“أيباك” تتراجع إلى الظل.. كيف يعيد اللوبي الإسرائيلي هندسة نفوذه في واشنطن؟ | أخبار

في تحول لافت يعكس عمق الأزمة التي تواجهها شبكات الضغط السياسي في واشنطن، أقدمت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) على إعادة هيكلة حذرة لأدوات نفوذها الانتخابي داخل الولايات المتحدة.
فبعد عقود من التمويل المعلن والتدخل المباشر في صلب السباقات التشريعية، اضطرت المنظمة الداعمة للاحتلال الإسرائيلي إلى إنهاء آلية التأييد الرسمي لمرشحي الكونغرس ووقف التبرعات المباشرة الصادرة عن لجنتها السياسية بشكل دائم، في خطوة تستهدف التمويه على حجم تدخلاتها وتفادي الرفض المتزايد.
قصص مقترحة
قائمة من 2 العناصرنهاية القائمة
هذا التحول الدراماتيكي، الذي جاء عقب تقييم داخلي استمر أشهر عدة، لا يعكس انحسارا في حجم الموارد أو تراجعا عن المعركة السياسية، بل يمثل إعادة تموضع إستراتيجي تمليه طبيعة التحولات المتسارعة في الشارع الأمريكي وتصاعد الضغوط المؤيدة للحق الفلسطيني.
وتستهدف هذه الخطوة بالأساس حماية حلفاء المنظمة في واشنطن من الهجمات الانتخابية، مع الإبقاء على تدفق الأموال والذراع الإعلانية الضخمة للمنظمة بعيدا عن أضواء الصدام المباشر.
تكتيك جديد للنفوذ السياسي
وتستند السياسة الجديدة التي أقرتها قيادة “أيباك” إلى التخلي الكامل عن تقديم التبرعات المباشرة من لجنة العمل السياسية الخاصة بها إلى الحملات الانتخابية، والامتناع عن منح ختم التأييد الرسمي الذي طالما تباهت به المنظمة في الدورات الانتخابية السابقة.
وبدلا من ذلك، تتجه لجنة الضغط المؤيدة لإسرائيل إلى إنهاء 3 دورات متتالية من الانخراط السياسي المباشر عبر لجنتها الرسمية، للعودة إلى نموذج يركز على حشد التبرعات الفردية المباشرة من قاعدتها دون إدراج اسم المنظمة رسميا في التقارير المالية للمرشحين.
ويعود هذا التوجه إلى وجود قيود قانونية فدرالية تفرض سقفا محددا للتبرعات المباشرة التي يمكن للجان العمل السياسي تقديمها، بحيث لا تتجاوز 10 آلاف دولار لكل مرشح في الدورة الانتخابية الواحدة، وهو مبلغ بات ضئيلا للغاية أمام الارتفاع الخيالي لتكاليف الحملات الانتخابية الحديثة.
في المقابل، أظهرت الأرقام الفعلية أن القوة الحقيقية لـ”أيباك” كانت تكمن دائما في قدرة أعضائها على التبرع بصفتهم الشخصية.
ووفقا للبيانات التي كشفت عنها المتحدثة باسم المنظمة، ديرين سوزا، فإن أعضاء “أيباك” قدموا أكثر من 90 مليون دولار للمرشحين خلال الدورة الانتخابية الحالية عبر التبرعات المباشرة والمنسقة، بينما لم تتجاوز المساهمات المباشرة الصادرة عن لجنة العمل السياسي نحو 3 ملايين دولار فقط.
وفي رسالة رسمية وجهتها قيادة المنظمة إلى الأعضاء، جرى التأكيد أن كسب المعركة من أجل “مستقبل التحالف الأمريكي الإسرائيلي” يتطلب بناء منظومة عمل سياسي أكثر إستراتيجية ومرونة وفاعلية.
وأوضحت القيادة أن التخلي عن التأييد العلني ووضع علامات المنظمة على التبرعات يهدف إلى توسيع نطاق التبرعات الشخصية واستحداث أدوات جديدة تمكّن الحلفاء المؤيدين لإسرائيل من الفوز في بيئة سياسية تتزايد تعقيدا.

التفاف على ضغوط المعارضين
ويعود هذا التبدل في تكتيكات اللوبي الإسرائيلي إلى حالة الاستقطاب الشديد والضغوط غير المسبوقة التي فرضتها المجموعات والنشطاء المناهضون للاحتلال الإسرائيلي والمؤيدون لفلسطين في الولايات المتحدة.
ففي السنوات الأخيرة، تحول اسم “أيباك” ورصيد تأييدها العلني إلى ما يشبه “التهمة الانتخابية” التي استغلها التيار التقدمي والجناح الراديكالي لمهاجمة المرشحين والدعوة لمقاطعتهم.
واستجابة لهذه الضغوط المتزايدة والرفض الشعبي المتصاعد، أعلن عدد من المشرعين البارزين، وفي مقدمتهم السيناتور الديمقراطي عن ولاية نيوجيرسي كوري كوبر، امتناعهم عن قبول أي أموال قادمة من لجان العمل السياسي الخارجية عموما أو من “أيباك” بشكل خاص، وذلك تجنبا للضرر السياسي الواسع الذي قد يلحق بفرصهم الانتخابية.
كما شهدت الساحة الانتخابية نشاطا مكثفا لمنظمات مثل “تراك أيباك” التي تخصصت في تعقب المساهمات المالية الموجهة للسياسيين ورصد التبرعات القادمة من داعمي الاحتلال الإسرائيلي لتصنيفها علنا على أنها أموال ضغط.
وشكل هذا التصنيف ضغطا شديدا على المرشحين المعترفين بدعم إسرائيل، وعلى المتبرعين أنفسهم.
يضاف إلى ذلك أن المنظمة مرت بتوترات حادة داخل الحزب الديمقراطي، حيث أقدمت في وقت سابق من هذا العام على تجميد أنشطة جمع التبرعات لصالح 18 عضوا ديمقراطيا في مجلس النواب بسبب تصويتهم لصالح خفض المساعدات العسكرية لإسرائيل، وهو ما أدى إلى تقلص عدد الديمقراطيين المدرجين على بوابة جمع التبرعات الخاصة بالمنظمة إلى 72 عضوا فقط مقابل 178 جمهوريا.
تمويل ضخم بلا واجهة
ورغم التراجع الظاهري لـ”أيباك” عن الواجهة وإلغاء الآلية المباشرة لتأييد المرشحين، فإن المنظمة لم تتراجع خطوة عن جوهر المعركة السياسية، إذ أبقت على أشد أدواتها التمويلية تأثيرا وهي لجنة العمل السياسي المستقلة المعروفة باسم “مشروع الديمقراطية المتحدة”.
هذه اللجنة، التي تأسست عام 2021، وتخضع للقوانين الفدرالية التي تسمح لها بضخ مبالغ مالية غير محدود في الحملات الإعلانية التلفزيونية والرقمية لدعم المرشحين المؤيدين للاحتلال الإسرائيلي أو مهاجمة خصومهم وإسقاطهم، شريطة عدم وجود تنسيق رسمي مباشر مع حملات المرشحين.
وتُعد هذه الذراع التمويلية القوة الضاربة التي تنفق عشرات الملايين من الدولارات في الانتخابات التمهيدية والرئيسية لتوجيه مسار النتائج لصالح رؤية “أيباك”.
وتعكس نتائج الجولات الانتخابية الأخيرة حجم الحضور الهائل لهذه المنظمة، إذ أسهمت “أيباك” في حسم الفوز لصالح 290 مرشحا مؤيدا لإسرائيل وأسهمت في هزيمة 29 مرشحا يُنظر إليهم على أنهم مناهضون لسياسات الاحتلال الإسرائيلي.

غير أن هذا السجل الحافل لم يخل من نكسات موجعة حثت القيادة على مراجعة أدواتها. ففي الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، أنفق فرع “أيباك” أكثر من 30 مليون دولار لدعم النائبة هيلي ستيفنز، غير أنها خسرت السباق أمام المرشح المناهض للصهيونية عبدول السيد (عبد الرحمن السيد).
وفي الدائرة 11 بولاية نيوجيرسي، أدت الحملات الإعلانية لـ”أيباك” بطريقة غير مباشرة إلى إضعاف النائب السابق توم مالينوفسكي، مما فتح الطريق أمام فوز المرشحة التقدمية أناليا ميتشيا.
وأمام هذه التحديات، أكدت المتحدثة باسم المنظمة أن لجنة العمل السياسي المستقلة تظل الأداة الأكثر فاعلية لـ”إخضاع المرشحين المناهضين لإسرائيل”.
ومع استعداد المنظمة لخوض الاستحقاقات الانتخابية المقبلة لعامي 2026 و2028، والتي وصفها القادة بأنها من أكثر البيئات صعوبة وتعقيدا، تعهدت “أيباك” بمضاعفة جهود قاعدتها الجماهيرية وتجنيد موارد مالية غير مسبوقة.
وتمثل كل هذه التحولات داخل المنظمة المؤيدة للاحتلال الإسرائيلي إستراتيجية تضليلية تهدف إلى حماية المرشحين الموالين لها من الرفض الشعبي، وتمرير التمويلات الضخمة عبر قنوات غير مباشرة تضمن استمرار الامتداد السياسي داخل واشنطن خارج إطار الشفافية الرقابية.
المصدر: الجزيرة + الصحافة الأميركية + الصحافة الإسرائيلية



