الأخبار

البابا في باريس.. قبل الرماية تملأ الكنائن | سياسة


تشتق كلمة كاثوليكية من أصل لغوي يوناني يعني الجامع، أو العالمي، وهي تمثل الجناح الأكبر داخل العائلة المسيحية بعدد من المؤمنين يقترب من 1.3 مليار، ما يجعل بابا الكنيسة أحد ثاني أكبر زعيم يرأس كتلة شعبية في العالم بعد الزعيم الصيني.

كانت فرنسا، كما تدلنا المصادر التاريخية، هي الابنة الكبرى للكنيسة الكاثوليكية. في القرن الـ14، أثناء حكم الملك فيليب الرابع، توترت العلاقة بين الطرفين.

قصص مقترحة

قائمة من 2 العناصرنهاية القائمة

كان الملك فيليب مغامرا خاض حروبه يمنة ويسرة إلى أن تعثرت خزانته المالية، فالتفت لما في يد الكنيسة من أموال وقرر فرض الضرائب على زعمائها، وهو قرار دفع البابا إلى إصدار بيانه الشهير “الكنيسة الواحدة المقدسة” “Unam Sanctam” وفيه قال إن الكنيسة الكاثوليكية لها السلطة المطلقة على كل ملوك الأرض.

فرنسا، الدولة التي وصفها ديغول قائلا “الحكومة علمانية، والمسيحية دين فرنسا”، قررت في عام 1905 فصلا كاملا بين الدولة والكنيسة، على ألا يتدخل أي من الكيانين في الرقابة على الفضاء العام والتعليم، لا الدولة ولا الكنيسة

لم يمهله الملك فيليب كثيرا، فقد اجتاح الفاتيكان واعتقل البابا ومساعديه ودعا إلى اختيار خليفة له، وسرعان ما نقل البابوية إلى أفينيون، في جنوب فرنسا، بحجة “الاضطرابات السياسية والأمنية” في روما.

لسبعة عقود عاش البابا ومجمع الكرادلة داخل الأراضي الفرنسية، تحت تأثير سياسي وإداري فرنسي مطلق، وبأغلبية فرنسية داخل مجمع الكرادلة.

في تلك الأثناء فقدت الكنيسة الكثير من مهابتها وأثرها الروحي في الأراضي الأوروبية، إذ بات ينظر إليها بحسبانها أداة إدارية للنفوذ الفرنسي. يطلق المؤرخون على تلك الفترة مصطلحا توراتيا مثيرا: السبي البابلي للكنيسة، في إشارة إلى سبي اليهود إلى بابل في القرن السادس قبل الميلاد.

الابنة الكبرى للكنيسة، فرنسا، مرت بعلاقة ملتبسة بالكنيسة منذ القرون الوسطى.

إذا أخذنا اللحظة الحديثة حيث يقف البابا ليو الـ14 في ملعب فرنسا ويحدث الفرنسيين عن “المعنى من الوجود”، فسنرى شيئا مثيرا.

على المدرجات جلس 80 ألفا لمتابعة الحدث، وعبر التلفزيون شاهده مليونان ونصف المليون، وعندما مر على شارع الشانزليزيه اصطف ما يزيد على 800 ألف شخص لمشاهدته والترحيب به.

إلى جانب هذا الاحتفال، الذي بدا كأنه صحوة دينية، تنقل لنا الأرقام صورة قاتمة عن وضع الكاثوليكية في فرنسا في هذه الأيام، فقد انخفض عدد الكهنة من 25 ألفا إلى 11 ألفا، وتراجعت أعداد الزواج المسيحي من 124 ألف حالة زواج إلى 40 ألفا في العام، مقارنة بوضع الكنيسة في تسعينيات القرن الماضي.

فرنسا، الدولة التي وصفها ديغول قائلا “الحكومة علمانية، والمسيحية دين فرنسا “، قررت في عام 1905 فصلا كاملا بين الدولة والكنيسة، على ألا يتدخل أي من الكيانين في الرقابة على الفضاء العام والتعليم، لا الدولة ولا الكنيسة. أدت إصلاحات ذلك العام أيضا إلى تخلي الدولة عن دعم الكنيسة ماليا، ما مثل خروجا عن النظام الذي أرساه نابليون بونابرت بعد عام 1801.

رأى نابليون، في محاولته لتهدئة الأجواء الهائجة في فرنسا ما بعد الثورة، أن على الدولة أن تتدخل في الشأن الكنسي لا العكس. منذ ذلك الوقت، وحتى مطلع القرن الـ20، صارت الدولة الفرنسية تتدخل في تعيين الأساقفة وتدفع رواتبهم، ما أكد، إداريا، أن الدولة الفرنسية هيمنت على الكنيسة وأخضعتها.

أنهى عام 1905 تلك العلاقة، ودخلت الكنيسة في طور مستدام من الاضمحلال والركود، فضلا عن الفقر.

في فرنسا تواجه الكنيسة الكاثوليكية جملة من التحديات الوجودية. هناك العلمنة اللائكية، أو العلمانية الشاملة، حيث يتعين على الدولة أن تمارس حيادا تاما أمام جميع الأديان.

تكابد الكنيسة في فرنسا وضعا ماليا صعبا يؤثر على قدرتها على الانتشار، بل حتى ترميم بنيتها التحتية. من جانب آخر تنمو الكنيسة الإنجيلية هناك بمعدل أسرع من نمو الكنيسة الكاثوليكية

لاحظنا أنه ما من أحد من رجال الدولة الفرنسية، ممن يمارسون عملهم، قد حضر الاحتفالات التي أقيمت للبابا في فرنسا، كل الذين اصطفوا لمشاهدته، أو ذهبوا للترحيب به، كانوا مسؤولين سابقين.

تكابد الكنيسة في فرنسا وضعا ماليا صعبا يؤثر على قدرتها على الانتشار، بل حتى ترميم بنيتها التحتية. من جانب آخر تنمو الكنيسة الإنجيلية هناك بمعدل أسرع من نمو الكنيسة الكاثوليكية.

الأولى، الإنجيلية، غير مؤسسية، تغوي وتستقطب الفرد الحديث من خلال تقديم الإيمان بوصفه انشغالا فرديا روحيا بين كيانين: العبد والرب. لا مكان للوسيط، ولا للمؤسسة، في تلك العملية الإيمانية.

الإنجيلية متخففة من متاعب، وفضائح، المؤسسة الكنسية، وهي حقيقة تجعلها أكثر جاذبية وقريبة من الإنسان الحديث، الفرداني التائه. إلى ذلك فهي كنيسة ثرية، لديها مصادر تمويل عالية خصوصا داخل المجتمع الأمريكي.

غير أن العلامة الأبرز للكنيسة الكاثوليكية تتمثل في ظاهرة اليمين المتطرف. يقدم اليمين المتطرف نفسه بوصفه كيانا مسيحيا، أو حصنا ثقافيا للقارة.

اليمين الفرنسي، منذ لوبان الأب في مطلع السبعينيات، ملأ الفراغ الذي تركته الكنيسة وقدم نفسه بوصفه حارسا للقيم الكاثوليكية للمجتمع. بيد أن الخطاب العنصري الفاشي لليمين، خصوصا ذلك المعادي للتنوع الديني والإثني والرافض للهجرة واللجوء، جعل اليمين المتطرف يأخذ شكل مسيحية بلا مسيح، وخطابا بلا متن.

أحدثت مارين لوبان تغييرات شكلية على الحزب الذي ورثته من والدها وغيرت اسمه من الجبهة الوطنية إلى التجمع الوطني، لكنه بقي، في نهاية الأمر، مزاجا أو تيارا عاما تقع الوطنية العرقية في مركزه الثقافي والأخلاقي، وينضوي تحت لوائه الغاضبون والأناركيون وأعداء المؤسساتية.

أحب اليمين الفرنسي أجراس الكنيسة لا الكنيسة نفسها، كما قيل. الدراسة التي أجراها مركز “آيفوب” (IFOP) في عام 2024 كشفت أن تصويت المجتمع الكاثوليكي لليمين المتطرف يتناسب عكسيا مع مدى الالتزام بالقيم والطقوس الكنيسية.

41 % من الذين عرفوا أنفسهم قائلين إنهم مسيحيون لا يزورون الكنيسة أدلوا بأصواتهم للتجمع الوطني الراديكالي، مقابل 18% فقط من الذين قالوا إنهم متدينون يذهبون للصلاة.

لاحظ اليمين المتطرف أن خطاب الكنيسة “الاشتراكي” لا يلامس العصب القومي الفرنسي. فالدعوة إلى احتواء الضعفاء والمهاجرين، واحترام التنوع الديني، تجعل المجتمع المسيحي خصوصا غير المتدين أكثر ميلا إلى الأجراس منهم إلى الكنيسة نفسها، أي إلى مسيحية بلا مسوح، إلى النسخة المفرغة من القيمة.

بالنسبة لزعيم ديني إصلاحي، مثل البابا ليو الـ14، فهذا الوسط المسيحي المضطرب بحاجة إلى تدخل ومحاولة إصلاح. من هنا تأتي زيارة البابا إلى فرنسا ذات دلالة سياسية عالية، أكثر منها ثقافية أو دينية.

يتنازع الطرفان، المتطرفون والكنيسة، تعريف المسيحية نفسها. تريد الكنيسة، خصوصا مع البابا الحالي وسلفه فرانشيسكو، العودة بالكنيسة إلى العالم، ومنافسة الإنجيلية الأكثر نموا وديناميكية، ويريد اليمين الأوروبي اختزال الكنيسة إلى الرموز والإشارات، واعتبارها هوية ثقافية محضة

على أن الحرب الباردة بين الكنيسة الكاثوليكية واليمين المتطرف تذهب عميقا في الجذور، وتستثير مخاوف الكنيسة التي تكافح لتجاوز سوء السمعة بسبب سلسلة الفضائح.

يتنازع الطرفان، المتطرفون والكنيسة، تعريف المسيحية نفسها. تريد الكنيسة، خصوصا مع البابا الحالي وسلفه فرانشيسكو، العودة بالكنيسة إلى العالم، ومنافسة الإنجيلية الأكثر نموا وديناميكية، ويريد اليمين الأوروبي اختزال الكنيسة إلى الرموز والإشارات، واعتبارها هوية ثقافية محضة.

يعمل البابا ليو الـ14 على استكمال مشروع سلفه اللاتيني فرانشيسكو من خلال التركيز على الأخلاق والعدالة الاجتماعية والتنوع الخلاق، وفوق كل ذلك الانحياز إلى الإنسان الهش والضعيف، المهاجر والأقلوي واللاجئ.

هذه المدونة الأخلاقية الرفيعة تصادم كليا المدونة السياسية لليمين المتطرف الذي يريد مسيحية بلا مسيح وأجراسا بلا كنيسة.

داخل هذا السياق التاريخي الحرج يمكننا فهم جزء من زيارة البابا ليو الـ14 إلى فرنسا، وأيضا الحضور الكثيف لقادة اليمين المتطرف ليشهدوا الاحتفالات المرحبة به.

أرادت لوبان، عبر مشاركتها في مراسم الاحتفالات، تعزيز الصورة عن التجمع الوطني بوصفه الحصن المسيحي الأخير في فرنسا، فها هم قادته يقفون إلى جانب البابا، كما لو أنه جاء لمباركة التنظيم الشعبوي.

ألقى البابا خطابه الذي ارتكز على ظمأ عالمي إلى المعنى، إلى صورة مبشرة وأخلاقية عن الإله، مقدما خطابا عالميا بارعا يتناقض جذريا مع رؤية اليمين الفرنسي للمسيحية بحسبانها إرثا قوميا ثقافيا، وحصنا قوميا يتسع لعرق واحد.

سبق لجوردان بارديلا، رئيس حزب التجمع الوطني، أن حذر في سبتمبر/أيلول 2023 البابا فرانشيسكو من التدخل في شؤون أوروبا، وعد دعوته إلى احترام كرامة المهاجرين حديثا مسيسا يؤثر على الأمن القومي للقارة.

طور اليمين الفرنسي، بعد ذلك، تكتيكه السياسي، وحتى كوده اللغوي، وبات قادرا على إجراء مناورات مثيرة. تقليديا كان المسيحيون المتدينون يمنحون أصواتهم ليمين الوسط وللديغوليين، وكانت الكنيسة تعزز هذا الموقف.

الكنيسة المنفصلة عن الدولة في فرنسا تملك القدرة على تنفيذ مثل هذه المناورات السياسية بخلاف الكنيسة الإنجيلية في أمريكا، حيث سيعد التدخل في الحياة السياسية خرقا للقانون “الضريبي “، إذ تحصل الكنيسة هناك على إعفاءات ضريبية مقابل نأيها عن دعم جهة سياسية ضد أخرى.

فرنسيا، كما قلنا، تجري الكنيسة مناورات سياسية بما لديها من كتلة ناخبة منضبطة وذات دلالة. في الانتخابات المتقاربة، تلك التي يتوقف فيها الفوز على بضعة آلاف من الأصوات، تحضر الأقلية الكاثوليكية المتدينة كصانعة ملوك.

الفاتيكان يبدو شديد الحساسية تجاه الظواهر الفاشية، خصوصا وهي تنطلق من أرضية مسيحية وتذهب إلى أماكن أبعد ما تكون عن الكنيسة والمسيح

قيادة حزب التجمع الوطني، وهي تتحضر للانتخابات الرئاسية التي ستجرى في العام القادم، باتت تلاعب المشاعر المسيحية العميقة. رحب بارديلا، الذي سبق له أن حذر البابا فرنسيس من التدخل في الشأن الفرنسي، على منصات التواصل الاجتماعي بزيارة البابا ليو الـ14، بل وحضر مع الحشود.

يتفق اليمين الأوروبي على أمرين متناقضين: على ضرورة حماية الهوية المسيحية للقارة الأوروبية، وفي الوقت نفسه إعادة بناء الحواجز بين دول القارة. أي على حماية أوروبا وتدمير فكرة الاتحاد الأوروبي في الآن ذاته.

هنا يتدخل الخطاب الكنسي الكاثوليكي، بوصفه خطابا معولما، منحازا إلى الوسط الديموقراطي الليبرالي، وحتى إلى السوق الأوروبية المشتركة. يبدو هذا الحقل غير المرئي معتركا باردا لصراع الكنيسة مع اليمين المتطرف.

كانت الكنيسة، كما يقول كتاب “المئة يوم الأولى في تاريخ النازية “، هي آخر مؤسسة هزمتها النازية. في زمن ما بعد الحرب عملت الكنيسة، كما الديموقراطية الليبرالية، على دارسة فترة ما بين الحربين العالميتين وتعلمت مما جرى في سياقه التاريخي.

الفاتيكان يبدو شديد الحساسية تجاه الظواهر الفاشية، خصوصا وهي تنطلق من أرضية مسيحية وتذهب إلى أماكن أبعد ما تكون عن الكنيسة والمسيح. بالإضافة إلى أن الدولة الفاشية، اليمينية، تطلب ولاء مطلقا من كل مؤسسات البلاد، بما فيها الكنيسة. في آخر المطاف فإن الدولة الفاشية تعيد هندسة المدونة الأخلاقية للكنيسة وتجبرها على العمل لصالحها، ضدا لكل ما هو مبدئي وأخلاقي ومسيحي.

صحيح أن الكنيسة صمدت لمئة يوم أمام الدولة النازية، لكنها انهارت بعد ذلك. بدأ الانهيار باتفاق مشهود في يوليو/تموز 1933 بين الفاتيكان ونظام هتلر.

توعد هتلر، بحسب بنود الاتفاق، بحماية المؤسسات الكاثوليكية وحرية التدين، بينما تعهد الفاتيكان بتفكيك المعارضة الكاثوليكية السياسية، وبأن يقسم الأساقفة بالولاء للدولة الألمانية.

اتجاه من الكنيسة البروتستانتية التحق بالركب، ومالأ النازية، بل وكانت يعبد لها الطريق. ففي عام 1938 أصدرت كاتدرائية تورنجيا كتيبا يتضمن مئة اقتباس من مارتن لوثر تحذر من اليهود وتحرض على سفك دمائهم.

فعلت ذلك تماهيا مع الإرادة السلطوية النازية واستجابة لها. يعيد التاريخ نفسه، كما يدرك العارفون في الفاتيكان، من هنا ينبغي لمجمع الكرادلة أن يرفع منسوب التحفز أمام الظاهرة اليمينية في أوروبا، فطالما كانت العواقب وخيمة.

محاولة اليمين الراديكالي العودة إلى ما أطلق عليه بعد الحرب الثانية بـ “الوثنية القومية” تشكل استفزازا عميقا للكنيسة الكاثوليكية التي رأت في الوحدة الأوروبية شكلا من أشكال المصالحة والغفران بالمعنى الإنجيلي.

فرنسا الكبيرة هي الآن المعترك الذي سيحسم عليه مستقبل الكنيسة في أوروبا، إما أن يحسم الأمر لصالح مسيحية المسيح، أو تذهب أحزاب اليمين بالكنيسة إلى جغرافيات معزولة تحتفي بقرع الأجراس لا بأخلاق المسيح، وتنادي بالرموز لا بالمتن

وليس غريبا أن فكرة السوق الأوروبية المشتركة، نواة فكرة الاتحاد الأوروبي، كانت مشروعا عمل عليه ثلاثة قادة سياسيون معروفون بحماسهم الكاثوليكي: روبرت شومان (فرنسا)، كونراد أديناور (ألمانيا)، وألسيدي دي غاسبيري (إيطاليا). مثلت الديمقراطية المسيحية الخلفية الفلسفية لهذا المشروع، وهي لون من الديمقراطية الليبرالية تأخذ أصولها الفلسفية من الرؤية الاجتماعية للمسيحية.

لا يمكن تجاوز هذا التاريخ الأوروبي المعقد حين نحاول قراءة الزيارة المهمة التي قام بها البابا ليو الـ14 إلى فرنسا، فقد حدثت في لحظة عصيبة من تاريخ العالم. فمنذ 1990 وحتى الآن شهد العالم حوالي 350 حربا، أغلبها حروب داخل ذات الدولة. معدل الحروب تزايد على نحو مذهل منذ العام 2014 وحتى الآن، وبات المجهول يقف على أبواب أوروبا الشرقية والغربية.

النمو المتعاظم للذكاء الاصطناعي ضاعف من حالة القلق، وأسبغ على المستقبل غموضا مريبا. تعيدنا هذه الأجواء إلى الأيام التي تلت نجاح أمريكا في اختبار قنبلتها الهيدروجينية في جزر مارشال، عام 1954.

في تلك الأثناء طور الفيلسوف برتراند راسل مع صديقه ألبرت آينشتاين خطابهما الشهير الذي ذكر البشرية بأن الحضارة التي نعيشها هي منتج لجهد بذله الإنسان في كل العصور، وأن مهمة الحفاظ عليها تخص البشرية كلها.

ختم الرجلان خطابهما بتلك العبارة المدوية: لنتذكر إنسانيتنا، ولننس أي شيء آخر. ونحو هذا جاءت كلمات البابا ليو الـ14، سواء في رسالته “الإنسانية الرائعة” التي أطلقها في مايو/أيار الماضي ودعا فيها إلى “نزع سلاح الذكاء الاصطناعي “، أو في خطابه أمام اليونيسكو في باريس في سبتمبر/أيلول الماضي.

أمام اليونيسكو استعاد مقولة راسل- آينشتاين بطريقة ما، قال “إذا التزمنا جميعا بحزم بعظمة إنسانيتنا المشتركة، فإن السلام يمكن أن يزدهر أخيرا “.

معارك كبيرة يتعين على بابا الفاتيكان أن يخوضها في عالم اليوم. لطالما كانت فرنسا هي الابنة الكبرى للكنيسة الكاثوليكية، بيد أنها ذهبت عنها بعيدا في العصور المتأخرة.

فرنسا الكبيرة هي الآن المعترك الذي سيحسم عليه مستقبل الكنيسة في أوروبا، إما أن يحسم الأمر لصالح مسيحية المسيح، أو تذهب أحزاب اليمين بالكنيسة إلى جغرافيات معزولة تحتفي بقرع الأجراس لا بأخلاق المسيح، وتنادي بالرموز لا بالمتن.

نجاح اليمين، الذي يصر على نعت نفسه بالمسيحي، سيشكل انهيارا كاملا لنظام المعنى والأخلاق الذي يعمل عليه البابا المتنور ليو الـ14، ويسعى مجمع الكرادلة إلى التبشير به في كل العالم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



Source link

Ahmed Hemdan

كاتب وصحفي إخباري شغوف بالرصد الميداني والرقمي، متخصص في اقتناص الخبر لحظة وقوعه وصياغته بمهنية وموضوعية عالية. يمتلك حسّاً صحفياً فريداً لتمييز الأخبار العاجلة والمهمة ومتابعة تفاصيلها أولاً بأول من مصادرها الموثوقة. يسعى دائماً ليكون الحلقة الأسرع والأكثر دقة في نقل المعلومة للقارئ، مع الالتزام بقواعد النشر الرقمي وسرعة الأرشفة لتغطية كافة الأحداث والتوجهات الجديدة فور ظهورها، ليبقى متابعو الموقع في قلب الحدث على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى