كيف يمكن أن تنتهي الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؟ | سياسة

8 أشهر تقريبا مضت منذ 28 فبراير/شباط 2026، حين بدأت إسرائيل والولايات المتحدة حربهما على إيران، واغتيل المرشد الأعلى علي خامنئي في أيامها الأولى.
وخلال هذه الأشهر تنقلت الحرب بين هدنة بوساطة باكستانية في 7 أبريل/نيسان، ومذكرة تفاهم أعلنت في إسلام آباد في 18 يونيو/حزيران ثم علق العمل بها، وحصار بحري يخنق صادرات النفط الإيرانية، فيما تتعثر المفاوضات عبر الوسطاء. ومن هنا لم يعد السؤال: من يربح المعركة، بل: كيف يمكن أن تنتهي الحرب؟
قصص مقترحة
قائمة من 2 العناصرنهاية القائمة
تهدف هذه المقالة إلى مقاربة هذا السؤال من باب التاريخ، بقراءة حروب سابقة خاضتها أطراف الصراع الراهن في سياقاتها وأسبابها، واستخلاص العوامل التي حكمت نهاياتها.
حين استعادت إيران خرمشهر في مايو/أيار 1982 قررت مواصلة الحرب داخل العراق، فأضاعت 6 سنوات. ثم تآكلت قدرتها على الاحتمال بانهيار أسعار النفط عام 1986، واستعادة العراق الفاو في أبريل/نيسان 1988، وعملية “فرس النبي” الأمريكية، وإسقاط الطائرة المدنية الإيرانية في رحلتها 655 في 3 يوليو/تموز. فقبلت إيران القرار 598 في 18 يوليو/تموز 1988، وقال الخميني إن قبوله أشد عليه من تجرع كأس السم
وتستند المقاربة إلى 4 عوامل:
- أولها؛ القدرة على الحسم، أي امتلاك أداة تفرض شروط المنتصر على الأرض لا التفوق الناري وحده.
- ثانيها؛ القدرة على الاحتمال، بما تشمله من عمق جغرافي ومتانة اقتصادية واستعداد مجتمعي لتحمل الكلفة.
- ثالثها؛ البيئة الدولية، أي وجود الحليف أو غيابه.
- رابعها؛ إدراك النخب الحاكمة لما يمكن قبوله وما يستحيل التنازل عنه. ومن تفاعل هذه العوامل ترتسم نهاية كل حرب.
إيران: من جالديران إلى “كأس السم”
اندلعت حرب جالديران في سياق صعود الدولة الصفوية، حين امتدت دعوة الشاه إسماعيل الأول إلى قبائل القزلباش في الأناضول وتحولت إلى تهديد داخلي للعثمانيين بلغ ذروته في تمرد شاه قولي عام 1511.
فرد السلطان سليم الأول بحملة انتهت بلقاء الجيشين في جالديران في 23 أغسطس/آب 1514. امتلك العثمانيون التفوق الناري بالمدفعية والانكشارية، فهزم فرسان القزلباش هزيمة قاسية.
لكن المنتصر افتقر إلى القدرة على الحسم؛ فخطوط الإمداد طويلة، والأرض محروقة، والجنود متذمرون، فغادر سليم تبريز بعد أيام دون معاهدة.
في المقابل امتلك الصفويون العمق الجغرافي والقدرة على الاحتمال، فنجت دولتهم، وظل الصراع متقطعا أربعة عقود، شن خلالها السلطان سليمان القانوني 3 حملات على إيران، حتى وقع مع الشاه طهماسب الأول صلح أماسيا في 29 مايو/أيار 1555، وهو أول صلح رسمي بين الدولتين.
أقر الصلح بقاء بغداد والعراق وشرق الأناضول بيد العثمانيين، وأذربيجان وتبريز بيد الصفويين، واقتسم الطرفان جورجيا، وضمن للحجاج الإيرانيين الوصول إلى الحرمين والعتبات المقدسة في العراق، مقابل تعهد صفوي بالكف عن التجاوزات المذهبية.
صمد الصلح 23 عاما قبل أن تتجدد الحرب عام 1578، ثم جاءت معاهدة زهاب عام 1639 بين مراد الرابع والشاه صفي.
بيد أن القرن الـ19 حمل التجربة المعاكسة، جاءت الحرب الروسية القاجارية الأولى بين عامي 1804 و1813 في سياق التمدد الروسي جنوبا بعد ضم جورجيا عام 1801، وجاءت الثانية بين عامي 1826 و1828 بمبادرة إيرانية لاستعادة ما خسر، تحت ضغط فتاوى الجهاد وحماسة ولي العهد عباس ميرزا.
هنا اجتمعت العوامل الأربعة ضد إيران: جيش روسي حديث قادر على احتلال الأرض في مواجهة قوات قبلية وإصلاحات لم تكتمل، وعزلة دولية بعد أن تبين أن معاهدة 1814 لا تلزم بريطانيا بنصرة طهران حين تكون البادئة، وسوء تقدير من النخبة القاجارية للحظة الحرب.
فانتهت الأولى بمعاهدة كلستان في أكتوبر/تشرين الأول 1813، والثانية بمعاهدة تركمانجاي في 21 فبراير/شباط 1828، فخسرت إيران القوقاز ويريفان ونخجوان، ودفعت 20 مليون روبل، وفقدت حق الأسطول في بحر قزوين، ومنحت الرعايا الروس امتيازات قضائية. وصار اسم تركمانجاي في الوعي الإيراني مرادفا للإذلال.
أما الحرب العراقية الإيرانية، الممتدة بين عامي 1980 و1988، فاندلعت حين اجتاح العراق الأراضي الإيرانية في 22 سبتمبر/أيلول 1980، مستغلا اضطراب ما بعد الثورة، وخشية من تصديرها، ونزاع شط العرب.
من حيث القدرة على الحسم، تملك الولايات المتحدة وإسرائيل التفوق الجوي والاستخباري والقدرة على الاغتيال والحصار، لكنهما لا تملكان خيار الاجتياح البري الذي يفرض الشروط
امتلكت إيران القدرة على الاحتمال بكتلتها السكانية وتعبئتها الثورية، لكنها عانت العزلة وحظر السلاح، فيما حظي العراق بتمويل عربي وتسليح سوفياتي وفرنسي، ولم يملك أي منهما القدرة على الحسم.
وكان إدراك النخبة حاسما: فحين استعادت إيران خرمشهر في مايو/أيار 1982 قررت مواصلة الحرب داخل العراق، فأضاعت 6 سنوات. ثم تآكلت قدرتها على الاحتمال بانهيار أسعار النفط عام 1986، واستعادة العراق الفاو في أبريل/نيسان 1988، وعملية “فرس النبي” الأمريكية، وإسقاط الطائرة المدنية الإيرانية في رحلتها 655 في 3 يوليو/تموز.
فقبلت إيران القرار 598 في 18 يوليو/تموز 1988، وقال الخميني إن قبوله أشد عليه من تجرع كأس السم.
الولايات المتحدة: تفوق في الميدان وهشاشة في الداخل
دخلت الولايات المتحدة فيتنام في سياق الحرب الباردة ونظرية الدومينو، وتوسع تدخلها بعد حادثة خليج تونكين عام 1964. امتلكت تفوقا ناريا ساحقا، لكن قدرتها على الاحتمال تآكلت بفعل الرأي العام والكونغرس، في مواجهة خصم مدعوم سوفياتيا وصينيا يحتمل خسائر لا يحتملها الأمريكيون.
فوقعت إدارة ريتشارد نيكسون اتفاقيات باريس في 27 يناير/كانون الثاني 1973، وسقطت سايغون في 30 أبريل/نيسان 1975.
وجاء غزو العراق في 20 مارس/آذار 2003 بذريعة أسلحة الدمار الشامل في سياق ما بعد أحداث سبتمبر/أيلول 2001. هنا امتلكت واشنطن القدرة على الحسم فأسقطت النظام في 3 أسابيع، لكن غياب خطة لما بعد الحرب، وحل الجيش، واجتثاث البعث، أطلقت تمردا استنزف قدرتها على الاحتمال، فانسحبت في ديسمبر/كانون الأول 2011، وكانت إيران المستفيد الإقليمي الأكبر.
وفي أفغانستان، التي بدأت حربها في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2001، امتلكت طالبان الملاذ الآمن في باكستان والجذور القبلية والقدرة على الانتظار، فوقعت واشنطن معها اتفاق الدوحة في 29 فبراير/شباط 2020، ودخلت الحركة كابل في 15 أغسطس/آب 2021.
تكشف هذه السوابق عن 3 أنماط لنهايات الحروب، يحددها تفاعل العوامل الأربعة. فالتسوية المفروضة، كما في تركمانجاي، لا تتحقق إلا حين يجتمع امتلاك المنتصر أداة الحسم مع عزلة المهزوم وسوء تقدير نخبته.
والإنهاك المتبادل، كما في أماسيا والقرار 598، يحدث حين يغيب الحسم ويملك الطرفان القدرة على الاحتمال، فتنتهي الحرب حين يصبح استمرارها أخطر على بقاء النظام من وقفها.
أما الانسحاب الأمريكي المصحوب برواية تحفظ ماء الوجه، كما في باريس والدوحة، فيحدث حين يملك الخصم القدرة على الانتظار فيما يفقدها الداخل الأمريكي.
هدنة طويلة بلا سلام
وإذا طبقت العوامل الأربعة على الحرب الراهنة، تتضح ملامح نهايتها: فمن حيث القدرة على الحسم، تملك الولايات المتحدة وإسرائيل التفوق الجوي والاستخباري والقدرة على الاغتيال والحصار، لكنهما لا تملكان خيار الاجتياح البري الذي يفرض الشروط.
ومن حيث القدرة على الاحتمال، تملك إيران العمق الجغرافي وورقة مضيق هرمز وما تبقى من قدراتها الصاروخية، لكن اقتصادها منهك؛ فيما تقيد واشنطن كلفة اضطراب الطاقة، وتعرض حلفائها الخليجيين للرد الإيراني، وانتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026.
السيناريو الثالث، وهو الأرجح، فهدنة طويلة تقنن باتفاق مرحلي أمريكي إيراني، لأن معطيات الحرب تطابق شروط نمطي الإنهاك المتبادل والانسحاب الأمريكي معا: غياب الحسم، وقدرة إيرانية على الاحتمال تتآكل دون أن تنهار، وحسابات داخلية أمريكية تبحث عن مخرج
ومن حيث البيئة الدولية، تبدو إيران، كما في 1828، بلا حليف يقاتل عنها، وقد استنزفت حروب ما بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 حلفاءها الإقليميين، فيما تكتفي روسيا والصين بالدعم الدبلوماسي.
ومن حيث إدراك النخب، اجتاز النظام اغتيال مرشده وانتقال السلطة إلى مجتبى خامنئي، لكنه منقسم بين قيادة سياسية تقر بثقل الأزمة ومؤسسة أمنية ترى في أي تنازل مكافأة للعدو، بينما تفترق الأهداف داخل المعسكر المقابل: واشنطن تريد مخرجا نوويا وملاحيا، وإسرائيل تريد إسقاط النظام.
وعلى هذا الأساس تترتب السيناريوهات الثلاثة:
السيناريو الأول: التسوية المفروضة أو إسقاط النظام، هو الرهان الإسرائيلي، لكنه الأضعف احتمالا؛ لأنه يفتقر إلى الشرط الأول وهو أداة الحسم البرية، ولأن الضغط الذي يرفع شعار إسقاط النظام يعزز موقع المؤسسة الأمنية بدل أن يفكك النظام، كما رسخت جالديران الدولة الصفوية ورسخت حرب الثماني سنوات النظام الثوري.
والسيناريو الثاني: التصعيد الأمريكي بعد الانتخابات، قائم لكنه يعيد إنتاج المأزق الفيتنامي: تفوق ناري لا يعوض غياب الحسم، وقدرة أمريكية على الاحتمال تتآكل مع كل ارتفاع في أسعار الطاقة.
أما السيناريو الثالث، وهو الأرجح، فهدنة طويلة تقنن باتفاق مرحلي أمريكي إيراني، لأن معطيات الحرب تطابق شروط نمطي الإنهاك المتبادل والانسحاب الأمريكي معا: غياب الحسم، وقدرة إيرانية على الاحتمال تتآكل دون أن تنهار، وحسابات داخلية أمريكية تبحث عن مخرج.
ويرجح أن يحيي هذا الاتفاق مذكرة إسلام آباد بصيغة معدلة قد يحصنها قرار من مجلس الأمن على غرار القرار 598، ويقايض حرية الملاحة في هرمز برفع تدريجي للحصار، ويؤجل ملف التخصيب مع اعتراف ضمني بالحق فيه وقيود على مستواه.
فهذا ما يسمح لواشنطن بإعادة تعريف أهدافها كما فعلت في باريس والدوحة، ولطهران بأن تتجنب خطأ 1982 فتقبل النهاية وهي قادرة على تقديم الصمود نصرا.
غير أن العامل الرابع، بشقه الإسرائيلي، هو ما سيحدد متانة هذه الهدنة. فإسرائيل ليست طرفا في مذكرة إسلام آباد، وتأجيل التخصيب يعني في حسابها بقاء النظام وبرنامجه معا، ولذلك ستعمل على إبقاء الهدنة هشة بالاغتيالات والضربات المحدودة، كما تفعل في لبنان رغم وقف إطلاق النار المعلن في أبريل/نيسان 2026.
وكما بدأت هذه الحرب بقرار إسرائيلي التحقت به واشنطن شريكا، فإن نهايتها مرهونة بأن تفصل واشنطن أجندتها عن الأجندة الإسرائيلية، كما فعلت حين أبرمت في مايو/أيار 2025 وقف إطلاق نار مع الحوثيين دون إبلاغ إسرائيل مسبقا. والنتيجة المرجحة مسار مزدوج: تهدئة أمريكية إيرانية مقننة، واستنزاف إسرائيلي إيراني مستمر تحت سقف الحرب الشاملة.
سيعلن كل طرف انتصاره، لكن الاتفاق سيكون أقرب إلى صلح أماسيا، الذي جمد الصراع 23 سنة ولم ينهه، منه إلى سلام دائم؛ لأن جذور الصراع باقية: عقدة 1979 في إدراك واشنطن لطهران، وعقدة 2018 في إدراك طهران لواشنطن، وهدف إسرائيلي لم يتحقق ولم يتخل عنه.
فالحروب مع إيران لا تنتهي بالضربة القاضية، بل بالإنهاك المتبادل وبتسويات تؤجل الصراع ولا تحسمه. أما السؤال الذي سيبقى معلقا بعد صمت المدافع، فليس متى انتهت الحرب، بل: إلى متى ستصبر إسرائيل على هدنة لا تريدها؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



