“السحلية المباركة”.. آخر طغاة الأرض قبل أن تستولي الديناصورات على العرش | علوم

قبل 237 مليون سنة، خلال العصر الترياسي، أي قبل ظهور الديناصورات اللاحمة الكبيرة وانتزاعها عرش الهيمنة بزمن طويل، كان المشهد الطبيعي في المنطقة التي يقع فيها اليوم منتزه تالامبايا الوطني بالأرجنتين – الذي يحظى بأهمية دولية في مجال علم الحفريات وأُدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2000 – مختلفا تماما عما نعرفه الآن، فبدلا من الجدران الصخرية الحمراء والمناخ الجاف، كانت الأنهار والبحيرات والسهول الواسعة تمتد في أرجائها، وتجوبها مجموعة متنوعة من الحيوانات التي تبدو غريبة بأعيننا المعاصرة.
وكانت المنطقة آنذاك جزءا من عالم يتعافى من “الموت العظيم “، حين قضت أكبر موجة انقراض جماعي على معظم الأنواع الموجودة على الكوكب، تاركة النظم البيئية في طور إعادة التشكل. ومع اختفاء مجموعات كاملة من الكائنات، خلت العديد من المنافذ والأدوار البيئية، وبدأت مجموعات جديدة من الحيوانات في الظهور وشغل المواقع التي تركها أسلافها المنقرضون.
ويوضح الباحث في علم حفريات الفقاريات، أرييل كارديو، الطالب في منحة دكتوراه من المجلس الوطني للبحوث العلمية والتقنية (كونيسيت) في المركز الإقليمي للبحوث العلمية ونقل التكنولوجيا في لا ريوخا بالأرجنتين أن “العديد من الأدوار داخل النظم البيئية تصبح شاغرة بعد الانقراضات الجماعية، في وقت تكون فيه الموارد شحيحة أيضا. وفي ظل هذه الظروف، تميل المجموعات “الانتهازية ” إلى الهيمنة والانتشار، وعادة ما تكون حيوانات صغيرة تتكاثر بسرعة ويمكنها الازدهار رغم ندرة الموارد “.
ويضيف المؤلف الرئيسي للدراسة في حديثه للجزيرة نت أنه “مع تحسن الظروف، تبدأ النظم البيئية في التعافي من القاعدة إلى القمة، إذ تظهر النباتات الأكبر حجما أولا، ما يتيح بدوره ظهور حيوانات عاشبة أكبر، تليها حيوانات لاحمة (مفترسة) كبيرة “.
ومن بين هذه المفترسات، عاش في ذلك العالم المتغير حيوان قاتل ضخم بلغ طوله نحو 6 أمتار من مقدمة أنفه المخيفة إلى ذيله، فيما وصل طول جمجمته إلى قرابة 60 سنتيمترا، وكان يمتلك أسنانا حادة “تشبه الشفرات ” وبنية جسدية ضخمة – مقارنة ببقية الحيوانات وعناصر النظام البيئي – مكنته من اتخاذ وضعية قائمة نسبيا أثناء الحركة، وهي صفات جعلت منه مفترسا فعالا فرض هيبته على النظم البيئية التي عاش فيها في ذلك العصر.
وهذا المفترس هو النوع الذي كشفت عنه دراسة جديدة نُشرت في دورية “بيبرز إن باليونتولوجي “، إذ أطلق علماء الحفريات في الأرجنتين عليه اسم “شاكاجلورا ريوجانينسيس “. وينتمي المفترس القمي إلى مجموعة الباراكروكوديلومورفا، وهي زواحف رباعية القوائم تراوح طولها بين 4 و10 أمتار، وتمثل أقارب بعيدة للتماسيح الحالية.
وكما هو الحال مع العديد من الأنواع الأحفورية، يحمل الاسم الذي اختير لهذا الحيوان جزءا من قصة اكتشافه. فالاسم النوعي “ريوجانينسيس ” يشير إلى مقاطعة لا ريوخا التي عُثر فيها على الأحافير. أما اسم الجنس “شاكاجلورا ” فهو يجمع كلمتين من لغة الكاكان التي كان يتحدث بها أفراد شعب دياغيتا الأصليون الذين سكنوا مناطق واسعة من شمال غربي الأرجنتين.
وتعني “شاكاج ” كلمة “مبارك “، بينما تعني “لورا ” سحلية. وبذلك يمكن تفسير الاسم الكامل على أنه “السحلية المباركة من لا ريوخا “، في إشارة تكرّم المنطقة والثقافات التي سكنتها قبل وقت طويل من بدء علم الحفريات في كشف أسرارها.

مفترس ضخم قبل هيمنة الديناصورات
رغم أن الماضي السحيق يرتبط في أذهاننا عادة بالديناصورات، فإنها لم تكن خلال جزء كبير من العصر الترياسي القوة المهيمنة على النظم البيئية البرية. فالديناصورات الأولى كانت قد ظهرت بالفعل، لكنها كانت صغيرة نسبيا وأقل انتشارا، بينما انتمت الحيوانات المفترسة الكبيرة إلى مجموعات أخرى من الزواحف، من بينها مجموعة الباراكروكوديلومورفا، التي ضمت بعضا من أكبر المفترسات التي عاشت في النظم البيئية البرية خلال العصر الترياسي.
وكان “شاكاجلورا ” واحدا من أفراد هذه المجموعة. فقد كان يمشي على أربع قوائم، لكنه اتخذ وضعية أكثر انتصابا من التماسيح الحديثة، ما يرجح أنه استعان بأطرافه ووضعية جسمه القائمة لمطاردة الفرائس، بدلا من الاعتماد على الكمائن كما تفعل أقاربه الحالية.
كما امتلك أسنانا حادة تتلاءم مع اصطياد الفرائس، وتميز بحواف مسننة مهيأة لقطع اللحم، وهي سمة شائعة لدى الزواحف اللاحمة. ويرجح أن عضته كانت قوية بقدر عضة التماسيح الحديثة، فيما كان كل سن من أسنانه يشبه “النصل “.
ونظرا لحجم جسمه الذي يقارب شاحنة متوسطة، يتوقع أرييل أن “شاكاجلورا ” كان يستخدم فكيه المحشوتين بالأنياب الشبيهة بالخناجر لافتراس حيوانات عاشبة ضخمة مثل “الديسينودونتات “، التي كانت تمثل أسلافا بدائية للثدييات وتشبه ذوات الحوافر في شكلها، ويُعتقد أنها كانت تعيش في جماعات وتتحرك في قطعان، ليحتل بذلك قمة الشبكة الغذائية في هذا النظام البيئي.
ويمثل هذا الاكتشاف أهمية علمية خاصة نظرا إلى ندرة أحافير هذه المجموعة من الزواحف وصعوبة العثور عليها، إذ عُثر على عدد قليل جدا من عيناتها مقارنة بمجموعات حيوانية أخرى عاشت في الفترة نفسها. ووُصفت آخر حفرية معروفة لهذه المجموعة في الأرجنتين عام 1997، أي قبل ما يقرب من 3 عقود.

طغاة حقبة جديدة
وجاء ظهور هذه المفترسات خلال العصر الترياسي، الذي بدأ في أعقاب أكبر حدث انقراض جماعي شهدته الأرض على الإطلاق، والمعروف باسم “الموت العظيم “، عندما أدت ثورات بركانية هائلة إلى إطلاق كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت، ما تسبب في استنزاف الأكسجين من المحيطات.
ووفق تقديرات أرييل، أدت هذه التغيرات إلى استبدال أكثر من 90% من الكائنات البحرية، ونحو 70% من الكائنات البرية، واستغرق الأمر ملايين السنين قبل أن يبدأ التنوع الحيوي للأرض في التعافي.
ومثّل العصر الترياسي بداية حقبة الحياة الوسطى، أو ما يُعرف أحيانا بـ “عصر الزواحف “، وهي مرحلة شهدت تنوعا لافتا في الكائنات التي عاشت في بيئاته، من الحيوانات العاشبة الكبيرة والزواحف غريبة المظهر إلى أقارب الثدييات والمفترسات المتنوعة، فضلا عن مجموعات حيوانية ظهرت لاحقا لتصبح مكونات رئيسية للنظم البيئية البرية. ومع ذلك، كانت معظم الحيوانات في بدايات هذا العصر لا تزال بعيدة عن الأحجام الهائلة التي ستصل إليها بعض الكائنات خلال العصرين الجوراسي والطباشيري اللاحقين.
ويقول أرييل: “بعد الانقراض الجماعي في نهاية العصر البرمي، وكقاعدة عامة عقب الانقراضات الجماعية الكبرى، تميل المجتمعات الحيوانية في مرحلة التعافي خلال الملايين التالية من السنين إلى أن تكون أصغر حجما مقارنة بتلك التي سبقت الانقراض، إذ يسهل الحفاظ على حجم جسم صغير في ظل ندرة الموارد “.
ويضيف: “مع تعافي الشبكات الغذائية بمرور الوقت، تعاود الفقاريات الكبيرة الظهور مجددا في السجل الأحفوري. وفي هذه الحالة، استمر التعافي الذي أعقب الانقراض الجماعي فترة طويلة، ظلت خلالها الحيوانات البرية ذات الأحجام القصوى في حدود 3 أمتار، أو ما يزيد قليلا عن ذلك في حالات نادرة “.
ويوضح أن “ظهور فقاريات كبيرة الحجم مجددا يشير إلى أن البيئة بدأت تستقر بعد الأزمة، وباتت قادرة على توفير موارد كافية لهذه الكائنات الضخمة، وهو ما أسهم بدوره في تحديد بنية النظم البيئية، بما في ذلك المجموعات المهيمنة فيها، خلال ملايين السنين اللاحقة “.

نافذة على عالم ترياسي غامض
ويعد تكوين تشانياريس بمقاطعة لا ريوخا، الذي عُثر فيه على البقايا الأحفورية عامي 2017 و2018، من أهم السجلات الحفرية للعصر الترياسي، ويمثل بالنسبة إلى علماء الحفريات نافذة على فترة لا تزال غامضة من تاريخ الأرض، حين بدأت الحياة البرية تستعيد عافيتها التي كانت عليها قبل انقراض نهاية العصر البرمي الجماعي. وتحفظ صخوره أدلة على واحدة من أهم مراحل تاريخ الفقاريات البرية، وهي مرحلة تنوع المجموعات التي ستنشأ منها لاحقا الديناصورات والثدييات والتماسيح.
ويوضح أرييل أنه “قبل حوالي 235 مليون سنة، كانت منطقة تشانياريس تتميز ببيئة شبه قاحلة ومناخ دافئ، مع وجود أنهار متعرجة تظهر بصورة متقطعة. وكانت المنطقة تتأثر بشدة بالنشاط البركاني الإقليمي الذي تسبب في تساقط كميات هائلة من الرماد البركاني، أسهمت – إلى جانب السيول المفاجئة – في دفن الكائنات بسرعة، ولعبت دور الآلية الأساسية للدفن والعامل الرئيسي وراء حالة الحفظ الاستثنائية للحيوانات التي عاشت في تشانياريس خلال العصر الترياسي “.
وتقدم كل أحفورة جديدة تُكتشف في هذه المنطقة معلومات عن كائنات وبيئات وعمليات تكيفية لم تعد موجودة اليوم، وتتيح للعلماء إعادة بناء تاريخ مجموعات شملت أسلاف الثدييات والديناصورات وأقارب التماسيح، إضافة إلى النباتات والمفصليات.
وفي حالة “شاكاجلورا “، يعزز الاكتشاف فرضية حدوث تغيرات مهمة في مجتمعات الفقاريات التي عاشت في تكوين تشانياريس الشهير عالميا بجودة أحافيره الاستثنائية، ما يساعد على فهم كيفية تحول النظم البيئية خلال فترة اتسمت بديناميكية استثنائية في تاريخ الحياة.
كما يقدم أدلة جديدة على تنوع المفترسات الكبيرة التي عاشت في الجزء الجنوبي من قارة بانغيا العملاقة، التي كانت تجمع كل يابسة الأرض قبل نحو 360 مليون سنة، قبل أن تتفكك وتتوزع لتشكل قارات العالم الحالية.
ويؤكد الباحثون أن الاكتشاف يعزز مكانة لا ريوخا وتالامبايا باعتبارهما من المواقع المهمة عالميا لدراسة تاريخ الحياة القديمة، ويوفر معلومات جديدة لفهم عالم اختفى قبل أكثر من 230 مليون سنة، حين لم تكن الديناصورات العملاقة قد فرضت هيمنتها على الأرض، وكانت أسلاف التماسيح تشغل موقعا بارزا بين كبار المفترسات.
صفات تشريحية تكشف جنسا جديدا
قبل اكتشاف شاكاجلورا ريوجانينسيس، كان سجل مجموعة “الباراكروكوديلومورفا ” في تكوين تشانياريس الجيولوجي محدودا للغاية، إذ لم يكن معروفا منه سوى “لوبيروسوكس فراكتوس “، وهو جنس منقرض من الزواحف أشباه التماسيح التي عاشت خلال العصر الترياسي المتأخر، ووُصف في سبعينيات القرن الماضي، لكن دراسة الأحافير الجديدة كشفت مجموعة من الاختلافات التشريحية المهمة، ولا سيما في منطقة الخطم والفك والعظام المحيطة بمحجر العين.
ويوضح أرييل أن “شاكاجلورا يتميز بمزيج من الصفات غير المعهودة لدى بقية أفراد مجموعة الباراكروكوديلومورفا، من بينها عظم قبل مفصلي طويل يتجاوز في حجمه عظم الفك العلوي، وبروز على الجانب الإنسي (الداخلي) لعظم الوجنة، إضافة إلى ثلمة في العظم المربع. علاوة على ذلك، فإن سطح عظمة الفك العلوي يحمل زخرفة بدائية فقط، بينما تبدو العظمة الأنفية مسطحة بشكل أساسي، كما تحتوي العظمة الواقعة خلف المحجر على بروز أمامي يشبه الحافة “.
وبحسب قوله، أتاحت هذه الصفات للباحثين تحديد أن الأحافير تنتمي إلى جنس ونوع جديدين تماما للعلم، ولا تمثل لوبيروسوكس الذي يتميز بزخرفة واضحة على عظم الفك العلوي، وعظمة أنفية منحنية للأعلى، وبروز يشبه العقدة في الجزء الخلفي من العظم الواقع خلف الحجاج، مشيرا إلى أن “هذه الصفات اعتبرتها الدراسات السابقة خصائص شديدة الأهمية في تعريف ذلك النوع وتمييزه عن بقية أفراد مجموعة الباراكروكوديلومورفا “.
وعلى الرغم من أن هذه الأحافير مجزأة، يرى الباحث في علم حفريات الفقاريات أنها “تضم عظاما متنوعة وغنية بالمعلومات، مما أتاح مناقشة فرضيات سابقة حول الخصائص الرئيسية لمجموعة الباراكروكوديلومورفا، فضلا عن إعادة تقييم العلاقات التطورية بين بعض أحافير هذه المجموعة “.
ويشير إلى أن “اكتشاف شاكاجلورا يمثل حالة سُجل فيها وجود أكثر من كائن ضخم من فئة الباراكروكوديلومورفا في التجمع الأحفوري نفسه، وهي ظاهرة – وإن لم تكن فريدة – تعد نادرة نسبيا “.
ويضيف الاكتشاف بذلك قطعة جديدة إلى صورة التنوع الكبير للحيوانات التي عاشت في المنطقة خلال العصر الترياسي، كما يساعد على فهم أفضل للمفترسات التي كانت تحتل قمة السلاسل الغذائية قبل أن تصل الديناصورات إلى الهيمنة التي ستتمتع بها لاحقا خلال العصرين الجوراسي والطباشيري.
ولا يزال انقراض هذه الكائنات العملاقة من مجموعة “الباراكروكوديلومورفا ” لغزا حتى الآن. لكن أرييل يفترض أن المنافسة مع الديناصورات المبكرة من رتبة “الثيروبودا ” قد لعبت دورا في ذلك، ولكن الأرجح أن السبب يعود إلى مزيج من عوامل بيئية وإيكولوجية أخرى.
ويلفت في ختام حديثه إلى أن نهاية العصر الترياسي شهدت حدثا انقراضيا جماعيا آخر، لم يقضِ على هذه المفترسات الضخمة فحسب، بل طال أيضا العديد من الكائنات الحية الأخرى. وبالتالي, فإن ديناميكيات الانقراض معقدة، ومن المرجح أن تكون عوامل متعددة قد تدخلت فيه.



