جبل مقدس ورجل يبحث عن مكانه.. هل أنصف “تينزينغ” بطله؟ | فن

قد يصل رجلان إلى القمة نفسها، لكن الذاكرة لا تمنحهما بالضرورة المكانة ذاتها. ففي صعود إيفرست عام 1953، ارتبط اسما إدموند هيلاري وتينزينغ نورغاي بإنجاز تاريخي واحد، غير أن شهرة هيلاري في الذاكرة الشعبية طغت لعقود على اسم رفيقه الذي امتلك خبرة واسعة بالجبل وأهله وطرقه.
ومن هذه المسافة بين الإنجاز وكيفية روايته ينطلق فيلم “تينزينغ” (Tenzing) للمخرجة جينيفر بيدوم، محاولا تسليط الضوء على حكاية الرجل الذي لم يحظ بالاهتمام نفسه.
يعتبر “تينزينغ” أول تجربة روائية طويلة لبيدوم، المعروفة بأعمالها الوثائقية عن الهيمالايا، وقد شاركت في كتابة قصته إلى جانب لوك ديفيز الذي انفرد بكتابة السيناريو. وعرض الفيلم في دور عرض مختارة في 9 أكتوبر/تشرين الأول، قبل وصوله إلى “آبل تي في” يوم 16 من الشهر نفسه.
رحلة إلى القمة
تتبع الحبكة رحلة تينزينغ نورغاي (غيندن فونتسوك) منذ سنواته الأولى في منطقة الهيمالايا، وصولا إلى مشاركته في البعثة البريطانية عام 1953 بقيادة جون هانت (ويليام دافو). ومع تقدم المسيرة، يسعى تينزينغ إلى إثبات أنه أكثر من مجرد حامل للمعدات، وأن خبرته تؤهله لأن يكون من أركان الفريق.
يقوده ذلك إلى شراكة مع إدموند هيلاري (توم هيدلستون)، تتطور مع اشتداد صعوبة الصعود ومواجهة الفريق الثلوج والإرهاق واحتمال الفشل. وتمتد جذور الرحلة إلى طفولة تينزينغ ومراحل أخرى من حياته، بحيث تبدو رغبته في الصعود نتيجة لمسار طويل، لا قرارا مفاجئا فرضته المغامرة.
تساعد العودة إلى الماضي على فهم دوافع الشخصية، لكنها تكشف حدود السيناريو الذي يشرحها أكثر مما يتعمق في الصراعات التي تتركها داخلها. لذلك تبدو المراحل العمرية أحيانا أقرب إلى حلقات مرتبة لتفسير ما سيأتي، بدلا من لحظات تكشف تناقضات الشخصية واختياراتها الصعبة. كذلك تمر آثار الفوارق الطبقية والثقافية، وما تتركه من جرح في كرامة تينزينغ، بسرعة لا تمنحها الوزن الذي تستحقه.
بطل واحد وثلاثة أعمار
يؤدي ثلاثة ممثلين شخصية تينزينغ في مراحل عمرية مختلفة، ومع ذلك يقنع التشابه بينهم بأننا أمام الرجل نفسه وهو يتغير مع الزمن.
وعندما يتولى غيندن فونتسوك الدور في مرحلة النضج، يحمل الجانب الأكبر من العبء العاطفي بأداء متزن يعتمد على النظرات والانفعالات الداخلية أكثر من الاستعراض، ويمنح الشخصية قوة لا تحتاج إلى كثير من الحوار لشرحها.
وتنجح مشاركة توم هيدلستون في إبقاء مركز الحكاية مع فونتسوك؛ فهيلاري لا يتحول إلى بطل مواز ينتزع الفيلم منه، بل يتيح اختلاف خلفيتيهما تناول معنى الانتماء والمكانة داخل فريق واحد، من دون اختزال العلاقة في صداقة جاهزة أو منافسة بين بطلين.
ومن هنا تنشأ شراكة تتجاوز الضرورة العملية إلى الثقة، أما ويليام دافو فيضيف إلى شخصية جون هانت قدرا من الحضور الإنساني.
إنجاز جماعي بحكاية فردية
لا يمكن اختزال صعود إيفرست في بطولة رجل واحد؛ إذ اعتمد الإنجاز على فريق تقاسم المخاطر والعمل، وعلى أبناء الجبل الذين امتلكوا معرفة ضرورية بالمسارات والطقس وظروف التسلق. لكن الفيلم يمنح تينزينغ الأولوية، بينما تظل شخصيات كثيرة من حوله أقرب إلى إطار للحكاية منها إلى أطراف لها تجاربها الخاصة.
وهنا تظهر مفارقة الفيلم الذي يسعى إلى تصحيح إغفال تاريخي بحق تينزينغ، لكنه لا يمنح المحيطين به استقلالا دراميا بالقدر نفسه، ما يجعل الإنصاف فرديا أكثر مما هو إعادة نظر كاملة في المجموعة التي صنعت الإنجاز.
دراما تقترب من الوثائقي
تظهر خبرة جينيفر بيدوم الوثائقية بوضوح في مشاهد التسلق. فهي لا تتعامل مع إيفرست كخلفية جميلة لمغامرة، وإنما كقوة مادية تفرض شروطها على أجساد المتسلقين. وتمنح صورة الأسترالي ستيفان دوسيو الثلج والريح والمسافات الشاسعة وظيفة تتجاوز الإبهار البصري؛ إذ ينتقل الفيلم بين اتساع المكان وهشاشة الإنسان داخله، من المناظر الواسعة إلى التنفس المرهق والخطوات البطيئة داخل الفراغ الأبيض.
بيدوم لا تحتاج إلى اختراع مخاطر متتالية كي تجعل الصعود متوترا؛ يكفي أن تترك للارتفاع والبرد والجليد أثرها على الشخصيات. والصورة لا تجعل الجبل جميلا فقط، بل تجعله محسوسا وثقيلا، وهو ما يمنح مشاهد التسلق قدرا كبيرا من الصدق.
كما يخدم طول الفيلم هذا الجانب؛ فالتسلق لا يتكون من لحظات الخطر وحدها، وإنما من أيام الترقب والتعب واتخاذ القرارات والتراجع ثم المحاولة من جديد. لكن هذه القوة البصرية تكشف تفاوتا في البناء الدرامي، إذ يبدو العالم المادي المحيط بالمتسلقين أحيانا أكثر اكتمالا من العالم الإنساني الذي يجمعهم.
وتضيف الموسيقى التصويرية لـ ريبيكا كاريوورد بعدا آخر إلى العلاقة بين الإنسان والجبل، فتواكب تصاعد التوتر خلال التسلق، وتمنح العالم الروحي لتينزينغ حضورا صوتيا يتجاوز مشاهد المغامرة.
وتكون أكثر تأثيرا حين تتراجع لتترك للصوت الطبيعي والتنفس والصمت مساحة للتعبير، لكنها تبدو أحيانا مباشرة في دفع المشاعر نحو ذروتها، بما يقلل من قوة الصورة نفسها. وفي لحظات كهذه، يبدو الصمت أقدر على التعبير عن رهبة القمة من الموسيقى التي تسعى إلى تأكيدها.
بين الجبل المقدس وحدود الاحتفاء
لا يقدم الفيلم إيفرست باعتباره خصما ينتظر من يهزمه فقط. بالنسبة إلى تينزينغ، يحمل الجبل معنى روحيا وثقافيا يتجاوز الوصول إلى القمة؛ فهو “تشومولانغما”، الأم المقدسة بحسب معتقدات مجتمعه.
وتضع هذه الرؤية تجربته في مواجهة منطق يعتبر الصعود إنجازا يضاف إلى سجل الاستكشاف، لتطرح سؤالا يتجاوز هوية أول من وصل: من يملك حق تعريف المكان، ومن يقرر معنى الإنجاز الذي يتحقق فوقه؟
غير أن الفيلم لا يتوسع كثيرا في التفاوت بين أصحاب القرار وأصحاب الخبرة، ولا يحول هذا التناقض إلى صراع سياسي متكامل، بل يظل أقرب إلى سيرة تينزينغ والرحلة التي شكلت حياته منه إلى تفكيك شامل للعلاقات التي أحاطت بالبعثة.
كما تضيف مشاركة نوربو تينزينغ، نجل البطل، في الإنتاج التنفيذي بعدا عائليا إلى إعادة رواية هذه السيرة، لكن الأهم هو إعادة النظر في الطريقة التي تحفظ بها الذاكرة إنجازا جماعيا عبر أسماء محددة، وتمنح بعضها مكانا أكبر من البعض الآخر.
ربما لا يستطيع فيلم “تينزينغ” إعادة كتابة تاريخ صعود إيفرست، لكنه يستطيع أن يغير زاوية النظر إليه. فالقمة التي عرفت طويلا من خلال اسمين تصبح هنا مدخلا إلى رجل كان يعرف الجبل من الداخل ويحمل معه معنى مختلفا للوصول. وبينما نجح الفيلم في استعادة مكان تينزينغ داخل الصورة، فإنه يترك وراءه سؤالا أكبر: ترى كم من الأسماء الأخرى بقيت خارجها؟



