ما الذي يريده نتنياهو من تحريضه على الجزيرة؟ | سياسة

تم النشر بتاريخ 7/10/2026
|
آخر تحديث: 17:02 (توقيت مكة)
منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، لم يتعامل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو مع الجزيرة بوصفها وسيلة إعلام أجنبية فحسب، بل نقلها في خطابه إلى خانة “التهديد الأمني” وربطها بحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وخسارة إسرائيل معركة الرواية، ودفع نحو إغلاق مكاتبها وحجب بثها ومصادرة معداتها.
ففي الأول من أبريل/نيسان 2024، وبعد إقرار ما عُرف في إسرائيل بـ”قانون الجزيرة” قال نتنياهو إن القناة “أضرت بأمن إسرائيل” واتهمها بأنها “شاركت بصورة فاعلة” في هجوم 7 أكتوبر و”حرّضت ضد جنود الجيش (الإسرائيلي)” ووصفها بأنها “بوق حماس” و”قناة إرهاب” ووفق “يديعوت أحرونوت-واي نت” متعهدا بالتحرك فورا لوقف نشاطها.
قصص مقترحة
قائمة من 2 العناصرنهاية القائمة
وأقر الكنيست هذا القانون بأغلبية 71 نائبا مقابل 10، مانحا الحكومة، استنادا إلى رأي أمني، صلاحيات إغلاق مكاتب قناة أجنبية، ومصادرة معداتها، وإزالتها من منصات البث، وحجب مواقعها.
وفي 5 مايو/أيار 2024، أقرت الحكومة بالإجماع اقتراح نتنياهو ووزير الإعلام شلومو كرعي بوقف نشاط الجزيرة، وبعد ساعات داهمت الشرطة موقع عمل القناة بفندق أمباسادور في القدس الشرقية وصادرت معداتها.

لكن القرار كشف في اللحظة نفسها حدود الحملة. فقد أفاد يارون أبراهام في القناة 12 بأن رئيس الموساد وجهات مهنية أوصوا بتأجيل الإغلاق إلى حين استنفاد مفاوضات الأسرى، خشية أن يؤدي استهداف الجزيرة إلى إبعاد الدوحة في لحظة تفاوضية حساسة، بينما أصر نتنياهو والوزير رون ديرمر على تنفيذ القرار.
وفي 2 أبريل/نيسان 2024، تساءل تحليل نشرته “يديعوت أحرونوت” بقلم إسرائيل ويلمان وألكسندرا لوكاش عما إذا كان إغلاق الجزيرة “ورقة مساومة أمام قطر” ونقل الكاتبان عن مصادر سياسية تقديرها أن التهديد بالقناة قد يكون وسيلة لدفع الدوحة إلى زيادة الضغط على حماس، لكن التقرير أشار إلى أن القانون يستطيع تعطيل المكاتب والبث عبر الشركات الإسرائيلية، من دون أن يمنع الجمهور من مشاهدة الجزيرة عبر الإنترنت ويوتيوب.
معركة الرواية
ولم يحصر نتنياهو خطابه في الجانب الأمني، بل قدّم الجزيرة باعتبارها أداة تؤثر في مكانة إسرائيل الدولية، ففي مايو/أيار 2025، نقلت “يديعوت أحرونوت” عنه اتهامه قطر بنشر ما سماه “التعفن” المعادي لإسرائيل في الجامعات الأميركية، وربطه بالجزيرة العربية التي قال إنها تروّج “معاداة أميركا ومعاداة الصهيونية”.
وفي سبتمبر/أيلول 2026 وسّع الاتهام من الشبكة إلى دولة المقر، فقال أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إن قطر تسعى إلى “غسل أدمغة” الشباب كي يكرهوا إسرائيل والولايات المتحدة والغرب، ويكشف هذا الانتقال أن الجزيرة لم تعد في رواية نتنياهو مجرد محطة تلفزيونية، بل صارت جزءا من تفسير سياسي لتراجع صورة إسرائيل عالميا.

وفي سبتمبر/أيلول 2024 داهم الجيش الإسرائيلي مكتب الجزيرة في رام الله وأمر بإغلاقه 45 يوما، وصادر معدات ووثائق ومنع الصحفيين من العمل من المكتب.
وفي واقعة أخرى، صودر في مايو/أيار 2024 بث لوكالة أسوشيتد برس لأن الجزيرة كانت من بين الذين يستخدمونه، قبل أن تتراجع إسرائيل تحت ضغط أميركي. وبذلك تجاوز القانون القناة نفسها، وأثار نقاشا أوسع حول حدود سلطة الحكومة على وسائل الإعلام الأجنبية.
وسيط لا غنى عنه
في المقابل، كانت دولة قطر تؤدي وظيفة لا تستطيع إسرائيل إلغاءها بالخطاب، ففي الأيام الأولى للحرب وصف رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي آنذاك تساحي هنغبي جهود الدوحة بأنها “حاسمة”. ومع توالي جولات التفاوض، ثبت أن قطر، إلى جانب مصر والولايات المتحدة، من الجهات القليلة القادرة على نقل الرسائل إلى قيادة حماس والمشاركة في بلورة صفقات تبادل ووقف إطلاق النار.
ويرى معهد دراسات الأمن القومي أن قرب قطر من قيادة حماس منحها “تأثيرا حاسما” في الحركة ومفاوضات الأسرى، وجعلها وسيطا يصعب تجاوزه. وفي مقال نشرته القناة 12 يوم 29 يوليو/تموز 2026، حذر الباحث يوئيل غوزانسكي من الدعوات إلى إعلان قطر “دولة عدو” معتبرا أنها تستضيف حماس وتتصادم مع إسرائيل، لكنها في الوقت نفسه “وسيط ضروري” وشريك في مصالح إقليمية محددة.
وهذه الازدواجية ظهرت أيضا في خطاب نتنياهو نفسه، ففي 4 مايو/أيار 2025 طالب قطر بأن تختار “بين الحضارة وبربرية حماس” لكنها بقيت في المسار التفاوضي، وبعد ذلك لم يقطع علاقته بالدوحة، لأنه كان يعرف أن الضغط عليها لا يساوي الاستغناء عنها، ولذلك أمكنه التصعيد ضد الجزيرة من جهة، والاحتفاظ بقناة الاتصال القطرية من جهة أخرى.
قصف الدوحة
في 9 سبتمبر/أيلول 2025 انتقلت المواجهة من الخطاب إلى القوة العسكرية، عندما استهدفت إسرائيل اجتماعا لقيادة حماس في الدوحة، كان بين المشاركين فيه مسؤولون مرتبطون بملف التفاوض، وهنا ظهر أخطر تناقض في السياسة الإسرائيلية: مهاجمة الدولة التي تقوم بدور الوسيط، بينما لا تزال المفاوضات تعتمد على قدرتها على الوصول إلى حماس.
وبحسب يارون أبراهام في القناة 12 بتاريخ 10 سبتمبر/أيلول، اعترض رئيس الموساد على التوقيت والمكان، مؤكدا أن القطريين “هم الوسطاء المركزيون” وأن ضرب قيادة حماس هناك في تلك اللحظة “خطأ” كما فضّل رئيس الأركان ورئيس الاستخبارات العسكرية واللواء احتياط نيتسان ألون (المسؤول عن ملف الأسرى) استنفاد المسار التفاوضي أولا.
لكن الكلفة السياسية سرعان ما ظهرت، فبعد 20 يوما فقط، وخلال وجوده في البيت الأبيض، اتصل نتنياهو برئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، واعتذر عن انتهاك السيادة القطرية ومقتل رجل أمن قطري، وتعهد بألا يتكرر هجوم مماثل.
وداخل إسرائيل، رأى منتقدون أن ثمن الضربة تجاوز مكاسبها، فقد كتب البروفيسور إيلي فوده، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط بالجامعة العبرية، في القناة 12 بتاريخ 13 سبتمبر/أيلول 2025، أن هذه العملية قد تتحول إلى “خطأ إستراتيجي” لأنها أضرت بالثقة مع قطر والعالم العربي، وعقدت العلاقات مع واشنطن، ولم تدفع نحو إطلاق الأسرى. كما حذر رئيس معهد دراسات الأمن القومي تامير هايمان من أن ذلك الهجوم أصاب قدرة الدوحة على العمل كوسيط، بينما كانت واشنطن تعتمد عليها لإتمام المفاوضات.
ولم ينته الخلاف بانتهاء الحرب المكثفة، بل انتقل إلى ترتيبات “اليوم التالي”. ففي 28 أكتوبر/تشرين الأول 2025 نقل دانيال أدلسون في “يديعوت أحرونوت” رفض نتنياهو منح قطر وتركيا دورا في إدارة غزة، بينما كشف يوآف زيتون في الصحيفة نفسها، في 12 أكتوبر/تشرين الأول، أن ضباطا كبارا حذروا من عودة المال القطري إلى تمويل إعادة الإعمار.
غير أن معهد دراسات الأمن القومي خلص في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إلى أن استبعاد قطر ليس سهلا، لأن واشنطن تعتبرها شريكا ساعد في الضغط على حماس لقبول وقف إطلاق النار. وفي قراءة أخرى في 20 أكتوبر/تشرين الأول، حذر المعهد من أن توسيع الدور القطري قد يحافظ في المقابل على نفوذ الدوحة الفلسطيني وعلى حضور حماس سياسيا.
ومع دخول 2026، انتقلت القضية إلى التنافس الانتخابي. فقد طالب نفتالي بينيت بإعلان قطر “دولة عدو” وربط نفوذها العالمي باستثماراتها في الجامعات وبشبكة الجزيرة، ودعا نتنياهو إلى قول ذلك من منصة الأمم المتحدة. لكن رئيس الوزراء تجنب الذهاب إلى هذا الحد.
لهذا لا تبدو معركة نتنياهو مع الجزيرة ملفا إعلاميا منفصلا عن علاقته بقطر، لأن استهداف القناة يخدم معركة الرواية والردع الداخلي والضغط السياسي، لكن الوساطة القطرية تفرض سقفا لهذا التصعيد، وعندما تجاوز نتنياهو ذلك السقف بقصف الدوحة، اضطر لاحقا إلى الاعتذار وإعادة الوسيط إلى الطاولة. وبين القناة والوسيط والضربة العسكرية، تظهر سياسة تحاول الجمع بين التصعيد والاستفادة.


