28 ألف كيلومتر في الساعة.. لماذا تحتاج الأقمار القريبة إلى محركات؟ | علوم

تم النشر بتاريخ 14/10/2026
تخيل قمرا صناعيا يدور حول الأرض مرة كل 88 دقيقة تقريبا، على ارتفاع لا يتجاوز 150 كيلومترا، بسرعة تفوق 28 ألف كيلومتر في الساعة. ورغم هذه السرعة الهائلة، يواجه القمر خطر فقدان ارتفاعه بسبب مقاومة جزيئات الهواء المتناثرة في الطبقات العليا من الغلاف الجوي. فهل يمكن استخدام الهواء نفسه لإنقاذه من السقوط؟
هذا السؤال يقف وراء مجموعة من الأبحاث التي تدعمها وكالة الفضاء الأوروبية “إيسا” (ESA)، بعدما أعلنت تمويل 12 مشروعا لتطوير تقنيات تتيح للأقمار الصناعية العمل في المدارات الأرضية المنخفضة جدا، المعروفة باسم (Very Low Earth Orbit VLEO)، والتي تقع على ارتفاعات تقل عن 450 كيلومترا فوق سطح الأرض.

وتشمل المشروعات أنظمة دفع كهربائية مبتكرة، ومواد مقاومة للتآكل، وتصميمات تقلل مقاومة الهواء، إلى جانب تطبيقات جديدة لمراقبة الأرض والاتصالات.
قصص مقترحة
قائمة من 2 العناصرنهاية القائمة
مدارات مختلفة وسرعات مذهلة
لا تدور جميع الأقمار الصناعية على الارتفاع نفسه؛ فاختيار المدار يعتمد على المهمة التي يؤديها القمر.
وتقع المدارات الأرضية المنخفضة “ليو” (LEO) على ارتفاعات تقل عن نحو ألفي كيلومتر، وتضم محطة الفضاء الدولية وكثيرا من أقمار التصوير والاتصالات. أما المدارات المتوسطة “ميو” (MEO)، فتستخدمها أقمار الملاحة مثل نظام تحديد المواقع العالمي “جي بي إس” (GPS).
وعلى ارتفاع يقارب 36 ألف كيلومتر، تقع المدارات الثابتة بالنسبة للأرض، التي تستخدم في البث التلفزيوني والاتصالات ومراقبة الطقس. وتدور أقمارها فوق خط الاستواء بالسرعة الزاوية نفسها التي تدور بها الأرض، فتبدو ثابتة فوق موقع محدد.
والمفارقة أن الأقمار الأقرب إلى الأرض تحتاج إلى سرعة مدارية أكبر من الأقمار البعيدة.
فعلى ارتفاع 150 كيلومترا، تبلغ السرعة المدارية نحو 7.81 كيلومترات في الثانية، ويستغرق إكمال دورة حول الأرض نحو 87.5 دقيقة. أما على ارتفاع 400 كيلومتر، فتبلغ السرعة نحو 7.67 كيلومترات في الثانية، وتستغرق الدورة نحو 92 دقيقة.
في المقابل، يتحرك القمر الثابت بالنسبة للأرض بسرعة تقارب 3.07 كيلومترات في الثانية، ويكمل دورته خلال 23 ساعة و56 دقيقة تقريبا.
وهذه الأرقام محسوبة لمدارات دائرية مثالية، ولا تعني أن قمرا صناعيا تقليديا يستطيع البقاء طويلا على ارتفاع 150 كيلومترا دون محركات تعوض مقاومة الغلاف الجوي.
لماذا تهبط الأقمار الصناعية؟
لا تحتاج الأقمار الصناعية إلى محركات تعمل باستمرار لمواصلة دورانها حول الأرض، إذ تبقيها سرعتها الأفقية في حالة سقوط حر مستمر حول الكوكب.
لكن الغلاف الجوي لا ينتهي عند حد فاصل واضح، بل تتناقص كثافته تدريجيا مع الارتفاع. ولذلك تصطدم الأقمار القريبة من الأرض بجزيئات متناثرة من الهواء، فتتعرض لمقاومة تسحب جزءا من طاقتها المدارية، ويبدأ ارتفاعها بالانخفاض تدريجيا.
وتزداد المشكلة كلما اقترب القمر من الأرض، كما تتأثر بكثافة الغلاف الجوي التي تتغير مع النشاط الشمسي.

ولمنع الهبوط، تراقب أنظمة الملاحة والتحكم مدار القمر، وتستخدم محركات صغيرة لتعويض الطاقة المفقودة. وعندما ينخفض ارتفاعه عن المستوى المطلوب، يمكن تشغيل المحرك في اتجاه الحركة لرفع طاقته المدارية وإعادته إلى الارتفاع المناسب.
وقد طبقت وكالة الفضاء الأوروبية هذا المبدأ في قمرها العلمي “غوتشه” (GOCE)، الذي استخدم محركا أيونيا لتعويض مقاومة الغلاف الجوي أثناء عمله في مدار منخفض للغاية، بلغ ارتفاعه نحو 250 كيلومترا.
غير أن الاستمرار في تشغيل المحركات يتطلب عادة مادة دفع يحملها القمر معه، وهو ما يحد من عمر المهمة عندما تنفد الكمية المتاحة.
هل تستطيع الأقمار الصناعية استخدام المراوح؟
قد يبدو استخدام مروحة لدفع القمر الصناعي فكرة بسيطة، لكنها لا تصلح للعمل في هذه المدارات.
فالمراوح التقليدية تحتاج إلى هواء كثيف نسبيا تدفعه إلى الخلف، بينما يكون الغلاف الجوي على ارتفاع مئات الكيلومترات شديد التخلخل. كما أن تشغيل مروحة في مواجهة تدفق الجزيئات بسرعة مدارية هائلة يختلف جذريا عن ظروف عملها في الطائرات.
ولهذا، تدرس وكالة الفضاء الأوروبية تقنية أكثر تعقيدا تعرف باسم “الدفع الكهربائي المتنفس للغلاف الجوي” (Atmospheric-Breathing Electric Propulsion – ABEP).
وتعتمد الفكرة على التقاط جزيئات الهواء المتناثرة أثناء حركة القمر الصناعي، وإدخالها إلى محرك كهربائي يستخدم الطاقة لتسريعها وطردها إلى الخلف، فتتولد قوة دفع تعوض مقاومة الغلاف الجوي.
وبذلك يتحول الهواء الذي يتسبب في هبوط القمر إلى مصدر لمادة الدفع اللازمة للمحافظة على مداره.

ولا يعني ذلك أن المحرك يعمل دون طاقة؛ فهو يحتاج إلى كهرباء يمكن توفيرها باستخدام الألواح الشمسية، كما يحتاج إلى نظام فعال لجمع الجزيئات وتسريعها.
وقد اختبرت الوكالة الأوروبية المبدأ تجريبيا على الأرض، لكن تطوير منظومة متكاملة تستطيع العمل بصورة موثوقة مدة طويلة في المدار لا يزال تحديا هندسيا.
صور أدق وحطام فضائي أقل
لا تقتصر فوائد المدارات المنخفضة جدا على تجربة محركات جديدة؛ فاقتراب القمر من الأرض يسمح بالحصول على صور أعلى دقة باستخدام أجهزة تصوير مماثلة، ويقلل زمن انتقال الإشارات، ما قد يحسن خدمات الاتصالات والإنترنت.
وتبحث إحدى الفرق الأوروبية تطوير مجموعة أقمار توفر مراقبة شبه مستمرة لسطح الأرض، مع صور تصل دقتها إلى متر واحد وزمن تأخير منخفض في نقل البيانات.
وتشمل المشروعات أيضا تطوير حساسات لقياس تأثير الأكسجين الذري، وهو شكل شديد التفاعل من الأكسجين يمكن أن يتلف بعض المواد والطلاءات، فضلا عن تصميمات انسيابية تقلل مقاومة الهواء.

ومن المزايا المحتملة لهذه المدارات أن الأقمار التي تتوقف عن العمل تفقد ارتفاعها بفعل مقاومة الغلاف الجوي، وتدخل في النهاية الطبقات الأكثر كثافة حيث تحترق، بدلا من بقائها سنوات طويلة في الفضاء.
وقد يساعد ذلك على تقليل تراكم الحطام الفضائي، وإن كانت الأقمار العاملة في هذه المدارات لا تخلو من مخاطر الاصطدام.
وتندرج هذه الأبحاث ضمن رؤية وكالة الفضاء الأوروبية للتكنولوجيا حتى عام 2040، لكنها لا تعني أن الأقمار الصناعية المتنفسة للهواء أصبحت جاهزة للاستخدام التجاري الواسع.
وإذا نجحت هذه التقنيات، فقد تفتح مجالا أمام جيل من الأقمار الصناعية يستطيع العمل أقرب إلى الأرض مدة أطول، مستفيدا من الغلاف الجوي الذي كان يعد حتى وقت قريب أحد أكبر العوائق أمام بقائه.



