الأخبار

غرفة أخبار بلا صحفيين.. كيف يصنع الذكاء الاصطناعي إعلاما وهميا؟ | تكنولوجيا


“كان حامل القلم كحامل السيف في يمين كليهما سلاح ماضٍ”، كتب أنطون الجميل، مُنشئ مجلة “الزهور” في القاهرة، مؤكدا أن “ليس كل من هز اليراع بكاتب “، وأن الصحافة ينبغي أن تكون “شجرة الحقيقة يُغرد على أفنانها الكتّاب الصادقون “.

لكن هذه الصورة التقليدية للصحافة تواجه اليوم اختبارا جديدا، إذ بات الذكاء الاصطناعي قادرا على اصطناع القلم وكاتبه، وإنشاء مواقع تحاكي المؤسسات الإعلامية، وإنتاج آلاف المواد الإخبارية من دون صحفيين حقيقيين.

قصص مقترحة

قائمة من 2 العناصرنهاية القائمة

فبعد أن كانت الصحافة تقوم على جمع المعلومات والتحقق منها ومساءلة مصادرها، أصبح بالإمكان إنشاء منظومة إخبارية كاملة تبدو حقيقية في ظاهرها، تضم مواقع وكتّابا بهويات وسير مهنية مزيفة، وتضخ محتوى بكميات ضخمة، من دون أن تكون وراءها بالضرورة غرفة أخبار حقيقية أو عملية تحريرية مسؤولة.

ولا يقتصر الخطر على نشر المعلومات المضللة وتوسيع نطاق انتشارها، بل يمتد إلى تقويض ثقة الجمهور بالأخبار، حين يصبح التمييز بين مؤسسة صحفية حقيقية وأخرى مصطنعة، وبين محتوى يستند إلى التحقق وآخر يحاكي الصحافة من دون الالتزام بمعاييرها، أكثر صعوبة.

آلاف المواقع الوهمية

لم تعد المواقع الإخبارية التي ينتج الذكاء الاصطناعي محتواها ظاهرة محدودة أو حالات متفرقة، بل باتت جزءا من منظومة أخذت في الاتساع، تجمع بين الإنتاج الكثيف للمحتوى، وانتحال الهويات الصحفية، والسعي إلى استقطاب الجمهور وتحقيق الأرباح.

  المواقع الإخبارية المولدة بالذكاء الاصطناعي تنتج آلاف المقالات يوميا، مستعينة بهويات صحفية مصطنعة لاستقطاب الجمهور وتحقيق إيرادات إعلانية.(بيكسل)
المواقع الإخبارية المولدة بالذكاء الاصطناعي تنتج آلاف المقالات يوميا، مستعينة بهويات صحفية مصطنعة لاستقطاب الجمهور وتحقيق إيرادات إعلانية (بيكسل)

ففي تحقيق نشرته الرابطة العالمية للناشرين الإخباريين (WAN-IFRA) في يوليو/تموز 2026، كشف الصحفي الاستقصائي الفرنسي جان مارك ماناش أنه رصد، على مدار عامين، أكثر من 15 ألف موقع إخباري مولد بالذكاء الاصطناعي باللغة الفرنسية وحدها، ونحو 1500 موقع بالإنجليزية، إضافة إلى مئات المواقع بلغات أخرى.

وفي إحصاء مستقل، أحصت مؤسسة “نيوز غارد” (NewsGuard)، المتخصصة في تقييم مصداقية المصادر الإخبارية، 3749 موقعا إخباريا ومعلوماتيا ضمن ما تصفه بمزارع المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، موزعة على 16 لغة، وفق آخر تحديث لبياناتها في 23 يونيو/حزيران 2026.

ولا تعني هذه الأرقام أن كل موقع يستخدم الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتواه يدخل ضمن هذه الفئة، إذ تركز “نيوز غارد ” على مواقع تنتج قدرا كبيرا من المحتوى المولد آليا من دون إشراف بشري يذكر، وتبدو للقارئ كأنها مؤسسات إخبارية يكتبها أشخاص، من دون إفصاح واضح عن طبيعة المحتوى.

ولا تقتصر هذه المواقع على نشر نصوص آلية، بل قد تنشئ واجهة لمؤسسة إعلامية متكاملة، بأسماء صحفيين وسير مهنية وصور شخصية تبدو حقيقية، في حين تعيد إنتاج أخبار منشورة في مصادر صحفية قائمة أو تعيد صياغتها من جديد باستخدام الذكاء الاصطناعي.

ووفق تحقيق الرابطة العالمية للناشرين الإخباريين، تستهدف نسبة كبيرة من هذه المواقع جذب الزيارات من محركات البحث ومنصات التوصية، بما يتيح تحقيق إيرادات إعلانية من محتوى يمكن إنتاجه بكميات كبيرة وبتكلفة محدودة. وقد رصد ماناش مشغلين ينشرون مئات المقالات يوميا، أحيانا عبر نسخ متعددة من الخبر نفسه، لزيادة فرص ظهوره أمام الجمهور.

وتستند هذه الأرقام إلى منهجيات وقوائم رصد مختلفة، ولا تمثل إحصاء موحدا لجميع المواقع من هذا النوع. لكنها تكشف أن المسألة تتجاوز استخدام الذكاء الاصطناعي للمساعدة على الكتابة، إذ يمكن توظيفه لبناء واجهة صحفية كاملة، من الموقع والكاتب إلى تدفق الأخبار، من دون أن تعكس هذه الواجهة بالضرورة وجود غرفة أخبار حقيقية أو عملية تحريرية مسؤولة.

غرفة أخبار في 15 دقيقة

وتتضح ملامح هذه الظاهرة بصورة أكثر في تجربة موقع إخباري في ولاية فلوريدا الأمريكية، لم يكتف بنشر محتوى مولد بالذكاء الاصطناعي، بل أنشأ واجهة مؤسسة صحفية متكاملة، بكتاب وهميين وسير مهنية مصطنعة.

فقد كشف تحقيق نشرته “ذا فلوريدا تريب” (The Florida Trib) بالتعاون مع إذاعة “دبليو جي سي يو” (WGCU) في مايو/أيار 2026، أن موقع “ساوث فلوريدا ستاندرد” (South Florida Standard) نشر مواد إخبارية تحت أسماء صحفيين تبين أنها شخصيات مصطنعة، ومن بينهم “صوفيا ديلغادو”، التي أُرفقت باسمها صورة وسيرة مهنية يوحيان بأنها صحفية حقيقية. كما تبين أن الموقع استخدم مواد من مصادر صحفية قائمة، أعيد صياغتها باستخدام الذكاء الاصطناعي.

تحقيق صحفي كشف أن موقعا إخباريا في فلوريدا استخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء صحفيين وهميين وسير مهنية مصطنعة ونشر مقالات أعيدت صياغتها من مصادر إعلامية قائمة.(بيكسل)
تحقيق صحفي كشف أن موقعا إخباريا في فلوريدا استخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء صحفيين وهميين وسير مهنية مصطنعة ونشر مقالات أعيدت صياغتها من مصادر إعلامية قائمة (بيكسل)

وبدأت القضية تتكشف عندما أثار صحفيو “ذا فلوريدا تريب” أسئلة بشأن هوية العاملين في الموقع ومصداقيته. وبعد توجيه استفسار للقائمين عليه، حُذفت السير الذاتية للصحفيين المزعومين، ثم أُغلق الموقع.

وأظهر التحقيق مدى سهولة إنشاء واجهة إخبارية من هذا النوع، إذ قدم درو تشابين، مؤسس شركة لإدارة السمعة على الإنترنت (The Discoverability Company)، نموذجا لموقع أمكن إنشاؤه خلال نحو 15 دقيقة، يتضمن هوية بصرية وصفحات تعريفية وصحفيين وهميين ومقالات، باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي ونطاق إنترنت منخفض التكلفة.

وتناولت التجربة إمكانية إنشاء حضور إخباري على الإنترنت ومحاولة الظهور في نتائج محركات البحث، لكنها كشفت أيضا أن بناء موقع يبدو صحفيا لا يضمن نجاحه في الوصول إلى الجمهور أو تحقيق حضور فعلي في تلك النتائج.

