بعد فوز دا سيلفا.. المعادن النادرة ورقة برازيلية للتفاوض بين الصين وأمريكا | أخبار سياسة

بعد تجاوز التأخر الانتخابي والفوز بولاية جديدة، يواجه لويس إيناسيو لولا دا سيلفا اختبار تحويل الانتصار إلى قدرة على الحكم، فاهتمام الصين والولايات المتحدة بثروة البرازيل من العناصر الأرضية النادرة يمنحه فرصة لتحسين شروط الشراكات الخارجية، في حين تضيّق المعارضة القوية في الكونغرس والولايات مساحة قراره الداخلي.
وتتوقف قيمة هذه الفرصة على كيفية إدارة الرئيس لبلد يعاني انقساما عميقا، وقدرته على تحويل التنافس على ثروته المعدنية إلى مكاسب صناعية، من خلال ربط التفاوض الخارجي ببرامج توسّع الإنتاج والتقدم التكنولوجي وفرص العمل داخل البلاد.
قصص مقترحة
قائمة من 2 العناصرنهاية القائمة
إذ تنقل صحيفة “ساوث تشاينا مورنينغ بوست” الصينية عن أندريه باغلياريني -الأستاذ المساعد للتاريخ والدراسات الدولية بجامعة ولاية لويزيانا– توقعه بأن تزداد الأهمية الإستراتيجية للعناصر الأرضية النادرة البرازيلية، وأن يسعى لولا إلى توظيف الاهتمام الصيني والأمريكي للحصول على أفضل الشروط الممكنة لبلاده.
لكن مساحة التفاوض الخارجي ستتحدد أيضا بقدرة الرئيس على تمرير قراراته الاقتصادية وحماية استمراريتها في ظل وجود أغلبية محافظة في الكونغرس، وأكثر من 12 حاكم ولاية من اليمين.

انتصار بحدود سياسية
ذكرت صحيفة “هوان تشيو” الصينية أن لولا حصل على 51.79% من الأصوات مقابل 48.21% لفلافيو بولسونارو، في حين احتفظ اليمين بمواقع قوية في الكونغرس وعدد من الولايات، وتكشف النتيجتان عن فجوة بين الفوز بالرئاسة وامتلاك أدوات الحكم، حيث سيتمكن دا سيلفا من التفاوض باسم البرازيل، لكنه سيحتاج إلى تفاهمات مع خصومه لتنفيذ خيارات تتعلق بالموازنات والإصلاحات.
ويرى الأستاذ المشارك في الدراسات البرازيلية بجامعة فلوريدا الدولية غيليرمي كازارويش -في مقال نشره موقع “آسيا تايمز”- أن الأغلبية المحافظة في الكونغرس ستجعل كل موازنة وإصلاح وتعيين موضوعا لمفاوضات صعبة.
ورغم أن النتيجة تكشف عن قوة الحشد الشعبي لدى التيار اليساري، فإن كازارويش يشير إلى أن التحالف الانتخابي لحملة دا سيلفا ضم ناخبين صوّت بعضهم ضد ما يمثله بولسونارو، وهو ما يجعل تحويل التأييد الانتخابي إلى دعم لبرنامج اقتصادي مهمة إضافية.
وتبرز أهمية ذلك عند الانتقال من إعلان الشراكات إلى تحديد شروطها، فالسعي إلى توسيع المعالجة المحلية أو نقل التكنولوجيا يحتاج إلى أولويات حكومية واضحة، وإلى قدرة على تأمين الالتزامات المرتبطة بها. فكلما تعثر التوافق الداخلي، ازدادت صعوبة تحويل الاهتمام الخارجي إلى مشروعات مستقرة.

المورد وحدود النفوذ
تمنح الثروة المعدنية البرازيل ورقة تفاوض، في حين يتوقف المكسب الصناعي على الأنشطة التي تستطيع الاحتفاظ بها داخل اقتصادها، فامتلاك الاحتياطيات يختلف عن امتلاك قدرات الاستخراج والمعالجة والتصنيع، ومن هنا يصبح مضمون الاستثمار أهم من الاكتفاء بحجمه.
ومن ثم فإن السؤال الذي يواجه دا سيلفا هو مقدار ما يمكن أن تقترن به الشراكات الخارجية من معرفة ووظائف وقدرات إنتاجية محلية، مقارنة بعائد تصدير المواد الأولية. ويجعل ذلك القيمة المضافة معيارا لاختبار نجاح التفاوض؛ فما الذي تستطيع البرازيل إنتاجه وتطويره نتيجة هذه الشراكات؟
ونقلت “ساوث تشاينا مورنينغ بوست” عن الأستاذ بجامعة هانغتشو التربوية والخبير بشؤون أمريكا اللاتينية جيانغ شي شويه توقعه استمرار التعاون مع الصين، خصوصا في مشروعات التكنولوجيا المتقدمة. ورأى أن ما تعده القيادة البرازيلية تدخلا أمريكيا في الحملة الانتخابية قد يوفر حافزا إضافيا لتعزيز العلاقات مع بكين.
ويفتح هذا الاتجاه مجالا لربط العلاقة الثنائية بالطموح الصناعي، في حين تبقى ترجمة التعاون إلى قدرات محلية رهنا بشروط المشروعات وتنفيذها.
شراكات دون اصطفاف
تبدو استمرارية العلاقة مع بكين موضع تفاؤل، فقد نقلت صحيفة “هوان تشيو” عن الباحث في المعهد الصيني للدراسات الدولية وانغ يومينغ قوله إن حكومة دا سيلفا تولي العلاقات مع الصين أولوية في السياسة الخارجية البرازيلية.
ولذلك “يمكننا أن نتوقع بوضوح وتفاؤل أن تحافظ العلاقات الصينية البرازيلية على زخمها السياسي والاقتصادي خلال السنوات الأربع المقبلة”، بحسب قوله.
في المقابل، يتوقع باغلياريني ألا يغيّر لولا توجهه الدولي جذريا، مؤكدا أن السياسة الخارجية المستقلة من المجالات التي لا يُنتظر أن يقدم فيها تنازلات، بحسب ما أوردته صحيفة “ساوث تشاينا مورنينغ بوست”.
حكومة دا سيلفا تولي العلاقات مع الصين أولوية في سياستها الخارجية، ويمكننا أن نتوقع بتفاؤل أن تحافظ العلاقات الصينية البرازيلية على زخمها السياسي والاقتصادي خلال السنوات الأربع المقبلة
ويكشف اختلاف التركيز عن خيارين يمكن الجمع بينهما من خلال الحفاظ على شريك قائم، وتوسيع القدرة على المفاضلة بين عروض الشركاء الآخرين. فتعميق التعاون مع بكين لا يستدعي افتراض القطيعة مع واشنطن، بينما تقاس جدوى التنويع بما يمنحه للبرازيل من شروط أفضل في التمويل والتكنولوجيا والإنتاج.
لكن الاستقلال الدبلوماسي يحتاج إلى إسناد داخلي، فكلما استطاعت الحكومة توضيح المكاسب المحلية للشراكات، تحسنت قدرتها في الدفاع عنها أمام معارضة تملك أدوات التأثير في قراراتها.
الصناعة والقاعدة الاجتماعية
تذكر وكالة الأنباء الصينية “شينخوا” أن ازدهار اقتصاد تصدير السلع الأساسية كان قد أنعش الخزينة الوطنية خلال ولايتي دا سيلفا الأوليين، مما ساعده على تنفيذ برامج اجتماعية بينها “محاربة الجوع” و”الإعانة الأسرية”.
كما أشارت إلى أنه كثيرا ما أعطى دا سيلفا الأولوية في سياسته الخارجية للجنوب العالمي والتكامل الإقليمي والاستقلال الإستراتيجي لأمريكا اللاتينية، رافضا تبعيتها للولايات المتحدة بوصفها “فناء خلفيا”.
ومع ذلك، فقد تراجعت القاعدة العمالية لحزب العمال بفعل انتشار اقتصاد العمل الحر، وتعمقت انقسامات الكونغرس، وأعادت وسائل التواصل الاجتماعي صياغة قواعد التواصل السياسي.
ويربط هذا التحول سياسة استثمار المعادن والعناصر النادرة بمستقبل التأييد السياسي، فالمكاسب الخارجية تحتاج إلى مستفيدين محليين يستطيعون لمس أثرها في العمل والدخل والفرص.
وهذا ما يتقاطع مع تشديد كازارويش -في مقال “آسيا تايمز”- على ضرورة صياغة خطاب سياسي جديد موجه إلى العمال الذين يعانون ظروفا اقتصادية هشة، مع أهمية تحويل الاستثمار إلى نشاط اقتصادي أوسع داخل البلاد.
وتخلص هذه القراءة للتقارير إلى أن دا سيلفا يمتلك فرصة لتحسين شروط الشراكات الخارجية، لكن استثمارها يتطلب التفاوض في الداخل والخارج معا، فالانقسامات ترفع تكلفة بناء سياسة صناعية، فيما قد تمنح نتائجها المحلية الحكومة داعما أكبر.
وسيكون الاختبار الحاسم مقدار ما تضيفه هذه الشراكات إلى قدرة البرازيل على الإنتاج ثم قدرة هذه الإضافة على بناء توافق يحميها من تقلبات الصراع السياسي.



