الأخبار

هل يصنع جيفريز التاريخ ويصبح أول رئيس أسود للكونغرس؟ | سياسة


يستعد زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز لتولي رئاسة المجلس بداية من مطلع العام المقبل، في تحوُّل سيجعله أبرز مسؤول ديمقراطي في واشنطن، وأول أمريكي أسود يشغل هذا المنصب في تاريخ الولايات المتحدة.

لكن الطريق إلى هذا الموقع لا يقتصر على انتزاع المطرقة من الجمهوريين، إذ سيكون عليه إثبات قدرته على قيادة حزب تتباين توجهاته، ومواجهة الرئيس دونالد ترمب، وتقديم نتائج ملموسة لجمهور ينتظر من الديمقراطيين تحركا أكثر جرأة.

ترى ميشيل كوتل -الكاتبة المتخصصة في الشؤون السياسية الوطنية بصحيفة نيويورك تايمز- أن جيفريز يواجه اختبارا مختلفا تماما عما اعتاده، وهو الذي أمضى قرابة أربعة أعوام في قيادة الأقلية الديمقراطية.

فقد اشتهر بأسلوب هادئ يميل إلى التوافق وبناء العلاقات، لكن رئاسة مجلس النواب تتطلب منه قدرا أكبر من الحزم والقدرة على فرض الانضباط، ووضع أجندة تشريعية واضحة، والتعامل مع ترمب بوصفه الخصم السياسي الأبرز.

وقد أظهر جيفريز قدرا من الثقة والارتياح في خطاب ألقاه ليلة الانتخابات، بعدما اتضح أن الديمقراطيين يتجهون إلى تحقيق مكاسب كبيرة. وأعلن حينها أن الولايات المتحدة تدخل مرحلة جديدة من التعافي، مستعرضا أولويات حزبه، وفي مقدمتها التراجع عن تخفيضات برنامج الرعاية الطبية “ميديكيد”، ومحاسبة الرئيس ومساعديه على ما وصفه بالفساد غير المسبوق.

حفر:
حكيم ينتمي إلى تقليد ديمقراطي مؤسسي وعملي، ويُعرف بالتركيز والانضباط والحذر أكثر من ارتباطه بحملات تغيير جذرية أو بالتيار الاشتراكي الديمقراطي المناهض للمؤسسة السياسية.

خلافات مرهقة في انتظاره

وتقول كوتل إن هذه الأجندة صيغت بعناية لتوحيد أعضاء الحزب على اختلاف توجهاتهم، لكن ترجمتها إلى خطوات عملية ستتطلب من جيفريز إدارة خلافات قد تكون مرهقة، خصوصا مع الجناح التقدمي الذي لا يُخفي نفاد صبره ورغبته في مواجهة أكثر صدامية مع الإدارة الجمهورية.

فجيفريز -الذي نشأ في حي كراون هايتس ببروكلين- ينتمي إلى تقليد ديمقراطي مؤسسي وعملي، ويُعرف بالتركيز والانضباط والحذر أكثر من ارتباطه بحملات تغيير جذرية.

كما أن دائرته الانتخابية -ذات الغالبية السوداء والطبقة العاملة- تمثل توجها ديمقراطيا تقليديا، وليس التيار الاشتراكي الديمقراطي المناهض للمؤسسة السياسية. وقد أثار تأخره في إعلان تأييده لزعيم الجناح التقدمي زهران ممداني -خلال الانتخابات التمهيدية لرئاسة بلدية نيويورك العام الماضي- استياء أنصار هذا التيار.

وتشير الكاتبة إلى أن عددا من النواب الجدد المرتبطين بالاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين أو القريبين منهم يسعون إلى انتزاع تنازلات من جيفريز مقابل دعم ترشحه لرئاسة المجلس، تشمل فرض ضرائب على الثروات، وإلغاء وكالة الهجرة والجمارك، والحصول على مواقع مؤثرة في اللجان الرئيسية. وهي مطالب تذكّر بالأساليب التي استخدمها تجمع الحرية الجمهوري للضغط على قيادة حزبه.

لكن الأغلبية الديمقراطية الجديدة تمنح جيفريز مساحة أوسع لمقاومة الضغوط المفرطة من أي جناح، بحسب كوتل التي ترى أن النواب الجدد والتقدميين يستحقون المشاركة في صنع القرار وأخذ أولوياتهم على محمل الجد، دون أن يعني ذلك منح المواقع القيادية الأكثر نفوذا للأعضاء الأكثر تطرفا داخل الحزب، وفق تعبيرها.

مجلس النواب الأمريكي يصوت على عزل ترامب في الكابيتول هيل في واشنطن
نانسي بيلوسي لم تكن تطرح أي مشروع للتصويت قبل التأكد من امتلاك الأصوات اللازمة لإقراره (رويترز)

شديد الحذر والبطء في اتخاذ القرارات

ولا تقتصر التحديات على الجناح اليساري؛ فأسلوب جيفريز القائم على التواصل الشخصي والاستماع وبناء التوافق أكسبه تقديرا داخل كتلته، لكنه أثار أيضا مخاوف من أن يكون شديد الحذر وبطيئا في اتخاذ القرارات، ولا يمتلك القدر المطلوب من الحزم في لحظة سياسية تتطلب تحركات سريعة.

وتستشهد كوتل بما حدث في سبتمبر/أيلول الماضي، عندما صوّت النائبان الديمقراطيان المعتدلان جاريد غولدن وماري غلوسنكامب بيريز لمصلحة المضي في حزمة مشروعات قوانين مدعومة من الجمهوريين، رغم تحذيرات جيفريز وقيادة الحزب بعد مخالفة سابقة. ولم يفرض جيفريز أي عقوبات عليهما، كما بدا أن القيادة فوجئت بالتصويتين، الأمر الذي أثار تساؤلات بشأن كفاءة فريقه في حصر الأصوات وضمان الالتزام بالمواقف المتفق عليها.

وترى الكاتبة أن مثل هذه الثغرات قد تكون محرجة لزعيم الأقلية، لكنها تصبح خطيرة عندما يكون الحزب في موقع الأغلبية. وتستحضر تجربة نانسي بيلوسي التي لم تكن تطرح أي مشروع للتصويت قبل التأكد من امتلاك الأصوات اللازمة لإقراره.

ولذلك تدعو الكاتبة جيفريز إلى استخدام أدوات الضغط التنظيمية، مثل إعادة توزيع مقاعد اللجان أو تجميد الأولويات التشريعية والتمويل الانتخابي، حتى يدرك النواب أن مخالفة التفاهمات دون تنسيق ستكون لها عواقب.

المواجهة مع ترمب

وعلى مستوى المواجهة مع ترمب، سيكون على جيفريز الموازنة بين التحقيق في أداء الإدارة ومحاسبة مسؤوليها، وبين تجنب تحويل الكونغرس إلى ساحة لمعارك رمزية لا تحقق مكاسب سياسية أو تشريعية.

وتتوقع كوتل تصاعد الدعوات إلى مساءلة عدد من المسؤولين، وفي مقدمتهم وزير الدفاع بيت هيغسيث الذي ترى أن السعي إلى عزله خيار يستحق الاهتمام، في حين تحذّر من أن محاولة عزل ترمب للمرة الثالثة -رغم ما قد توفره من إشباع سياسي للديمقراطيين- لن تكون لها فرصة واقعية للإدانة في مجلس الشيوخ، وقد تمنح الرئيس فرصة لتصوير نفسه ضحية لملاحقة سياسية.

أولويات الديمقراطيين

وفي المقابل، ينبغي ألا تطغى التحقيقات على الأجندة التشريعية. وتشمل أولويات الديمقراطيين خلال المئة يوم الأولى استعادة الإعانات المالية المرتبطة بقانون الرعاية الصحية الميسرة، وإعادة تمويل برامج “ميديكيد” التي خفضها قانون ترمب الضخم، وإنهاء الحرب مع إيران، والحد من الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس.

وترى كوتل أن هذه القضايا ترتبط باهتمامات شريحة واسعة من الأمريكيين، بخلاف بعض المطالب الأخرى -مثل استعادة حقوق المتحولين جنسيا وحمايتهم- التي يدفع بها بعض الديمقراطيين.

وسيكون اختبارا إضافيا لجيفريز التوفيقُ بين المعتدلين الذين يريدون البحث عن مساحات اتفاق مع ترمب، والتقدميين الذين يعدّون أي تعاون معه تنازلا غير مقبول.

وقد أثار لقاء جيفريز الخاص مع جاريد كوشنر -في نيويورك خلال أغسطس/آب الماضي لمناقشة فرص التعاون- استياء بعض الديمقراطيين. لكن كوتل ترى أن بإمكانه إبقاء باب التفاهم مفتوحا بشأن قضايا المعيشة وتكاليف الحياة، مع مواصلة الضغط على الإدارة في ملفات أخرى، مستفيدا من قنوات التواصل غير المباشر، بما فيها علاقته الأكثر دفئا بوزير الخارجية ماركو روبيو.

الحضور الإعلامي

وتلفت الكاتبة أيضا إلى أن جيفريز يحتاج إلى تطوير حضوره الإعلامي وقدرته على مخاطبة الجمهور. فعلى الرغم من امتلاكه مهارة الخطابة وصياغة الرسائل السياسية الواضحة، فإنه يبدو أحيانا متكلفا ومقيدا بالنصوص المعدة سلفا.

ولذلك يحتاج إلى قدر أكبر من العفوية، والانفتاح على البرامج الصوتية والمنصات الرقمية، والاستفادة من جيل أصغر من المساعدين والزملاء لتعزيز حضوره في فضاء إعلامي يهيمن عليه ترمب بقدرته الكبيرة على جذب الانتباه.

وسيكون من الصعب على جيفريز أن يتجنب المقارنة بسلفه نانسي بيلوسي، التي تصفها كوتل بأنها واحدة من أكثر رؤساء مجلس النواب فاعلية في العصر الحديث. لكنها تذكّر بأن بيلوسي نفسها لم تصل إلى هذه المكانة دون أخطاء وصراعات ومحاولات للانقلاب عليها من داخل حزبها.

وفي النهاية، ترى كوتل أن جيفريز قد يتمكن من الارتقاء إلى مستوى اللحظة السياسية، ولكن بشرط أن يخرج تدريجيا من دائرة الحذر التي اعتادها، وأن يجد طريقته الخاصة في إدارة حزبه والتعامل مع الرئيس. فالديمقراطيون -بعد عامين من الإحباط السياسي- لا ينتظرون قيادة تكتفي بتجنب المخاطر، بل يريدون تحركات جريئة ونتائج واضحة، وهو ما يجعل الحذر المفرط -في هذه المرحلة- مخاطرة بحد ذاته.



Source link

Ahmed Hemdan

كاتب وصحفي إخباري شغوف بالرصد الميداني والرقمي، متخصص في اقتناص الخبر لحظة وقوعه وصياغته بمهنية وموضوعية عالية. يمتلك حسّاً صحفياً فريداً لتمييز الأخبار العاجلة والمهمة ومتابعة تفاصيلها أولاً بأول من مصادرها الموثوقة. يسعى دائماً ليكون الحلقة الأسرع والأكثر دقة في نقل المعلومة للقارئ، مع الالتزام بقواعد النشر الرقمي وسرعة الأرشفة لتغطية كافة الأحداث والتوجهات الجديدة فور ظهورها، ليبقى متابعو الموقع في قلب الحدث على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى