مرشحون دعمهم اللوبي الإسرائيلي وسقطوا في انتخابات الكونغرس | سياسة

واشنطن- لم تكن انتخابات التجديد النصفي الأمريكية لعام 2026 اختبارًا للحزبين الديمقراطي والجمهوري وحدهما، بل مثّلت أيضًا اختبارًا لنفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وفي مقدمتها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك)، وذراعها للإنفاق الانتخابي “مشروع الديمقراطية الموحدة” التي أنفقت عشرات الملايين من الدولارات لدعم مرشحين محددين أو لإسقاط منافسيهم.
ورغم نجاح هذه الجماعات في عدد من السباقات، تكشف نتائج الانتخابات التمهيدية والعامة عن سلسلة من الإخفاقات البارزة، شملت مرشحين تلقوا دعمًا بملايين الدولارات، وآخرين تمكنوا من الفوز رغم حملات إعلانية واسعة استهدفت إقصاءهم.
وتكتسب هذه النتائج أهمية إضافية بعدما أعلنت “أيباك” عشية الانتخابات أنها ستتوقف عن إعلان التأييد الرسمي للمرشحين وعن تقديم المساهمات المباشرة عبر لجنتها السياسية، مع استمرار عمل ذراعها للإنفاق عبر شبكات الممولين المرتبطة بها.
وهو قرار جاء بعد موسم انتخابي شهد تصاعد الاعتراضات على تدخل جماعات الضغط في الانتخابات، وإن لم تعلن أيباك أن هذه الاعتراضات هي السبب الرسمي لتغيير سياستها.
ميشيغان: أكبر مواجهة انتخابية مع أيباك
جاءت أبرز هذه المعارك في ولاية ميشيغان، حيث اصطفت أيباك خلف النائبة الديمقراطية هالي ستيفنز خلال الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ في أغسطس/آب الماضي، في مواجهة المرشح التقدمي عبدول السيد، الذي جعل رفض التمويل المرتبط باللوبي الإسرائيلي وانتقاد الحرب على غزة من القضايا البارزة في حملته.
وبحسب سجلات الإنفاق الانتخابي، أنفق “مشروع الديمقراطية المتحدة” نحو 10.5 ملايين دولار لدعم ستيفنز، وأكثر من 20 مليون دولار لمعارضة السيد، لكن الأخير فاز بترشيح الحزب الديمقراطي، بينما انتهت حملة ستيفنز بالهزيمة.
ولم تتوقف المعركة عند الانتخابات التمهيدية. فبعد تقدم السيد إلى الانتخابات العامة، وجّه اللوبي الداعم لإسرائيل جهوده إلى السباق الذي جمعه بالمرشح الجمهوري مايك روجرز. وقد وجهت ذراع أيباك الانتخابية 9 ملايين دولار إلى لجنة داعمة لروجرز، في محاولة للتأثير على نتيجة السباق.
وبفوز عبدول، فشلت جهود أيباك في تحقيق هدفها مرتين في الولاية نفسها، الأولى عندما خسرت ستيفنز الانتخابات التمهيدية، والثانية عندما خسر روجرز الانتخابات العامة.
ولم تكن هذه مجرد خسارة مالية، بل انتهت المواجهة بدخول أحد أبرز منتقدي السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل إلى مجلس الشيوخ.

سوزان كولينز: واحدة من أكبر المتلقين لتمويلات أيباك
في ولاية ماين، خسرت السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز مقعدها أمام الديمقراطي تروي جاكسون، لتنتهي مسيرة استمرت نحو 30 عامًا في مجلس الشيوخ.
وتُظهر بيانات لجنة الانتخابات الفدرالية أن كولينز تلقت عبر لجنة أيباك السياسية خلال دورة 2025-2026، نحو 3.39 ملايين دولار، قدمها 1916 متبرعًا، جاء 99% منهم من خارج الولاية.
ومن المهم التمييز هنا بين هذه المساهمات، التي مرّرها متبرعون أفراد عبر أيباك، وبين الإنفاق المستقل الذي تتولاه لجان العمل السياسي الكبرى. لكنها في الحالتين تُظهر حجم الدعم المالي المنظم الذي حصلت عليه كولينز.
ورغم هذا التمويل، لم تتمكن كولينز من الاحتفاظ بالمقعد. وقد ركز منافسها جاكسون على قضايا الرعاية الصحية وتكاليف المعيشة، مستفيدًا من الاستياء من ارتفاع أسعار الطاقة والتداعيات الاقتصادية للحرب على إيران والتوترات التجارية مع كندا.
ولا تكفي النتيجة وحدها للقول إن موقف كولينز من إسرائيل تسبب في هزيمتها، لكنها تجعلها واحدة من أبرز المرشحين المدعومين من أيباك الذين خسروا الانتخابات العامة.

أوهايو: أيباك تخسر أمام مرشح تدعمه “جي ستريت”
وفي ولاية أوهايو، خسر السيناتور الجمهوري جون هستيد أمام الديمقراطي شيرود براون الذي عاد إلى مجلس الشيوخ بعد خسارة مقعده عام 2024.
وكان هستيد من المرشحين الذين أعلنت أيباك تأييدهم رسميا، وحصل خلال الدورة الانتخابية على نحو 864 ألف دولار من المساهمات الموجهة عبر لجنتها السياسية، وفق البيانات المتاحة حتى منتصف أكتوبر/تشرين الأول.
لكن لهذه المواجهة خصوصية. فبراون نفسه حظي بدعم “جي ستريت”، وهي جماعة ضغط أمريكية مؤيدة لإسرائيل تتبنى مواقف أكثر ليبرالية وتنتقد عددًا من سياسات حكومتها. ولذلك تعكس النتيجة خسارة أيباك تحديدًا، لا هزيمة كل جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، التي اختلفت مواقفها من المرشحين.
إيلينوي: ملايين الدولارات لم تنقذ مرشحتين
لم تقتصر الإخفاقات على الانتخابات العامة، فقد شهدت الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في مارس/آذار الماضي اثنتين من أبرز خسائر أيباك، رغم إنفاق ملايين الدولارات عبر لجان انتخابية تحمل أسماء لا تشير صراحة إلى إسرائيل.
في الدائرة التاسعة، دعمت جماعات مرتبطة بأيباك المرشحة لورا فاين، عضو مجلس شيوخ الولاية، في مواجهة عدد من المرشحين، أبرزهم دانيال بيس وكات أبو غزالة.
وقد أنفقت جماعات مرتبطة بأيباك ما لا يقل عن 5.8 ملايين دولار على جهود دعم فاين ومهاجمة منافسيها. ومع ذلك، حلت المرشحة المدعومة ثالثة في الانتخابات التمهيدية، بينما فاز بيس بترشيح الحزب الديمقراطي.
وكانت النتيجة لافتة لأن أيباك لم تنجح في إيصال مرشحتها، ولا في منع فوز بيس اليهودي الأمريكي الذي يدعم قيام دولة فلسطينية، والذي استهدفته أيباك بإعلانات سلبية. لكن المنظمة قدّمت قراءة مختلفة للنتائج، واحتفت بخسارة أبو غزالة، التي كانت تنتقدها بشدة.
وفي الدائرة السابعة من الولاية نفسها، تكرر المشهد مع أمينة خزانة مدينة شيكاغو ميليسا كونيرز إرفين، التي تلقت دعمًا انتخابيًا مستقلًا بلغ نحو 4.97 ملايين دولار من مشروع الديمقراطية الموحدة.
ورغم ذلك، خسرت كونيرز إرفين أمام النائب المحلي لاشون فورد، الذي حصل على 23.7% من الأصوات، مقابل 20.5% لكونيرز إرفين.
وتميزت هذه المواجهة بأن أيباك استخدمت ذراعها الانتخابية المعروفة بصورة مباشرة، خلافًا لسباقات أخرى لجأت فيها إلى تمويل لجان تحمل أسماء محلية.
كاليفورنيا: مرشحة تخسر رغم تدخل أيباك بملايين الدولارات
في الدائرة الرابعة عشرة بولاية كاليفورنيا، اتجهت أيباك إلى دعم الديمقراطية ميليسا هيرنانديز في الانتخابات الخاصة لملء مقعد النائب السابق إريك سوالويل، في مواجهة المرشحة التقدمية عائشة وهاب التي انتقدت الحرب الإسرائيلية على غزة ودعت إلى وقف المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل.
وضخ مشروع الديمقراطية الموحدة قرابة 2.5 مليون دولار في الإعلانات المؤيدة لهيرنانديز والمناهضة لوهاب، بينما تدخلت لجان أخرى تلقت تمويلا من المشروع لدعم المرشحة نفسها.
لكن وهاب فازت في الانتخابات الخاصة التي أجريت في أغسطس/آب الماضي، بحصولها على 53.1% من الأصوات، مقابل 46.9% لهيرنانديز. وتنافست المرشحتان مجددًا في الانتخابات الحالية على ولاية كاملة مدتها عامان، وقد فازت عائشة وهاب من جديد.

