“المخبر الاقتصادي”.. كيف بنت إسرائيل شبكة امتيازاتها في أمريكا؟ | اقتصاد

في عام 2016، تعهدت أمريكا بتقديم 38 مليار دولار من المساعدات العسكرية لإسرائيل على مدى عشر سنوات مالية. رقم كبير، لكنه لا يختصر ما تمنحه العلاقة لتل أبيب: فالمعونة تشتري السلاح، بينما التعاون الأوسع يساعد في إنتاجه وإمداده، وتوفر السياسة الأمريكية حماية لا تقاس بقيمة الشحنات وحدها.
هذه الشبكة هي موضوع حلقة “المخبر الاقتصادي ” التي يقدمها أشرف إبراهيم (يمكن متابعتها كاملة عبر هذا الرابط). يتتبع فيها كيف تراكمت الامتيازات الإسرائيلية، ومن يحميها داخل أمريكا، ثم ينتقل إلى السؤال الذي يربط أجزاء الحلقة: ماذا يحدث لهذه المنظومة حين يتغير موقف الجمهور الأمريكي من إسرائيل؟
لا يقدم إبراهيم تراجع الشعبية بوصفه نهاية تلقائية للدعم. فبين رأي الناخب وقرار تسليح جيش أو استخدام الفيتو مؤسسات ومصالح وجماعات ضغط؛ وهي المسافة التي تحاول الحلقة تفسيرها.

أكثر من معونة
يوضح تقرير خدمة أبحاث الكونغرس أن مذكرة التفاهم تغطي السنوات المالية من 2019 إلى 2028، موزعة بين 33 مليار دولار من منح التمويل العسكري و5 مليارات للدفاع الصاروخي. لكنها ليست معاهدة ملزمة، وتظل الأموال رهنا باعتمادات الكونغرس.
وتكمن خصوصية الدعم أيضا في طريقة استخدامه. فبحسب التقرير، تتلقى إسرائيل أموال التمويل العسكري دفعة مبكرة تودع في حساب يدر فوائد. وتستفيد من ترتيب يتيح توزيع مدفوعات مشتريات عسكرية كبيرة على سنوات، بدلا من تسديد قيمتها كاملة عند التعاقد. بذلك تصبح المعونة المتوقعة أداة للتخطيط والتسليح طويل الأجل.
كما سمح استثناء بإنفاق جزء من الأموال على مشتريات دفاعية داخل إسرائيل، وهو ما تربطه الحلقة بتطوير الصناعة المحلية. لكن هذا الامتياز ليس مفتوحا إلى الأبد؛ فمذكرة التفاهم تنص على إنهائه تدريجيا بحلول السنة المالية 2028.
السلاح وشبكته
بعد المال، ينتقل أشرف إبراهيم إلى ما تحتاجه القوة العسكرية كي تعمل: الإمداد، والصيانة، والتدريب، والدفاع الصاروخي، ثم التعاون الاستخباراتي. وفي عرضه، لا تنتهي العلاقة بتسليم طائرة أو بطارية دفاع جوي؛ فالقدرة على استخدام السلاح واستمرار تشغيله جزء من قيمة التحالف.
ويقدم تقرير الكونغرس مثالا على هذا التشابك في برامج الدفاع الصاروخي، حيث تتداخل مساهمات البحث والتطوير مع الإنتاج المشترك، وتلزم ترتيبات التعاون بإنفاق جانب من أموال الإنتاج في أمريكا. إنها علاقة تصل بين الموازنات والمصانع والقدرات العسكرية، لا مجرد تحويل مالي من حكومة إلى أخرى.
وتشدد الحلقة على فصل فئات كثيرا ما تختلط في النقاش: المساعدة المالية ليست قيمة المشتريات، وهذه ليست بالضرورة قيمة الشحنات التي تصل أثناء الحرب. جمعها في رقم واحد قد يضخم الدعم أو يحسب الأموال نفسها أكثر من مرة.

تفوق محمي
لا تقف الامتيازات عند ما تستطيع إسرائيل شراءه؛ بل تمتد إلى ما تستطيع دول أخرى في المنطقة الحصول عليه.
فبحسب تقرير الكونغرس، يلزم القانون الأمريكي بتقييم أثر صادرات السلاح إلى دول الشرق الأوسط الأخرى على “التفوق العسكري النوعي ” لإسرائيل. والمقصود الحفاظ على قدرة عسكرية تتفوق في النوع والتكنولوجيا، لا الاكتفاء بمقارنة أعداد الجنود والطائرات.
ويشرح إبراهيم كيف يدخل هذا المعيار في حسابات صفقات الدول العربية. لكنه يميز بين النفوذ الإسرائيلي في النقاش وامتلاك إسرائيل حق نقض قانونيا على القرار الأمريكي؛ كما ينبه إلى أن وثيقة تعرض مطالب إسرائيل لا تثبت، بمجرد وجودها، أن واشنطن نفذت تلك المطالب.

اقتصاد وحماية
وتوسع الحلقة النظر إلى التجارة والاستثمار والتكنولوجيا وضمانات القروض. فبعض أوجه العلاقة يتيح التمويل أو يخفض كلفته من دون أن يكون منحة نقدية.
ويشرح تقرير الكونغرس أن ضمانات القروض مساعدة غير مباشرة، تمكن إسرائيل من الاقتراض التجاري بفائدة أقل. لذلك لا يصح إدراج قيمة القروض المضمونة كما لو كانت أموالا أمريكية منحت لإسرائيل.
أما الحماية الدبلوماسية فتظهر في قرارات لا يعوضها المال. ففي 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، استخدمت أمريكا حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي للمرة الخامسة ضد مشروع قرار رعته الدول العشر المنتخبة يطالب بوقف فوري وغير مشروط ودائم لإطلاق النار في غزة، رغم تصويت الأعضاء الـ14 الآخرين لمصلحته، وفق الأمم المتحدة. وبررت المندوبة الأمريكية الاعتراض، من بين أسباب أخرى، بعدم ربطه المباشر بالإفراج الفوري عن المحتجزين وإدانة حركة حماس.
هذه طبقة أخرى في حجة الحلقة: الدعم لا يزيد قدرة إسرائيل العسكرية فقط، بل يؤثر أيضا في البيئة السياسية التي تستخدم فيها تلك القدرة.
من يحمي الدعم؟
يعيد مقدم برنامج “المخبر الاقتصادي ” استمرارية هذه المنظومة إلى شبكة أوسع من علاقة رئيس أمريكي برئيس حكومة إسرائيلي. ففيها الكونغرس وجماعات الضغط والمتبرعون وقواعد انتخابية مؤيدة لإسرائيل، إلى جانب المصالح الأمنية والمؤسسية.
وتلتقي هذه القراءة مع دراسة لمعهد “كوينسي ” تميز بين نشاط منظمات أمريكية، مثل لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية “أيباك ” ومنظمة “المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل “، وبين حملات تتعاقد عليها الحكومة الإسرائيلية مباشرة. التشابه في المواقف لا يجعل الطرفين جهة واحدة، ولا يجعل تمويل المنظمات الأمريكية تمويلا حكوميا إسرائيليا.
وفي تفسير “المخبر الاقتصادي “، تزداد فاعلية الجماعات المنظمة حين تكون القضية أولوية لأعضائها، بينما لا تحتل الموقع نفسه عند قطاعات واسعة من الناخبين. لكن هذه المعادلة تصبح أصعب عندما يتحول الملف إلى موضوع يراقبه الجمهور ويحاسب السياسيين عليه.

جمهور يتغير
هنا تستعين الحلقة باستطلاعات الرأي، وأبرزها بيانات مؤسسة “غالوب ” التي وثقت تحولا تاريخيا غير مسبوق بتفوق معدلات التعاطف مع الفلسطينيين على كفة إسرائيل، لا سيما بين القواعد الشعبية للحزب الديمقراطي وجيل الشباب والناخبين المستقلين، بما عكس تآكل الإجماع التقليدي حول تل أبيب داخل الأوساط التقدمية.
وتشير غالوب أيضا إلى أن تقلص الفجوة بدأ عام 2019، قبل انطلاق عملية طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما تلاها من حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية على قطاع غزة. لذلك لا يصح تفسير المسار كله بحدث واحد، أو مساواة التعاطف مع أحد الطرفين بالموقف من الحكومة الإسرائيلية أو من المساعدات الأمريكية.
ويربط أشرف إبراهيم تسارع النقاش بصور غزة التي نقلها الفلسطينيون وبقدرة وسائل التواصل على إيصالها إلى الجمهور. وهذه قراءة يقدمها لتفسير التحول، وليست نتيجة تثبتها مقارنة نسب الاستطلاع وحدها.
وفي حساباته السياسية، يصبح السؤال مزدوجا: لم يعد السياسي في بعض الدوائر يحسب كلفة معارضة إسرائيل فقط، بل كلفة تأييدها أيضا. وهو لا يقول إن القوة بين الاتجاهين تساوت أو إن نفوذ إيباك اختفى.

معركة الصورة
ينتقل الجزء الأخير إلى محاولات التأثير في الجمهور: المنصات الرقمية، وملكية المؤسسات الإعلامية، والحملات الحكومية.
وفي ملف تيك توك، يوضح إعلان الشركة عن المشروع المشترك الأمريكي أن “أوراكل ” و “سيلفر ليك ” و “إم جي إكس ” تمتلك كل منها 15%، بينما تحتفظ “بايت دانس ” بنسبة 19.9%. ويمنح الترتيب الكيان الجديد صلاحيات تتعلق بحماية البيانات والخوارزمية والإشراف على المحتوى الأمريكي. لكنه لا يثبت، بذاته، أن الحكومة الإسرائيلية أصبحت تتحكم في المنصة أو في قراراتها التحريرية.
أما دراسة كوينسي فتتبع جانبا مختلفا: تعاقدات حكومية إسرائيلية مباشرة مع شركات علاقات عامة ومؤثرين وأدوات رقمية، تستهدف خصوصا المحافظين والإنجيليين والشباب. وتشرح الدراسة أن هذه الحملات تسعى إلى استعادة التأييد، مع بقاء أدوات الضغط السياسي التقليدية قائمة.
وفي مواجهة هذا القلق، تعرض الحلقة قراءة لتامير هايمان، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية ومدير معهد دراسات الأمن القومي، يحذر فيها من تصور أمني متشكل يرى الابتعاد عن أمريكا ضرورة. وهايمان لا يدعو إلى هذا المسار؛ بل يطرح مخاطره للنقاش.
اختبار الفلسطينيين
بعد هذه الرحلة، يعيد مقدم “المخبر الاقتصادي ” السؤال إلى من دفعوا الكلفة الإنسانية للحرب. فالفلسطينيون، كما يشدد في الخاتمة، لم يكونوا يسعون إلى تحسين استطلاع رأي أو منح دول أخرى أوراق تفاوض، بل إلى العيش والنجاة وحماية حقوقهم.
وهنا يتوقف المقال عند الاختبار الذي تتركه الحلقة مفتوحا: تغير صورة إسرائيل عند الأمريكيين تطور مهم، لكن أثره على الفلسطينيين يتحدد بما ينتجه من قرارات، لا بما يسجله من تعاطف وحده.



