الإبادة الإسرائيلية (الجزيرة)

وتشير إلى أن فريق العمل جمع أكثر من ألف حكاية منذ انطلاقة الحملة، مستعينا بشبكة تضم أكثر من 200 مصور ومصورة فلسطينيين، وبالعلاقات المباشرة والتواصل الرقمي مع العائلات، رغم انقطاع الكهرباء والاتصالات وصعوبة الوصول إلى كثير منها، فضلا عن العبء النفسي الذي رافق العمل.

وتجمع المواد وتحفظ بوصفها أمانة، مع مراعاة خصوصية العائلات وحقوقها وكرامة أصحاب القصص، وعدم التعامل معها باعتبارها محتوى متاحا للاستخدام من دون قيود، وفقا لوفاء. وتقول إن المشروع يحمل معنى شخصيا لأعضاء الفريق، الذين عرفوا بعض الشهداء وعملوا معهم، ومن بينهم المصورة الشهيدة فاطمة.

الصحفية وفاء أبو حجاج عضو طاقم انتولد فلسطين خلال الإعلان عن إطلاق مشروع "أرشيف الحياة" / رائد موسى / مدينة غزة / الجزيرة نت
الصحفية وفاء أبو حجاج عضو طاقم انتولد فلسطين خلال الإعلان عن إطلاق مشروع “أرشيف الحياة” (الجزيرة)

حكايات لحفظ الرواية

وتؤكد وفاء أن طموح المشروع لا يتوقف عند إطلاق موقع إلكتروني، بل يمتد إلى تحويل الأرشيف إلى مساحة ثقافية ومجتمعية حية، عبر معارض الصور والأعمال الفنية والأفلام القصيرة والأدوات التعليمية، بما يتيح للباحثين والصحفيين والفنانين والطلاب الاستفادة من القصص في فهم المجتمع الفلسطيني وتاريخه الإنساني.

من جانبه، يقول أمين سر نقابة الصحفيين الفلسطينيين عاهد فروانة، إن النقابة تدعم مشروع “أرشيف الحياة ” لما يمثله من إسهام في حفظ الرواية والسردية الفلسطينية، وإبراز أن الشهداء ليسوا مجرد أرقام، بل بشر كانت لهم حيواتهم وأحلامهم وعلاقاتهم.



Source link

Ahmed Hemdan

كاتب وصحفي إخباري شغوف بالرصد الميداني والرقمي، متخصص في اقتناص الخبر لحظة وقوعه وصياغته بمهنية وموضوعية عالية. يمتلك حسّاً صحفياً فريداً لتمييز الأخبار العاجلة والمهمة ومتابعة تفاصيلها أولاً بأول من مصادرها الموثوقة. يسعى دائماً ليكون الحلقة الأسرع والأكثر دقة في نقل المعلومة للقارئ، مع الالتزام بقواعد النشر الرقمي وسرعة الأرشفة لتغطية كافة الأحداث والتوجهات الجديدة فور ظهورها، ليبقى متابعو الموقع في قلب الحدث على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى