الحياد الكربوني أم المصلحة الوطنية.. بأيهما تضحي بريطانيا؟ (تقرير)

يشتدّ الجدل الدائر حول سياسات الحياد الكربوني في بريطانيا، ومدى جدواها في تحقيق المصلحة الوطنية في البلد الواقع شمال غربي أوروبا.
ووفق افتتاحية لصحيفة ذا تيليغراف، اطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة، ترى مجموعات سياسية في بريطانيا، مثل بعض رموز حزب المحافظين، أن الأهداف المناخية الصارمة أصبحت تُفرَض على حساب الأولويات الوطنية المباشرة.
ويبرّر منتقدو الحياد الكربوني في بريطانيا موقفهم بأن تقييد استخراج الموارد الهيدروكربونية من بحر الشمال مثل حقل “روزبنك” (Rosebank)، يجعل لندن مضطرة إلى استيراد الطاقة بأسعار مرتفعة؛ ما يقوّض أمنها القومي ويضعها بين براثن التقلبات الجيوسياسية العالمية.
في المقابل، تعتقد حكومة حزب العمال الحالية برئاسة آندي بيرنهام، والمنظمات البيئية والهيئات الاستشارية مثل “لجنة تغير المناخ” أن المصلحة الوطنية تقتضي تسريع التحول الطاقي في بريطانيا.
وينظر الداعمون لسياسات الحياد الكربوني في بريطانيا إلى التقنيات النظيفة بوصفها آلية فاعلة لتوفير فرص عمل جديدة عالية الجودة، واستقطاب استثمارات بمليارات الجنيهات الإسترلينية في قطاعات التقنية الخضراء.
ويرى مؤيدو الأهداف المناخية أن الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة مثل الشمس والرياح والطاقة النووية هو الضمان الحقيقي الوحيد لتعزيز أمن الطاقة في بريطانيا على المدى الطويل؛ كونه يُحصِّن البلاد تمامًا من التقلبات المستمرة في أسواق الوقود الأحفوري العالمية.
قوانين تُعفي من المسؤولية
خلال الأعوام الـ50 الماضية، سُرّ السياسيون في المملكة المتحدة بسن قوانين تعفيهم من المسؤولية، وشاع هذا في مجال سياسات الطاقة بأكثر من أي مجال آخر، وفق ما ورد في افتتاحية “ذا تيليغراف”.
وفي أعقاب التصديق عليها دون أي تدقيق في أواخر عهد حكومة رئيسة الوزراء البريطانية السابقة، تيريزا ماي، نقلت قوانين الحياد الكربوني في بريطانيا السلطة من البرلمان إلى القضاء؛ ما منح الأخير سلطة أكبر لتحديد صلاحيات الوزراء.
واستشهدت الافتتاحية بكواليس قصة حقلَي النفط والغاز “جاكداو” (Jackdaw) و”روزبنك” الواقعَيْن في القطاع البريطاني من بحر الشمال، التي ألحقت ضررًا بالمصلحة الوطنية.
وقالت إن حقلَي “جاكداو” و”روزبنك” قد حصلا على ترخيص لبدء أعمال التطوير في عامي 2022 و2023 على الترتيب.
لكن قاضيًا أوقف كلا المشروعَيْن في عام 2025، حينما قضى بعدم أخذ آثارهما البيئية في الحسبان من قِبل المطورين، وفق مقتضيات قوانين الحياد الكربوني.
ومع ذلك، كان ما يزال بمقدور رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، كير ستارمر، منح الضوء الأخضر لتطوير الحقلَيْن المذكورَيْن، غير أنه فضَّل الاختباء وراء الإجراءات القانونية، حسب وصف الافتتاحية التي اطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة.

أزمة طاقة.. ولكن
على الرغم من أزمة الطاقة الناجمة عن الحربَيْن الأوكرانية والإيرانية، فإن بريطانيا لم تستطع استغلال الموارد الموجودة على حدودها بسبب القوانين التي صاغتها لندن بنفسها، وفق افتتاحية “ذا تيليغراف”.
وفي خطوة لاقت ترحابًا كبيرًا، وافق رئيس الوزراء البريطاني، آندي بيرنهام، أخيرًا على مشروع “جاكداو” بعد شهور من التأجيل.
في المقابل، تميل وزيرة الطاقة البريطانية، مياتا فاهنبوليه، إلى حظر مشروع “روزبنك” الذي يُعد آخر احتياطي نفطي رئيس غير مستغَّل في المملكة المتحدة، عازية موقفها إلى “الالتزامات المناخية”.
ووصفت الافتتاحية موقف “فاهنبوليه” بأنه “عبثي”، موضحةً أن بريطانيا تُسهم في أقل من 1% من الانبعاثات الكربونية العالمية.
وأضافت أن بريطانيا ستواصل استعمال النفط والغاز لعقود مقبلة، وهو ما يقرّ به آندي بيرنهام نفسه.
وتابعت: “والسؤال الوحيد هنا يتمحور حول ما إذا كانت موارد النفط والغاز تلك ستأتي من بحر الشمال، وستدعم الوظائف البريطانية، وستحقق إيرادات ضريبية، وستعزز أمن الطاقة لدينا، أم أنها ستأتي من الخارج”.
واختتمت “ذا تيليغراف” افتتاحيتها بقولها: “لقد ضحَّت بريطانيا بمصلحتها القومية من أجل الحياد الكربوني لمدة طويلة جدًا”.
موضوعات متعلقة..
اقرأ أيضًا..
المصدر:
1. سياسات الحياد الكربوني في بريطانيا، من افتتاحية في صحيفة “ذا تيليغراف”.