من تزييف الأخبار إلى تزييف البيئة الإعلامية

يرى سام غريغوري، الخبير في التضليل باستخدام الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، والباحث الزائر في الجامعة الأمريكية، أن هذا التحول يغير نطاق ما ينبغي التحقق منه. فبدلا من التركيز على صحة الأخبار، بات من الضروري التدقيق في المواقع بأكملها والجهات التي تقف وراءها، في وقت أصبح فيه إنتاج محتوى شديد الواقعية، بل ومنظومات متكاملة منه، أسهل من أي وقت مضى.

ويشير غريغوري، في حديثه للجزيرة نت، إلى تفاوت واضح بين سهولة إنشاء موقع إخباري يبدو موثوقا وتعبئته بنصوص وصور اصطناعية، وصعوبة التحقق من مصداقية الموقع ومحتواه معا. ويحذر من أن هذا واقع ينقلنا من التعامل مع حوادث تضليل منفصلة إلى حالة من “الشك وعدم اليقين المستمرين” في البيئة المعلوماتية اليومية.

سام غريغوري يحذر من أن سهولة إنشاء مواقع إخبارية بهويات ومحتوى اصطناعيين تنقل التضليل من أخبار منفردة إلى حالة من "الشك وعدم اليقين المستمرين". (حساب غريغوري على لينكد إن)
سام غريغوري يحذر من أن سهولة إنشاء مواقع إخبارية بهويات ومحتوى اصطناعيين تنقل التضليل من أخبار منفردة إلى حالة من “الشك وعدم اليقين المستمرين” (حساب غريغوري على لينكدإن)

وفي ظل هذا الغموض، قد يرفض البعض، بحسب غريغوري، تقارير صحفية حقيقية أو مقاطع فيديو أصلية أو روايات صحيحة، بحجة أنها مولدة بالذكاء الاصطناعي، لمجرد أنها لا تتوافق مع مصالحهم أو ما يريدون تصديقه. وهنا تكمن المفارقة، إذ لا يقتصر الخطر على تصديق الزائف، بل يشمل أيضا رفض الحقيقي باعتباره زائفا، لأن التمييز بينهما لم يعد أمرا يسيرا.

حين يصبح الحقيقي موضع شك

يمتد الخطر إلى ما هو أبعد من احتمال تصديق الجمهور معلومات زائفة، إذ قد يؤدي انتشار المواقع الإخبارية الاصطناعية إلى تراجع الثقة بالصحافة الموثوقة أيضا.

ويحذر غريغوري من أن الناس باتوا يواجهون صعوبة متزايدة في تصديق ما يرونه ويسمعونه في المحتوى السمعي البصري، فضلا عن حاجتهم إلى بذل جهد أكبر للتأكد من أنهم يطالعون مؤسسات إخبارية حقيقية، لا مواقع آلية منحازة سياسيا تنتج محتوى إخباريا رديئا ومضللا، ويُعرف هذا النمط في الأدبيات الإعلامية باسم “صحافة اللحم الوردي” (Pink Slime Journalism)، وهو مصطلح يصف مواقع تحاكي الصحف والمؤسسات الإخبارية، لكنها تفتقر إلى المعايير التحريرية والشفافية المتوقعة من الصحافة المهنية.

ويؤكد أن الوصول إلى موقف يقوم على “عدم تصديق أي شيء” ليس نتيجة جيدة للمجتمع، فالمشكلة لا تقتصر على احتمال تمرير المعلومات الزائفة، بل تشمل أيضا تهيئة بيئة يصبح فيها التشكيك في المعلومات الصحيحة أمرا سهلا.

وتزداد المشكلة تعقيدا لأن أنظمة العثور على الأخبار نفسها أصبحت عرضة للتشويش. ويوضح غريغوري أن المواقع الإخبارية الاصطناعية بدأت تظهر في الفهارس، ويُستشهد بها وتُقدم ملخصاتها ضمن نتائج محركات البحث ومحادثات نماذج اللغة الكبيرة (LLMs)، جنبا إلى جنب مع المحتوى الموثوق والقائم على الحقائق.

