الأخبار

بين صناديق الاقتراع وطبول الحرب.. الشرق الأوسط ينتظر مفاجأة كبرى | سياسة


شكل فوز الحزب الديمقراطي بمجلسي الكونغرس الأمريكي في 3 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري انتصارا لمسار التغيير الذي تقوده تيارات شبابية تقدمية صاعدة، وذلك بعكس الحالة الإسرائيلية التي سيطر فيها اليمين القومي والديني على الخارطة السياسية إن كان بقيادة بنيامين نتنياهو، أو بقيادة زعيم المعارضة غادي آيزنكوت، وفق نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة.

والمفارقة هنا أن فوز الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة لا يشكل أزمة للرئيس ترمب فحسب وإنما تحدياً لبنيامين نتنياهو وإسرائيل التي فقدت قدسيتها وحصانتها في الولايات المتحدة، وتحولت إلى نقطة خلاف ونقاش بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي وفي أوساط النخبة والرأي العام الأمريكي، في سابقة تاريخية لم تحدث منذ أن أنشئت دولة إسرائيل في عام 1948، وذلك بسبب الإبادة الجماعية في غزة، والحرب على إيران.

شروط زعيم المعارضة غادي آيزنكوت التي رفعها مؤخرا في وجه الأحزاب العربية الفائزة بـ19 مقعدا في الكنيست للمشاركة في حكومته المفترضة -والتي طالب فيها بالإقرار بوثيقة “استقلال إسرائيل “، والاعتراف بيهودية الدولة، والتجنيد العسكري للجميع، إضافة إلى وصف المقاومة الفلسطينية بالإرهاب- تشير إلى مستوى العنصرية والتمييز التي يعامل بها الفلسطيني مقارنة بالأحزاب الإسرائيلية الأخرى

متغيرات إسرائيلية صداها في الولايات المتحدة

بتركيز النظر على نتائج الانتخابات الإسرائيلية، يظهر حدوث متغيرات بنيوية في الخارطة السياسية، وهي متغيرات كان لها عظيم الأثر على طبيعة العلاقة التي تربط إسرائيل بالولايات المتحدة التي تشهد بدورها صعود تيارات شبابية تقدمية ترفض الاحتلال والإبادة الجماعية في غزة وسياسة التطهير العرقي في الضفة الغربية، علاوة على رفضها نفوذ إسرائيل وتأثيرها على صناع القرار في البيت الأبيض والمؤسسات الأمريكية.

ومن أهم المتغيرات التي أفرزتها الانتخابات الإسرائيلية يشار إلى:

أولا: انحسار حزب العمل واليسار الإسرائيلي

وهو التيار الذي تبنى حل الدولتين ومبدأ الأرض مقابل السلام مع الفلسطينيين والعرب.

بدأت الانعطافة الأولى، عندما تقدم حزب الليكود بقيادة مناحيم بيغن، في انتخابات عام 1977، على تحالف “المعراخ ” الذي ضم حزب العمل القائد التاريخي لمؤسسات الدولة منذ إنشائها في عام 1948.

كما أن حادثة اغتيال رئيس الوزراء إسحاق رابين في تل أبيب في عام 1995، على يد متطرف يهودي بسبب البيئة السياسية الرافضة للسلام مع الفلسطينيين، كانت علامة فارقة أخرى في تراجع حزب العمل واليسار إلى أن وصلنا إلى انتخابات عام 2026، التي أفضت إلى حصول حزب الديمقراطيين بقيادة يائير غولان على 8 مقاعد، أي ما نسبته 6.6% من عدد مقاعد “الكنيست “، وهو الحزب الذي ضم بقايا حزبي العمل وميرتس اليساريَّين.

تلك المتغيرات العميقة في إسرائيل والتي تجلت في إنكار الدولة الفلسطينية، وانتهت بالإبادة الجماعية في غزة وسياسة التطهير العرقي في الضفة والقدس، سيكون لها تأثير مهم على طبيعة النقاش الذي ستشهده الولايات المتحدة والكونغرس الأمريكي الجديد، لا سيما بعد سيطرة الحزب الديمقراطي على الكونغرس، وهو الحزب الذي ما زال يدعم حل الدولتين.

ثانيا: إسرائيل دولة قومية دينية متطرفة

ائتلاف المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت الذي فاز بـ48 مقعدا، لا يختلف في جوهر موقفه السياسي والأمني عن ائتلاف اليمين القومي الديني بزعامة بنيامين نتنياهو والذي حاز على 53 مقعدا.

فكلاهما ائتلافان يرفضان الدولة الفلسطينية، ويدعمان يهودية دولة إسرائيل، ويتعاملان مع الفلسطينيين في الضفة والقطاع كأقلية ليس لها الحق في تقرير مصيرها.

كما يتعاملان مع فلسطينيي الـ48، بصفتهم “مواطنين ” من الدرجة الثانية، ولا يحق لهم المشاركة في صناعة القرارات السياسية، ناهيك عن اتهامهم بدعم الإرهاب لرفضهم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والاستيطان والتنكيل بالفلسطينيين.

شروط زعيم المعارضة غادي آيزنكوت التي رفعها مؤخرا في وجه الأحزاب العربية الفائزة بـ19 مقعدا في الكنيست للمشاركة في حكومته المفترضة، والتي طالب فيها بالإقرار بوثيقة “استقلال إسرائيل “، والاعتراف بيهودية الدولة، والتجنيد العسكري للجميع، إضافة إلى وصف المقاومة الفلسطينية بالإرهاب، تشير إلى مستوى العنصرية والتمييز التي يُعامل بها الفلسطيني مقارنة بالأحزاب الإسرائيلية الأخرى.

فالفلسطيني الرافض للتطرف والساعي للمساواة في الحقوق السياسية يشيطن ويتهم ويعزل عن المشهد السياسي بمزيد من القيود والشروط، في وقت تحظى فيه الأحزاب اليمينية المتطرفة، التي تمارس القتل والإرهاب والتنكيل بالفلسطينيين، بكامل الحرية والحق في تشكيل الحكومة وصناعة القرار السياسي.

ومن المفارقات في المشهد الإسرائيلي أن غادي آيزنكوت نفسه، صاحب الشروط المذكورة، هو رئيس أركان سابق، وقد فاخر بعقيدة الضاحية في عام 2006، بتدمير الضاحية الجنوبية لبيروت، كما أنه كان شريكا فاعلا في حكومة الطوارئ بقيادة نتنياهو أثناء حرب الإبادة على قطاع غزة، ما يعكس حالة التناقض والكراهية والإقصاء للآخر غير اليهودي.

أحد تداعيات فوز الحزب الديمقراطي في الكونغرس الأمريكي، قد يدفع الرئيس ترمب للمقامرة في استئناف الحرب على إيران بهدف الحسم والعودة براية النصر، لتعويض خسارة الحزب الجمهوري، ولإثبات قدرته على إحداث التغيير وصناعة التاريخ، خاصة أن الكونغرس الجديد سيتسلم مهامه ويمارس صلاحياته في 3 يناير/كانون الثاني عام 2027

ثالثا: سيناريوهات متعددة والجوهر واحد

في ظل نتائج انتخابات الكنيست تتعدد سيناريوات تشكيل الحكومة الإسرائيلية. وإذا استبعدنا تشكيلها بالشراكة مع القوائم العربية (19 مقعد للمشتركة والموحدة)، وهو المرجح بسبب حالة الشيطنة للأحزاب العربية وشروط زعيم ائتلاف المعارضة غادي آيزنكوت التي يطالب فيها بالإقرار بوثيقة “الاستقلال “، والاعتراف بيهودية الدولة، والتجنيد للجميع، وإدانة المقاومة الفلسطينية بوصفها إرهابا، فإن سيناريوات تشكيل الحكومة القادمة قد تنحصر فيما يلي:

  • تشكيل “حكومة أقلية ” بقيادة غادي آيزنكوت، بعد أن أيد ترشيحه نحو 67 نائبا من أصل 120، أي حكومة أقلية يهودية تدعمها الأحزاب الفلسطينية من خارجها، بهدف إسقاط نتنياهو، الذي لن يتوانى بدوره عن تعطيل عملها وإسقاطها، للذهاب إلى انتخابات برلمانية مبكرة.
  • أما إذا كلّف رئيس الدولة هيرتسوغ بنيامين نتنياهو أولاً، أو كلّفه بعد فشل المعارضة في تشكيل الحكومة، فقد تتشكل حكومة جديدة بقيادة نتنياهو، تضم ائتلافه الحاكم مع أحد أقطاب تحالف المعارضة، ويذكر في هذا السياق نفتالي بينيت قائد تحالف “معا”، وهو عضو سابق في حزب الليكود، وعلى يمين نتنياهو في المواقف السياسية المتطرفة، خاصة إذا نجح نتنياهو في إغرائه بوزارة سيادية وتوزير عدد من أقطاب حزبه.
  • تشكيل حكومة وحدة وطنية بين الائتلافين بقيادة نتنياهو وآيزنكوت. وهذا ما أيده رئيس الدولة يتسحق هيرتسوغ ودعمه الرئيس ترمب، حيث يرغب الأخير في حكومة وحدة وطنية بقيادة بنيامين نتنياهو تعمل معه لإنهاء ما بدأه في الشرق الأوسط وفي مقدمته الحرب على إيران.
  • السيناريو الرابع يتمثل في فشل تشكيل الحكومة والذهاب إلى انتخابات جديدة في مارس/آذار المقبل. ويرجح أن تكون الانتخابات الجديدة لصالح نتنياهو الذي سيعمل على تشويه المعارضة وشق صفها الداخلي، بالتوازي مع سعيه لتعزيز نفوذ اليمين، والتوسع في المشاريع الاستيطانية التي تسترضي جمهور اليمين المتطرف، ناهيك عن محاولته استثمار أي تصعيد عسكري قادم في المنطقة أو ضد إيران، في العملية الانتخابية التي تشكل فيها الورقة الأمنية نقطة جذب وحشد للجمهور الإسرائيلي.

طبول الحرب في الشرق الأوسط

أحد تداعيات فوز الحزب الديمقراطي في الكونغرس الأمريكي، قد يدفع الرئيس ترمب للمقامرة في استئناف الحرب على إيران بهدف الحسم والعودة براية النصر، لتعويض خسارة الحزب الجمهوري، ولإثبات قدرته على إحداث التغيير وصناعة التاريخ، خاصة أن الكونغرس الجديد سيتسلم مهامه ويمارس صلاحياته في 3 يناير/كانون الثاني عام 2027.

هذا الاحتمال، ورغم أنه يحمل في بطنه النجاح والفشل، يلقى قبولا ورغبة جامحة لدى بنيامين نتنياهو، فهو خيار يوفر له حصانة لاستمراره في السلطة، وربما رئاسته حكومة وحدة وطنية أو طوارئ في ظل الحرب، ما يقطع الطريق على غادي آيزنكوت لتشكيل حكومة جديدة، علاوة على أنه فرصة لاستكمال الطريق الذي بدأه نتنياهو مع الرئيس ترمب لإعادة رسم الشرق الأوسط وتغيير موازين القوى في المنطقة لصالح إسرائيل.

هنا تلتقي مصلحة واشنطن الجمهورية وتل أبيب اليمينية، حيث تسعى الأولى لتثبيت وتعزيز سيطرتها في الشرق الأوسط، بالتعاون مع إسرائيل التي تجد ضالتها في الرئيس ترمب لتحقيق تطلعاتها في الهيمنة والتوسع الاستعماري في الضفة الغربية وغزة ولبنان وسوريا.

وربما أبعد من ذلك تنفيذا لسردية الأرض الموعودة وإسرائيل الكبرى التي أشار إليها بنيامين نتنياهو في عام 2025، خلال مقابلته مع قناة آي24نيوز الإسرائيلية.

في ظل هذه البيئة المعقدة، وبعد الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية، لم يتبق أمام الرئيس ترمب سوى خيارات محدودة: فإما أن يقبل بالتسوية السياسية مع إيران بوساطة قطرية باكستانية مدعومة من دول المنطقة، أو أن يذهب إلى حرب خاطفة للضغط على إيران لتقبل بالشروط الأمريكية، وإن لم تذعن إيران فذلك نذير بتوسع دائرة الاشتباك والحرب، مع تهديد طهران بالرد على أهداف جديدة، وربما قطعها خطوط الاتصالات والإنترنت البحرية، ما يفقد المنطقة استقرارها ويدخلها في مرحلة انعدام اليقين الإستراتيجي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



Source link

Ahmed Hemdan

كاتب وصحفي إخباري شغوف بالرصد الميداني والرقمي، متخصص في اقتناص الخبر لحظة وقوعه وصياغته بمهنية وموضوعية عالية. يمتلك حسّاً صحفياً فريداً لتمييز الأخبار العاجلة والمهمة ومتابعة تفاصيلها أولاً بأول من مصادرها الموثوقة. يسعى دائماً ليكون الحلقة الأسرع والأكثر دقة في نقل المعلومة للقارئ، مع الالتزام بقواعد النشر الرقمي وسرعة الأرشفة لتغطية كافة الأحداث والتوجهات الجديدة فور ظهورها، ليبقى متابعو الموقع في قلب الحدث على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى