منتدى مصر 2026.. كشف حساب حكومة مدبولي | سياسة

خلال الفترة من 19 إلى 24 أكتوبر/تشرين الأول الحالي ينعقد في القاهرة منتدى ضخم لتقييم أداء حكومة رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي. المنتدى الذي يُجرى الاستعداد له على قدم وساق منذ عدة أسابيع، بعد تكليف الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكومة به في 26 أغسطس/آب الماضي، بدأت تتضح معالمه.
هذا المنتدى سيكون فرصة لمشاركة الكثيرين لمناقشة تقرير الأداء، وعرض المقترحات المختلفة للخروج من مأزق الأزمة الاقتصادية الراهنة التي زادت من استفحالها الظروف الدولية والإقليمية، لكن كل ذلك سيكون عقب شرح تقديمي موسع لإنجازات الحكومة، وما قامت به من أعمال خلال الفترة الماضية.
قصص مقترحة
قائمة من 2 العناصرنهاية القائمة
اتجاه رئاسي محمود لسماع الصوت الآخر
التكليف الرئاسي لم يُشر إلى أسباب طلب هذا التقرير. فرغم أهميته بغرض الشفافية وتوضيح المعلومات، فإنه يُعد سياسة جديدة محمودة لم يسبق أن طُرحت رئاسيا، عبر تكليف حكومة من الحكومات المصرية. صحيح أن الحكومة مُمثلة في مجلس النواب تطرح دوما إنجازاتها كلما سنحت تلك الفرصة، لكن وجود تكليف خاص بذلك مستقل ومُجمع، هو أمر جديد ويُحسب للرئاسة، لأنه يجعل المواطن مشاركا في المحاسبة والرقابة على أداء السلطة التنفيذية.
يبقى السؤال: هل ستكون النية إحداث تغيير على مستوى الحكومة، وسيكون التقرير أحد أسباب هذا التغيير؟ ربما يكون هذا الأمر واردا، وإن كان رئيس الدولة في النظام السياسي المصري لا يحتاج إلى مُبرر لتغيير رئيس الوزراء، خاصة أن الواقع يشير إلى أن الحكومات التي يُغيرها الرئيس في الغالب يوافق عليها البرلمان دون اعتراض، كما جرت كافة التغييرات الحكومية منذ نهاية الحقبة شبه الليبرالية عام 1952.
مسائل إجرائية مهمة لم تُحسم بعد
لكن وعلى الرغم من أن هذا المنتدى يُعد للرد على عديد الأمور الجوهرية، وكذلك استقبال التوصيات والحلول الشعبية والعلمية من مختلف الجهات سواء المرتبطة بالشارع المعني مباشرة بردود الأفعال، أو من مراكز الأبحاث والخبراء والدارسين، فإن هناك أمورا عديدة من المهم حسمها.
1. هل هذا المنتدى سيركز على أداء الحكومة الحالية للدكتور مدبولي المشكَّلة في فبراير/شباط 2026، بما يشمل أداء الوزراء الحاليين، أم سيتجه إلى أداء الحكومة منذ وجودها في يوليو/تموز 2018 حتى اليوم، وقد غادرها عشرات الوزراء ولم يتبق منهم اليوم إلا محمود توفيق وزير الداخلية، وياسمين فؤاد وزيرة البيئة.
2. هل هذا المؤتمر سيقتصر أداؤه على تقييم حكومة مدبولي فيما يتعلق بالأداء الاقتصادي والأداء الاجتماعي، أم سيمتد للأداء السياسي ممثلا في المجال العام، وخاصة القضايا المرتبطة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، بما يشمل الأمور المتصلة بحرية الرأي والتعبير، والحبس الاحتياطي، والأحزاب السياسية، وآليات المشاركة السياسية كالنظام الانتخابي، والمجتمع المدني، والإعلام، واستقلال القضاء، وأداء الحكومة البرلماني… إلخ.
3. إلى أي حد سيُعبر تقييم أداء الحكومة الخارجي، عن مسؤولية حقيقية لحكومة مدبولي بشأنه، لا سيما أن السياسة الخارجية هي مسؤولية أجهزة عديدة إلى جانب الجهاز الحكومي البيروقراطي التقليدي، خاصة في الجوانب التي تمس الأمن القومي، ومنها المرتبط بالأمن المائي، والقضية الفلسطينية، وأمن باب المندب وقناة السويس… إلخ.
لا شك أن المنتدى سيحسم جدلا كبيرا في المجتمع المصري، وهو: هل ستبقى حكومة مدبولي أم سترحل؟. لكن وبغض النظر عن الإجابة، فإن احتياج مصر اليوم هو إلى حكومة تمتلك إستراتيجية وسياسة، وليس مجرد امتلاك قدرة على الأداء
قضايا نقاش محددة سلفا
مما سبق يُصبح السؤال: ماذا عن أبرز قضايا النقاش؟ وفقا للموقع الإلكتروني “منتدى مصر 2026” المخصص لهذا الغرض كمنصة تفاعلية، فإن أيام المؤتمر تنقسم إلى ستة أيام، مرتبطة بثلاث عشرة قضية، هي على النحو التالي:
ماذا نعلم أبناءنا وعلاقة ذلك بسوق العمل؟. الشباب والرياضة. الثقافة والقيم الاجتماعية. التنمية الحضارية العمرانية. صحة المواطن. مصر الرقمية. أمن الوطن والمواطن. منظومة الحماية الاجتماعية. الأمن الغذائي وتوافر المياه. الطاقة. الاستثمار والصناعة وفرص العمل. موارد النقد وإدارة الدين. والابتكار وريادة الأعمال.
وهكذا يتبين أن موضوعات الجلسات تبدو عليها عدة ملاحظات:
- أولا: تبدو بعض الموضوعات المذكورة شديدة العمومية، وبعضها الآخر يبدو شديد الخصوصية. فالموضوع السابع على سبيل المثال، يدخل تحته أمور كثيرة مرتبطة بالسياسة الخارجية والتحديات الإقليمية والدولية، ما قد يؤشر إلى أن مناقشاتها قد تكتسب أمورا مبتسرة وموجزة إلى حد كبير. والموضوع الخامس المتعلق بالصحة، يتسم بالتحديد والدقة في المعالجة ويستحق تخصيص جلسة بأكملها، لا سيما في موضوع العلاج العام والعناية المركزة وهجرة طواقم التمريض إلى الخارج.
- ثانيا: هناك موضوعات على قدر أهميتها لم تخصص لها جلسة نقاش، فارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة والتضخم، هي بالتأكيد أمور مرتبطة بالحماية الاجتماعية.
- ثالثا: ماذا نعلم أبناءنا وعلاقة ذلك بالمستقبل، هذا الأمر مع أنه يناقش قضية مهمة للغاية وهي مناهج التعليم، إلا أنه يتجاهل عديدا من الأمور الأخرى ذات الصلة كالمدرس والإدارة التعليمية والمبنى والتقويم والدروس الخصوصية.
- رابعا: فيما يتعلق بأولوية النقاش تصدر التعليم ثم الشباب ثم الثقافة فالتنمية الحضارية والعمرانية أعمال النقاش، بينما يرى كثيرون أن الشأن الاقتصادي وخاصة قضية الدَّين التي خصص لها اليوم قبل الأخير هي من الأهمية بمكان لوضعها بعد قضية التعليم والمستقبل مباشرة، كما كان يتوجب أن يُلحق بها موضوع الثقافة والقيم بسبب الارتباط بين الأمرين.
مناقشات منتظرة حامية الوطيس
لكن كل ما سبق من أمور لن يُقلل من أهمية الخطوة الرئاسية الداعمة للمشاركة، والإحساس بنبض الناس الذين ما برحوا يعانون من قضايا وأمور كثيرة.
فمن خلال المناقشات سيكون على الحكومة أن تُجيب عن أسئلة مهمة، حول التعاون مع صندوق النقد الدولي، وهل كانت تلك التجربة ناجحة أم إنها فشلت بسبب قلة العائد وإغراق مصر بالدين وكثرة أعباء خدمة هذا الدين، وأثر كل ذلك على تدهور قيمة العملة المحلية.
وكذلك مناقشة الأمور الخاصة بأولويات التنمية، وما بات يحلو للكثيرين الحديث عنه بشأن التنمية البشرية مقابل التنمية الحجرية، خاصة في مسألة تطوير الطرق والمواصلات على حساب التعليم والصحة.
وأيضا القضايا المتعلقة بغلاء الأسعار وانفلات الأسواق وضعف الرقابة عليها، وارتباط كل ذلك بمسألة الأجور والرواتب والالتزام بالحد الأدنى للأجور، وكذلك الحد الأقصى لها والذي وصل إلى 35 ضعف الحد الأدنى، ما يُنذر في رأي كثيرين بالمزيد من الأحقاد الاجتماعية، وانزواء الطبقة الوسطى، وزيادة معدلات الفقر، الذي يراه البعض حتى ممن هم قريبون من دوائر السلطة التنفيذية أنه قد وصل إلى 37%، مما يُفسر عدم الإعلان منذ عامين عن بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك السنوي المعروف بمسح ميزانية الأسرة الصادر عن جهاز الإحصاء العام.
من الأمور التي سيناقشها المنتدى مسألة القيم، وهذه المسألة من الأمور الشائكة لكونها ترتبط بتغير وتبدُل قيم المجتمع المصري في الفترة الأخيرة، وهي أمور متصلة بعدة ملفات منها التعليم في مؤسسات المجتمع بدءا من الأسرة وانتهاء بالإعلام مرورا بالمدرسة
سياسة التشغيل
ترتبط بما سبق مسألة التشغيل ومحاربة البطالة، وإيجاد فرص عمل للشباب، وهذا الأمر مرتبط بالتالي بالمشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر التي تعاني من قلة الخدمات المقدمة ومحدودية الدعم والإجراءات البيروقراطية خاصة في مرحلة التأسيس، وكذلك مسألة إعادة فتح المصانع المغلقة منذ عدة سنوات.
لا شك أن موضوع التشغيل يتصل مباشرة بمدى ما أحرز من نجاح في تنفيذ “وثيقة سياسة ملكية الدولة في ثوبها الثاني “2023-2026″، حيث انتقد البعض عجز الحكومة عن تنفيذ الإصدار الأول من تلك الوثيقة في عام 2022 خاصة وقد تأخرت الدولة كثيرا في التخارج من ملكيتها وأجهزتها السيادية من عشرات المشروعات، التي استحوذت من خلالها على تلابيب المشروعات التي كان يمتلكها القطاع الخاص، لا سيما مع تأسيس ما سُمي بجهاز مستقبل مصر السيادي مطلع عام 2026.
الأمن المائي
ومن أهم الأمور التي ستتم مناقشتها الأمن المائي لمصر، فمصر اليوم يبلغ نصيب الفرد منها من المياه نحو 450 مترا مكعبا، وهو أقل من المعدل العالمي البالغ 1000 متر مكعب. لكن كثيرين يرون أن مناقشة تلك القضية لا يتحتم أن تكون من خلال سياسات الترشيد وتحلية مياه البحر وتدوير مياه الصرفين الصحي والزراعي، وهي سياسات نجحت الحكومة فيها بشكل كبير، بل الأهم من ذلك مناقشة كيفية مواجهة إثيوبيا التي ما إن انتهت من ملء سد النهضة حتى أعلنت أنها ستشرع في بناء ثلاثة سدود أخرى على النيل الأزرق، ما يحد من فرص الأمن الغذائي لكون ذلك يحد من فرص التوسع في مساحة الأراضي الزراعية المستصلحة.
القانون والقيم وحقوق الإنسان
من الأمور التي سيناقشها المنتدى مسألة القيم، وهذه المسألة من الأمور الشائكة لكونها ترتبط بتغير وتبدُل قيم المجتمع المصري في الفترة الأخيرة، وهي أمور متصلة بعدة ملفات منها التعليم في مؤسسات المجتمع بدءا من الأسرة وانتهاء بالإعلام مرورا بالمدرسة. مسألة القيم ترتبط بلا شك بإنفاذ القانون واحترام قيم المجتمع التي طفق الكثيرون ينتهكونها من خلال تطبيقات التواصل الاجتماعي، وضعف الدخول وانتشار البطالة، ما تسبب في زيادة الفسادَين الصغير والكبير معا.
لا شك أن كل ما سبق كان نتيجته انتشار الجريمة في المجتمع المصري، وهو أمر يحتاج إلى معالجة اجتماعية وليس أمنية فقط. واحد من الأمور التي كان من المهم أن تساهم في الحد من انتهاك حقوق الإنسان وحقوق الرأي والتعبير في المجتمع هو تأجيل قانون الإجراءات الجنائية إلى أكتوبر/تشرين الأول 2027 والذي من خلاله يرى البعض أنه ساهم في إهمال أوضاع الكثيرين من المحبوسين احتياطيا.
وكذلك عدم سعي الحكومة بعد أكثر من عقد من وضع الدستور، لسن قانون المحليات وغياب المجالس المحلية، وعدم سن قانون عدم ندب القضاة، وعدم سن قانون تداول المعلومات ما تسبب في توقيف عديد الإعلاميين أمنيا، وعدم سن القانون المنشئ لمفوضية عدم التمييز، وكذلك قانون العدالة الانتقالية.
نتائج متوقعة
لا شك أن المنتدى سيحسم جدلا كبيرا في المجتمع المصري، وهو: هل ستبقى حكومة مدبولي أم سترحل؟ لكن وبغض النظر عن الإجابة، فإن احتياج مصر اليوم هو إلى حكومة تمتلك إستراتيجية وسياسة، وليس مجرد امتلاك قدرة على الأداء.
لقد ساهمت عديد المصاعب الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها مصر في الحد من دورها الإقليمي، ما يجعل من المهم أن تكون حكومتها تملك الأدوات التي تتغلب بها على تلك المصاعب، وكلها لا شك أمور ممكنة من خلال أمور كثيرة منها شراكة المواطن والاستماع إلى ملاحظاته، على النحو الذي يحدث اليوم في منتدى مصر 2026.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