تكساس: ملايين ميريام أديلسون لم تنقذ غريغ أبوت
في ولاية تكساس، مُني الحاكم الجمهوري غريغ أبوت بهزيمة أمام المرشحة الديمقراطية جينا هينوخوسا، التي أصبحت أول امرأة من أصول لاتينية تفوز بمنصب حاكم الولاية، وأول ديمقراطية تتولى المنصب منذ عام 1995، منهية ثلاثة عقود من السيطرة الجمهورية على واحد من أهم المناصب السياسية في الولايات المتحدة.
وكان أبوت من المستفيدين من التمويل السياسي الذي قدمته المليارديرة الأمريكية الإسرائيلية ميريام أديلسون، إحدى أبرز ممولي التيار المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة. وبحسب سجلات التمويل الانتخابي، تبرعت أديلسون بمليون دولار لحملته في ديسمبر/كانون الأول 2025، ثم أضافت نصف مليون دولار خلال الأسابيع الأخيرة من السباق، ليبلغ مجموع دعمها المباشر له 1.5 مليون دولار خلال الدورة الانتخابية.
وجاءت الهزيمة رغم التفوق المالي الكبير لأبوت، إذ أنفق نحو 281 مليون دولار منذ إطلاق هينوخوسا حملتها في أكتوبر/تشرين الأول 2025، مقابل 36.8 مليون دولار أنفقتها منافسته، أي أن إنفاقه تجاوز إنفاقها بنحو ثمانية أضعاف.

ماذا تكشف هذه الهزائم عن نفوذ أيباك؟
تُظهر النتائج أن الإنفاق الانتخابي الكبير لم يكن كافيًا لضمان فوز جميع المرشحين الذين دعمتهم أيباك وشبكات التمويل المتحالفة معها.
كما كشفت الانتخابات التمهيدية خصوصًا عن تزايد الجدل بشأن مصادر الأموال وطريقة استخدامها، بعدما وثقت صحيفة واشنطن بوست تحويل ملايين الدولارات إلى لجان انتخابية بأسماء غير مرتبطة ظاهريًا بالقضية الإسرائيلية، مع إعلان بعض تفاصيل التمويل بعد انتهاء التصويت.
ومع ذلك، لا تعني هذه الإخفاقات انهيار نفوذ أيباك، وإن عنت تراجع تأثير المنظمة، فقد نجحت في دعم مرشحين آخرين وإيصالهم لعدد من المناصب. كما أن عدد المرشحين الفائزين الذين تلقوا تمويلا من لجان مؤيدة لإسرائيل ظل كبيرًا، وفق قواعد البيانات المتخصصة في تمويل الحملات.
وتكشف انتخابات 2026 عن احتفاظ أيباك بقدرتها على جمع الأموال وتوجيهها إلى الحملات، لكنها لم تتمكن من تحويل هذه القدرة المالية إلى انتصارات انتخابية مؤثرة في عدد من المعارك البارزة، وفي مقدمتها ميشيغان وماين وإيلينوي وكاليفورنيا.