وبذلك، تختلط المعلومات الزائفة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، سواء لتحقيق مكاسب تجارية أو لأغراض دعائية تضليلية، بالمحتوى الحقيقي الذي يستقي الجمهور منه معرفته بالأحداث.

غريغوري يحذر من أن المواقع الإخبارية الاصطناعية تشوش نتائج البحث ومخرجات الذكاء الاصطناعي، وتخلط المحتوى المضلل بالأخبار الموثوقة، مما يستدعي تعزيز التحقق وإسناد المعلومات إلى مصادرها الأصلية.(بيكسل)
غريغوري يحذر من أن المواقع الإخبارية الاصطناعية تشوش نتائج البحث ومخرجات الذكاء الاصطناعي، وتخلط المحتوى المضلل بالأخبار الموثوقة (بيكسل)

ولمواجهة هذا التحدي، يدعو غريغوري المؤسسات الإخبارية والصحفيين إلى العمل على 3 مستويات متوازية.

أولها مستوى المحتوى الفردي، من خلال توفير بيانات موثوقة عن مصدر المحتوى وأصله (Provenance)، تتيح إنشاء سجل قابل للتحقق يوضح كيفية إنتاج صورة أو مقطع فيديو أو مقال، ومن أنشأه أو كتبه.

وثانيها المستوى المنظومي، عبر العمل على ضمان إسناد واضح ومستمر للمصادر داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي القائمة على نماذج اللغة الكبيرة، حتى لا تضيع أصوات الصحافة المهنية وسط خليط من المصادر الموثوقة والمشكوك فيها.

أما المستوى الثالث، فيتعلق ببناء علاقة مباشرة مع الجمهور خارج منظومة الذكاء الاصطناعي، عبر النشرات البريدية والتطبيقات الخاصة بالمؤسسات والحضور الميداني، بما يساعد المؤسسات الصحفية على الحفاظ على صلتها بجمهورها بدلا من الاعتماد الكامل على المنصات والأنظمة الوسيطة للوصول إليه.

ويختصر غريغوري جوهر التمييز بين الصحافة المهنية والمواقع التي تحاكيها في مبدأ المساءلة. فالصحافة الأخلاقية تلتزم بالحقائق، وتستند إلى عملية تحريرية واضحة، ويقف وراءها أشخاص حقيقيون وإجراءات فعلية للتحقق من المعلومات وتصحيح الأخطاء.

في النهاية، إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرا على اصطناع موقع إخباري وصحفيين ومقالات في دقائق، فإن التحدي لم يعد يقتصر على كشف الخبر الزائف، بل يمتد إلى معرفة من يقف وراءه، ومن يتحمل مسؤولية نشره، ومن يصححه حين يتضمن معلومات مضللة.

فالقلم، ربما، يمكن اصطناعه، والكاتب، ربما، يمكن تزييفه، والموقع قد يبدو كأنه مؤسسة صحفية مكتملة، لكن ما لا تصنعه الواجهة المزعومة هو الثقة، تلك التي لا تُبنى بكثرة الأخبار، ولا ببراعة المحاكاة، بل بالتحقق والمساءلة والالتزام بالحقيقة.



Source link

Ahmed Hemdan

كاتب وصحفي إخباري شغوف بالرصد الميداني والرقمي، متخصص في اقتناص الخبر لحظة وقوعه وصياغته بمهنية وموضوعية عالية. يمتلك حسّاً صحفياً فريداً لتمييز الأخبار العاجلة والمهمة ومتابعة تفاصيلها أولاً بأول من مصادرها الموثوقة. يسعى دائماً ليكون الحلقة الأسرع والأكثر دقة في نقل المعلومة للقارئ، مع الالتزام بقواعد النشر الرقمي وسرعة الأرشفة لتغطية كافة الأحداث والتوجهات الجديدة فور ظهورها، ليبقى متابعو الموقع في قلب الحدث على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى