“قساطل”.. كوميديا جافة عن العطش والوحدة وتأجيل الشيخوخة | فن

تم النشر بتاريخ 26/10/2026
يعود المخرج اللبناني كريم قاسم في أحدث أفلامه “قساطل” (Pipes) إلى القرية التي عرفناها من قبل في فيلمه السابق “موندوف” (Moondove)، غير أنه هذه المرة يضيق عدسته على شخصية لفتت الأنظار عندما كانت جزءا بسيطا من نسيج الحكاية القديمة، ويمنحها في هذا الفيلم مساحة لم تحصل عليها من قبل، حسان العامل في شركة المياه، المتذمر دائما، والساخر الممتعض من كل ما يحيط به.
عُرض “قساطل” للمرة الأولى ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي عام 2026، حيث فاز بطله غسان سعد بجائزة أفضل ممثل، قبل مشاركته في المسابقة الروائية الطويلة بمهرجان الجونة السينمائي في دورته التاسعة.
قرية تختبئ من العالم وتعيش أزماته
تدور أحداث “قساطل” و”موندوف” في قرية صورها كريم قاسم كما لو أن الزمن فقد فيها سطوته، بيوت قديمة تتوارى بين تضاريس الطبيعة، وحياة تنساب وفق إيقاع يومي بطيء، فيما يشكل كبار السن أغلبية سكان المكان، مع إحساس بأن هذه البقعة الصغيرة تحيا على مسافة من العالم الذي يتبدل خارجها، كما لو أن الحروب والأزمات الكبرى تحدث في جهة أخرى، وتخص أناسا آخرين. غير أن هذا الهدوء يحمل في داخله أوجاعه الخاصة، وتظهر هشاشته مع أزمة المياه التي تضغط على السكان، وتعيد تنظيم تفاصيل حياتهم حول مورد أساسي أصبح الوصول إليه مشقة يومية.
قصص مقترحة
قائمة من 2 العناصرنهاية القائمة
يختار الفيلم إيقاعا يتناسب مع هذه الحياة المعلقة التي يحكمها التكرار، ويركز على اللحظات اليومية التي تكشف عن طبيعة المجتمع وأزماته، والعزلة التي تلفه، فيفتتح بمشهد لبطله حسان (غسان سعد)، العامل السابق في شركة المياه، الذي يستيقظ وحيدا في منزله المعلق فوق الجبل. يتناقض جمال المكان مع وجه حسان القانط من الحياة، غير أن قنوطه هذا لا يمنعه من ارتداء ملابس العمل القديمة فوق ملابس المنزل، والخروج في جولته اليومية في القرية. يخبرنا الفيلم بعد دقائق أن جزءا من ملامح حسان اليائسة يرجع إلى موت رضا، العامل البنغلاديشي الذي مثل مزيجا من الزميل والصديق له، ويصبح غيابه جزءا أساسيا من حبكة الفيلم بعد ذلك.
ورغم العزلة التي تلف القرية، كما لو أنها مكان سحري من روايات غابرييل ماركيز، فإن أزمات العالم الخارجي تصلها بشكل أو بآخر، مثل ارتفاع الأسعار يوما بعد يوم، أو ارتفاع سعر البنزين، فيضطر حسان إلى ملء خزان سيارته بدولارين فقط، وبالطبع، فوق كل ذلك، مشكلة الجفاف التي لا تُحل رغم كل محاولات حسان ورفاقه.
القساطل.. شبكة خفية تربط القرية بعضها ببعض
تحتل أنابيب المياه في عالم الفيلم موقعا يتجاوز وظيفتها المباشرة، فهي جزء من البنية الخفية التي تستند إليها حياة القرية، ولا ينتبه أحد إلى وجودها إلا حين تتعطل أو يختل مسارها، وتصبح هذه الأنابيب في الفيلم المركز الذي تتقاطع عنده حكايات السكان، كما لو أن امتداداتها تحت الأرض خيوط غير مرئية تربط البيوت وأصحابها، وتكشف عن شبكة من العلاقات لا تظهر كاملة إلا عندما تتعرض الحياة للاضطراب.
ينعكس ذلك على حسان نفسه، فالرجل الذي تقاعد من شركة المياه لم يغادر الدور الذي اعتاد أداءه بين أهل القرية، وما زال يحمل خبرته القديمة، ويتدخل لحل المشكلات، ويتعامل مع الخلل كمسؤولية تقع على عاتقه حتى لو تذمر منها طوال الوقت.
تمتد معرفة حسان بالأنابيب إلى معرفته بالمكان وسكانه؛ فهو، نتيجة لمحاولاته لإصلاح القساطل ومعالجة مشكلات غياب المياه المستمرة، يدخل إلى المنازل بدعوة من سكانها، ويجلس ويتحاور ويشرب الشاي. ولذلك، عندما يشتبه في مقتل رضا، بدلا من الاعتقاد السائد بأن موته مجرد حادث، يستغل هذه المعرفة بجيرانه وسكان القرية في تحقيق فردي يقوم به.
يمنح موت رضا الفيلم مسارا سرديا جديدا، عندما يبدأ حسان وصديقه نجيب في البحث عن الحقيقة، كما لو أن المخرج يتجه بنوع الفيلم إلى أفلام التحقيق والتشويق، مع الاحتفاظ بالإيقاع المتأني الذي يحكم عالم الفيلم. ومن ثمّ، تغيب المطاردات والمواجهات الصاخبة، وتظهر فقط الشكوك ومحاولات حسان قراءة تصرفات جيرانه وتأويل ما يعرفه عنهم، لتنبع الكوميديا من هذا التداخل بين جدية المهمة ومحدودية أدوات صاحبها.
حسان.. رجل يرفض العالم تقاعده من حياته القديمة
يمنح كريم قاسم حسان مركز الحكاية، من دون أن يحمله صفات البطل التقليدي، فهو رجل عادي، محدود الحيلة أحيانا، وسريع التذمر، يحمل على وجهه آثار عمر طويل، ويبدو كأنه فقد شيئا من رغبته في الحياة، فيما يستمر في أداء واجباته اليومية بدافع يصعب عليه هو نفسه تفسيره.
تتشكل الشخصية من هذه التناقضات الصغيرة؛ حسان المرهق من مشكلات القرية يواصل التدخل لحلها، وجولاته اليومية التي بالكاد يملك ثمن البنزين لتمويلها هي وسيلته الوحيدة للبقاء على صلة بالعالم.
تكتسب هذه التناقضات عفوية نادرة عبر أداء غسان سعد، فالممثل لا ينشغل بإظهار حزن الشخصية أو شرح وحدتها، ويتركهما يتسربان من حركاته ونبرته وطريقته في التعامل مع المواقف، مع كوميديا تنشأ من جديته المفرطة أحيانا، ومن التباين بين ضيقه الواضح من مسؤولياته وسكان القرية، واستمراره في تحملها.
تتضح أهمية هذا الأداء عند النظر إلى تجربة غسان سعد نفسه؛ فقد ظهر في “موندوف” في دور محدود، قبل أن يمنحه “قساطل” البطولة السينمائية، وقد بدا اختياره في الدور منسجما مع عالم كريم قاسم الذي يستمد جزءا محوريا من قوته من الوجوه غير المصقولة وفق تقاليد النجومية.
يجد حسان إجابة السؤال الذي يطرحه العديد من المسنين بعد التقاعد، والذي يتمثل في “ماذا نفعل في الباقي من حياتنا؟”، في الحركة المستمرة، وإصلاح ما يمكن إصلاحه، وأخيرا البحث عن حقيقة موت صديقه. ويقاوم الوحدة المؤلمة لغياب ابنته الوحيدة عبر هذه المهام الصغيرة، كي يؤجل مواجهته اليومية مع الفراغ في المنزل المتسع والبارد، رغم وجود الألحفة والأغطية في كل غرفة من غرفه.



