المقاولات الصغرى “يتيمة الحكومة”.. هل فقدت أولويّتها في حكومة المنصوري؟

في حين سلّم كلُّ وزير في حكومة أخنوش سلطته لنظيره في الحكومة الجديدة، شَهد يوم الجمعة الماضي مَشهداً لافتاً تمثل في تسليم وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات السابق، يونس السكوري، مَفاتيح وزارته لأربعة خلف بدد عليهم اختصاصاته إلا واحداً، المقاولة الصغرى، التي غدت “يتيمة” بلا وزارة ترعاها، نظرياً على الأقل.
وسلّم السكوري، صلاحياته لكل من عبد الرحيم شهيد، وزير التشغيل والحوار الاجتماعي، ورياض مزور، وزير الصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي، ونبيل بنعبد الله، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، وماديحة خيير، الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل (قبيل إعفائها).
كما يتضح من عناوين الوزارات الجديدة أنّ “المقاولة الصغرى”، قد فقدت مكانها، كعنوان على الأقل، في حكومة المنصوري، ما يطرح علامات استفهام مُقلقة في صفوف المقاولين الصغار، الذين يعولون على الحكومة الجديدة لحل الكثير من الملفات العالقة التي ألفت بالآلاف منها، وما زالت، في غياهب الإفلاس.
الأهم هو وجود إرادة سياسية للنهوض بالمقاولات الصغرى..
وفي معرض جوابه عن سؤال بهذا الخصوص، اعتبر رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، عبد الله الفركي، أن “هذا السؤال مشروع، لأنه يتعلق بمكانة المقاولات الصغيرة جدًا والصغرى والمتوسطة في أولويات الحكومة الجديدة، وبمدى استعدادها لمعالجة الإكراهات التي تواجه هذه الفئة التي تشكل العمود الفقري للنسيج الاقتصادي الوطني”.
وأضاف الفركي، في تصريح لجريدة “مدار21″، أن “الهندسة الحكومية الجديدة لم تعد تتضمن قطاعًا وزاريًا يحمل التسمية السابقة المرتبطة بالإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، لكننا نرى أن المعيار الحقيقي ليس وجود وزارة تحمل اسم المقاولة الصغرى، بل وجود إرادة سياسية واضحة وسياسة حكومية فعالة للنهوض بها”.
وأضاف أنه “من خلال مواكبتنا للتجربتين السابقتين، سواء خلال حكومة عبد الإله بنكيران الثانية في 2013 أو حكومة عزيز أخنوش في 2021، لاحظنا أن إحداث قطاع وزاري مختص لم يكن كافيًا لإحداث التحول المنتظر في واقع المقاولات الصغرى؛ لذلك، فإننا نعتبر أن الإشكال لا يكمن في التسمية وحدها، بل في مدى توفر رؤية اقتصادية واضحة، وإجراءات عملية، وموارد كافية، وآليات فعالة للتنفيذ والتقييم”.
لا حكم مسبق على الحكومة الجديدة ومطالب واضحة
أما بخصوص الحكومة الجديدة، فأوضح المتحدث ذاته أن المقاولين الصغار “لا يتبنون موقفًا مسبقًا، لا بالتفاؤل المطلق ولا بالتشاؤم المسبق”. مضيفاً؛ “سنقيّم أداءها بناءً على القرارات التي ستتخذها والنتائج التي ستحققها. والتصريحات المتعلقة بدعم المقاولات الصغيرة في إطار التوجهات المالية لسنة 2027 تمثل إشارة إيجابية، لكن الرهان الحقيقي ليس في إعلان الدعم، بل في تحويله إلى إجراءات ملموسة يستفيد منها المقاولون على أرض الواقع”.
“ننتظر، في هذا السياق، إجراءات واضحة لتسهيل الولوج إلى التمويل، وتوسيع الاستفادة من آليات الضمان، وتفعيل حصة 20% المخصصة للمقاولات الصغيرة جدًا والصغرى والمتوسطة في الصفقات العمومية، ومعالجة تأخر الأداء، وتبسيط المساطر الإدارية والجبائية، إلى جانب دعم الرقمنة والتطوير التجاري وخلق فرص الشغل” يؤكد الفركي.
وشدد على أنه ينبغي بالضرورة أن تراعي هذه التدابير الاختلافات الكبيرة بين المقاولات، وألا تتحول شروط الاستفادة من برامج الدعم الحكومي إلى عوائق إضافية أمام المقاولات الأكثر هشاشة، التي تحتاج إلى المواكبة أكثر من غيرها.
وزارة الاقتصاد والمالية قادرة على الاضطلاع بهذا الدور
وفي ما يتعلق بالبديل عن الوزارة التي سلمها السكوري، اعتبر الفركي أن وزارة الاقتصاد والمالية يمكنها أن تضطلع بدور محوري في هذا الورش، خصوصًا في الجوانب المالية والجبائية؛ “لكن نجاح هذه السياسة يقتضي تنسيقًا فعليًا بين مختلف القطاعات الحكومية والمؤسسات المعنية”.
وأضاف “لذلك، ندعو الحكومة إلى تحديد جهة مسؤولة بوضوح عن قيادة وتنسيق السياسة الوطنية المتعلقة بالمقاولات الصغيرة جدًا والصغرى والمتوسطة، مع إشراك التمثيليات المهنية، وفي مقدمتها الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدًا والصغرى والمتوسطة، في إعداد القرارات وتتبع تنفيذها وتقييم نتائجها”.
وقال إن رسالة الكونفدرالية إلى رئيسة الحكومة هي أن المقاولات الصغيرة لا تطلب امتيازات استثنائية، بل تطالب بالإنصاف وتكافؤ الفرص، وبسياسات عمومية تستجيب لواقعها وإمكاناتها؛ “فالمقاول الصغير الذي يستثمر مدخراته ومدخرات عائلته، ويتحمل مخاطر المشروع، ويساهم في خلق فرص الشغل وأداء الضرائب، ويساهم في السلم الاجتماعي، يستحق أن يجد من الدولة المواكبة والتسهيلات، بدل أن يواجه وحده صعوبات التمويل وتعقيدات الإدارة ومحدودية فرص الولوج إلى الأسواق، وأن لا يُترك وحده فريسة للأبناك التجارية”.
وخلص إلى أنه “في النهاية، لا ينبغي أن يقتصر النقاش على سؤال: هل توجد وزارة للمقاولات الصغرى أم لا؟ بل يجب أن نطرح السؤال الأهم: هل تتوفر الحكومة على سياسة واضحة، ومسؤولية مؤسساتية محددة، وميزانية كافية، والتزامات قابلة للقياس لفائدة هذه المقاولات؟ هذا هو المعيار الذي سنعتمده في تقييم الحكومة الجديدة”.



